جاليري

درب الشجعان: اللوحة التي عادت من جراحها

د. أشرف أبو اليزيد

 في شهادةٍ مؤثرة عن إحدى تجاربه التشكيلية، يروي الفنان والروائي الصديق عبد الرازق عكاشة قصة لوحته «درب الشجعان – فلسطين»، وهي لوحة كبيرة الحجم أنجزها عام 2011 في مرسمه بمدينة لا بار قرب باريس، بقياس يقارب مترين في مترين، منفذة بتقنية الزيت على القماش. ليست هذه اللوحة مجرد عمل فني، بل تجربة زمنية وروحية مرّت بمراحل من الولادة والجرح ثم الاستعادة، كما لو أنها تشارك موضوعها ذاته: الصمود بعد الألم.

شهادة الفنان: من الولادة إلى الجرح

يقول الفنان إن اللوحة رُسمت في فترة كانت فيها التجربة الشعورية مكثفة، فجاءت الألوان متراكمة وغنية بطبقاتها، مشبعةً بعلاقاتٍ من الروح والوجدان الصادق. غير أن كثافة اللون وثراء الطبقات جعلاها لاحقًا عرضةً لبعض التلف بعد نقلها منذ نحو خمس سنوات.

حين أصابها هذا التلف، لم يستطع الفنان أن يواجهها فورًا؛ فركنها في مرسمه في الحي الإسباني بحدائق أكتوبر. كانت اللوحة حاضرة في المكان، لكنها غائبة في العمل. كلما نظر إليها شعر بأن شيئًا ما ينقصها، أو أن وجعًا داخليًا يرافقها، وكأنها تحمل أثر الجرح الذي أصابها.

بعد سنوات من هذا الصمت، قرر الفنان قبل أسبوع فقط  وهو يعيش أجواء الاستعداد لمعرضه في قاعة الهناجر الشهر القادم عن ملحمة غزة وجدارياتها أن يعيد ترميمها. ومع الترميم عادت اللوحة إلى الحياة، لا بوصفها عملاً مستعادًا فحسب، بل ككيان فني خرج من تجربة الألم أكثر قوة ووضوحًا. في نظر الفنان أصبحت اللوحة تعبيرًا عن الصبر وروح الشهداء في الحروب على الأوطان، تلك الحروب التي يصفها بأنها امتداد لعنف التاريخ، يقودها «هتلر العصر» بأشكال جديدة.

بنية اللوحة: العمارة كرمز للمصير

عند تأمل اللوحة بصريًا، يلفت النظر حضور الأقواس المعمارية المتتابعة التي تشبه ممرًا طويلًا أو دهليزًا ممتدًا في العمق. هذه الأقواس تشكّل بنية أساسية للعمل، وتوحي بدربٍ أو مسارٍ تاريخي، وهو ما ينسجم مع عنوان اللوحة: «درب الشجعان». ربما تذكرني بدرب الآلام بثقله التاريخي وعمقه الديني والروحي.  فالعمارة هنا ليست وصفًا مكانيًا فحسب، بل استعارة للزمن وللمصير الإنساني. الأقواس المتكررة تشبه مراحل العبور، كأن الإنسان يمضي من قوس إلى قوس، من تجربة إلى أخرى، ومن ألم إلى أمل.

الإنسان في اللوحة: حضور الظل والروح

تظهر في اللوحة أشكال بشرية شبه متوارية، بعضها جالس وبعضها قائم، وقد اختلطت أجسادها بالكتل اللونية والفضاءات المعمارية. هذه الشخصيات لا تبدو فردية بقدر ما تمثل جماعة إنسانية تعيش لحظة مصيرية.

بعض الوجوه يكاد يختفي في الظلال، بينما تبرز أجساد أخرى بحركاتٍ توحي بالتعب أو التأمل. وفي أعلى اللوحة تظهر أشكال تشبه الوجوه أو الأقنعة، كأنها أرواح أو شهود يطلّون من فضاءٍ آخر.

هذا التداخل بين الإنسان والعمارة يمنح العمل بعدًا دراميًا؛ فالشخصيات ليست مجرد عناصر داخل المكان، بل جزء من ذاكرته وتاريخه.

اللون: طاقة الألم والرجاء

من أبرز عناصر القوة في اللوحة اللون. فالفنان يستخدم الأزرق والفيروزي بكثافة، إلى جانب البني والذهبي والأصفر الحار. الأزرق يملأ الفضاءات العليا ويمنح اللوحة إحساسًا بالاتساع الروحي، بينما تتجمع الألوان الداكنة في الوسط والأسفل، حيث تتكثف الحركة الإنسانية.

هذا التباين بين العلو الأزرق والعمق الداكن يخلق توترًا بصريًا يعكس صراعًا بين الظلمة والنور، بين ثقل الواقع وإمكانية الخلاص.

المفارقة أن التلف الذي أصاب اللوحة لم يضعفها فنيًا، بل أضاف إلى قصتها طبقة جديدة من المعنى. فاللوحة التي تتحدث عن الصبر والمقاومة مرت هي نفسها بتجربة مشابهة: أصيبت، ثم صمتت، ثم عادت إلى الحياة بعد الترميم.

بهذا المعنى تصبح اللوحة مثالًا حيًا على فكرة أن العمل الفني ليس ثابتًا، بل كائنٌ يتغير عبر الزمن، ويتفاعل مع حياة صاحبه وتجربته.

درب الشجعان: الفن كذاكرة

في النهاية، تبدو «درب الشجعان» أكثر من لوحة عن فلسطين أو عن الحرب؛ إنها تأمل بصري في مصير الإنسان حين يواجه العنف والخراب. الأقواس الطويلة، الأجساد المنهكة، الألوان المتفجرة، كلها عناصر تشكّل سردية عن العبور الإنساني في زمن القسوة.

والأهم أن هذه اللوحة، بعد ترميمها، لا تكتفي بسرد الألم، بل تذكّر بأن الفن قادر على أن يعيد صياغة الجرح، وأن يحوّل الذاكرة إلى قوةٍ جمالية تشهد على الصبر، وعلى روح الشهداء التي لا تنطفئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى