أحداثأدبشخصيات

حين يتكلم المكان: السرد بوصفه إعادة كتابة للجغرافيا

د. حمزة مولخنيف 

د. حمزة مولخنيف

حين ينحني الوعي على تضاريس الأرض ليتأملها، يكتشف أنّ ما يبدو سطحا ممتدا في الخرائط إنما هو طبقاتٌ من الزمن المتراكم، وأصداءُ حيواتٍ تعاقبت على الحجر والماء والتراب. فالمكان لا يُختزل في إحداثياتٍ هندسية، بل يتكوّن في منطقةٍ أعمق تتقاطع فيها التجربة بالذاكرة والتاريخ باللغة والهوية بالأفق الذي تنفتح عليه. هناك في ذلك التقاطع الدقيق يتشكل المعنى ويغدو الفضاء أكثر من امتدادٍ ماديٍّ؛ يصير وعاءً للوجود، ومرآةً للذات وهي تبحث عن موضعها في العالم.

وقد تنبّه مارتن هايدغر إلى أنّ السكنى فعلٌ أنطولوجيّ، وأنّ الإنسان يتحدد في صميم كيانه بعلاقته بالمكان الذي يقيم فيه. كما أضاء غاستون باشلار البعد الحميم للفضاء، فرأى في البيت والزاوية والدرج صورا تتكثف فيها التجربة الداخلية وتتجسد فيها حركة الخيال. بين هذين الأفقين يتبلور وعيٌ بأنّ الجغرافيا لا تُعاش إلا عبر وسيطٍ رمزيّ وأنّ اللغة هي الحقل الذي تُعاد فيه صياغة الأرض.

ويتقدم السرد بوصفه ممارسةً لإعادة تأسيس المكان داخل المعنى. فالحكي يمنح الفضاء نبرةً وصوتا ويحرره من حياده الظاهري، ويعيد ترتيب مكوناته في شبكةٍ دلالية تتجاوز ظاهر الأشياء. الأزقة تتحول إلى شواهد والجبال إلى استعارات، والمدن إلى ذواتٍ حية تتقلب بين الأمل والخذلان. ويغدو المكان نصا يُقرأ وتصبح الكتابة فعلاً يعيد تشكيل الجغرافيا على مستوى الرمز والذاكرة.

ينطلق هذا المقال المتواضع من وعيٍ بأنّ كل كتابةٍ للمكان هي في عمقها كتابةٌ للإنسان، لأنّ الذات لا تنفصل عن الحيز الذي تتشكل فيه، ولا تكتشف ملامحها إلا عبر الأفق الذي يحتضنها. ومن ثمّ فإنّ إنطاق المكان ليس ترفا بل ضرورة معرفية وجمالية، به تُستعاد الأرض من صمتها وتُمنح إمكانية أن تشارك في إنتاج المعنى، فيغدو السرد إعادة كتابةٍ للجغرافيا، وإعادة رسمٍ لحدود الوجود ذاته.

ليست الجغرافيا مجرد تضاريس ممتدة على سطح الأرض، ولا هي خرائط صماء تَخُطُّ حدودا بين أقاليم ودول، بل هي في عمقها نصٌّ مضمَرٌ ينتظر من يقرؤه، وذاكرةٌ متجسدة في الحجر والتراب والماء، تتخفّى خلف ظاهرها المادي لتبوح بتاريخها للوعي الذي يُحسن الإصغاء. إنّ المكان في صمته الظاهري يخزّن طبقات من الحكايات ويحتفظ بأثر الخطوات التي عبرته، ويضمر في جغرافيته جغرافيا أخرى خفية، هي جغرافيا المعنى. وهنا تتبدّى العلاقة بين السرد والمكان علاقةً تأسيسية، لا بوصف السرد توصيفا لحيّز خارجي، بل باعتباره فعلاً يعيد تشكيل هذا الحيّز ويُنشئ له وجودا آخر، وجودا رمزيا يتجاوز حدوده الفيزيائية.

غاستون باشلار

لقد قال غاستون باشلار في تأملاته حول الفضاء إنّ البيت ليس بناءً هندسيا فحسب، بل هو “كونٌ مصغَّر”، وإنّ الأمكنة التي نسكنها تسكننا بدورها، وتغدو جزءا من تكويننا الحميم. ولا يعود المكان موضوعا خارجيا يُدرَك من مسافة، بل يتحول إلى تجربة وجودية تتداخل فيها الذاكرة بالخيال والحضور بالغياب والواقع بالرمز. إنّنا حين نروي لا نصف الجغرافيا كما هي، بل نعيد كتابتها كما تُعاش وكما تُتخيَّل وكما تُستعاد في الوعي.

ومن هنا تنشأ فرضية هذا التأمل، أنّ السرد ليس تذييلاً للجغرافيا، بل هو إعادة تأسيس لها في أفق المعنى؛ وأنّ المكان حين يتكلم عبر النص، لا يتكلم بصوته الطبيعي بل بالصوت الذي يمنحه له الوعي السارد، فيغدو الفضاء الطبيعي فضاءً دلاليا، ويتحوّل التراب إلى علامة والنهر إلى استعارة والمدينة إلى شخصية لها مزاجها وذاكرتها ونزواتها.

ولقد نبّه مارتن هايدغر إلى أنّ السكنى ليست إقامة في مكان، بل هي طريقة في الوجود؛ فالإنسان لا يوجد أولاً ثم يسكن، بل هو يسكن لكي يوجد. بهذا المعنى، يصبح المكان شرطا أنطولوجيا لتشكّل الذات، ويغدو السرد الذي يستعيد المكان أو يبتكره، فعلاً يعيد مساءلة الوجود ذاته. إنّ إعادة كتابة الجغرافيا سرديا ليست ترفا جماليا، بل هي إعادة ترتيب لعلاقة الإنسان بعالمه.

حين نقرأ مدنا روائية فإننا لا نقرأ شوارع وأسواقا فحسب، بل نقرأ طبقات من القلق والأمل والحنين. إنّ نجيب محفوظ لم يكتب القاهرة كحيز معماري، بل كتبها بوصفها كائنا حيا يتنفس في أزقتها وتتحرّك في ظلالها مصائر البشر؛ لقد صارت الحارة في نصوصه مختبرا للوجود ومرآةً للتحولات الاجتماعية والروحية. وكذلك فعل غابرييل غارسيا ماركيز حين خلق ماكوندو، المدينة المتخيلة التي تحوّلت إلى جغرافيا رمزية لأمريكا اللاتينية، فاختلط فيها الواقعي بالأسطوري، وصارت الأرض ذاكرةً تمشي على قدمين.

إنّ هذا التداخل بين الجغرافي والسردي يكشف أنّ المكان ليس شيئا ثابتا، بل هو بناءٌ تأويليٌّ يخضع لزاوية النظر وللغة التي تصوغه وللخبرة التي تُحمِّله دلالاته. فالخريطة العلمية قد تحدد خطوط العرض والطول، لكنها لا تُحدِّد خطوط الشوق والخوف، ولا ترسم خرائط العشق والاغتراب. السرد وحده هو الذي يُنصت إلى تلك الطبقات الصامتة، ويعيد ترجمتها إلى علامات لغوية.

وقد رأى ميشيل دو سرتو أنّ المكان يتحول إلى فضاء حين يُمارَس، أي حين يُعاش ويُعاد تأويله عبر الأفعال اليومية. فالشارع ليس شارعا في ذاته، بل هو مجموع المسارات التي يرسمها العابرون. إنّ السرد هو أحد أشكال ممارسة المكان؛ إنه فعل رمزيّ يعيد ترتيب المسارات، ويعيد توزيع الأضواء والظلال، ويمنح لما كان هامشيا مركزا، أو لما كان مركزيا هامشا. إنّه يعيد كتابة الجغرافيا من الداخل، لا بوصفها سطحا ممتدا، بل بوصفها شبكةً من العلاقات.

إنّ كل سرد هو في جوهره عملٌ ضدّ النسيان؛ والمكان بما يحمله من آثار الزمن، هو أكثر ما يتعرض للتآكل والطمس. حين تُهدم البيوت أو تتغير ملامح المدن أو تُطمس أسماء القرى، حيث يبقى السرد حارسا لذاكرة الجغرافيا. لقد أدرك بول ريكور أنّ الهوية تتشكّل عبر الحكي، وأنّ الإنسان لا يعرف نفسه إلا بقدر ما يروي قصته. وإذا كانت الهوية الفردية كذلك، فإنّ الهوية الجماعية المرتبطة بأرضٍ وتاريخ، لا تُصان إلا عبر إعادة سرد المكان.

تبدو هذه المسألة أكثر إلحاحا في السياق العربي؛ فالمكان فيه ليس فقط مجالا جغرافيا بل هو موضع نزاعٍ وتأويل، تتقاطع فيه الذاكرة بالتاريخ والواقع بالرمز. إنّ المدن العتيقة والقرى الجبلية والصحارى الممتدة، ليست مجرد فضاءات طبيعية، بل هي حوامل لذاكرةٍ حضارية. وحين يكتب الروائي أو الشاعر عن مدينةٍ مصرية أو أندلسية أو مغربية، فإنه لا يصف حجارةً، بل يستدعي تاريخا من العبور والهجرات والتلاقح الثقافي. إنّ الجغرافيا هنا نصٌّ مفتوح، والسرد هو فعل قراءة وكتابة في آنٍ واحد.

لقد أشار إدوارد سعيد إلى أنّ السرد كان دائما أداةً للصراع على المكان؛ فالاستعمار لم يكتفِ باحتلال الأرض، بل سعى إلى إعادة تعريفها سرديا، فكتبها من منظوره وسمّاها بأسمائه وأدرجها في خرائطه الرمزية. وهنا تغدو إعادة كتابة الجغرافيا فعل مقاومة، إذ يستعيد السارد المكان من قبضة الخطاب المهيمن ويمنحه صوتا آخر، صوت الذاكرة المغيَّبة.

إنّ المكان حين يتكلم في النص لا يتكلم وحده، بل تتكلم معه الأزمنة المتراكبة. فالسرد لا يعيد كتابة المكان في حاضره فقط، بل يستدعي ماضيه ويستشرف مستقبله. هكذا تتكثف الجغرافيا بالزمن، ويغدو المكان عقدةً تتشابك فيها طبقات التاريخ. وقد ألمح ميخائيل باختين إلى مفهوم “الكرونوتوب”، حيث يتداخل الزمان والمكان في بنيةٍ واحدة، بحيث لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، على هذا الأساس، يتخذ المكان السردي حقلا للتوتر بين الأزمنة ومسرحا لتحولات الوعي.

غير أنّ إعادة كتابة الجغرافيا ليست فعلاً بريئا؛ إنها تنطوي على اختيار وعلى حذفٍ وإبراز وعلى توجيهٍ للمعنى. فالكاتب وهو يمنح المكان صوتا، يختار ما يُسمِعه للقارئ، ويصوغ نبرة هذا الصوت. إنّ المدينة في نصٍّ رومانسي ليست هي المدينة في نصٍّ واقعيٍّ نقديّ؛ والقرية في خطاب نوستالجي ليست هي القرية في خطاب تفكيكي. وتبعا لذلك، يتحوّل السرد إلى قوة تُشكِّل إدراكنا للجغرافيا وتعيد رسمها في مخيلتنا.

لقد قال خورخي لويس بورخيس إنّ “كل كاتب يخلق أسلافه”، أي أنّ النص يعيد ترتيب الماضي على نحوٍ جديد. ويمكن أن نضيف: كل كاتب يخلق جغرافيته الخاصة حتى وإن انطلق من مكانٍ معروف. فالقاهرة عند شاعرٍ ليست القاهرة عند آخر، والبحر في قصيدةٍ ليس البحر في رواية. إنّ السرد يُخصخص الجغرافيا ويجعلها تجربةً فرديةً حتى حين يتناول فضاءً جماعيا.

في هذا التخصيص تكمن قوة الأدب، إنه ينقلنا من المكان بوصفه موضوعا موضوعيا، إلى المكان بوصفه أفقا شعوريا. فالجبال قد تكون فيزيائيا متشابهة، لكن معناها يختلف باختلاف الوعي الذي يتأملها. وقد كتب فريدريك نيتشه عن الجبال بوصفها فضاءً للتسامي والتأمل، حيث ينفصل الفكر عن ضجيج المدن، ويصعد إلى أفقٍ أعلى. هنا يتحول المكان الطبيعي إلى رمزٍ فلسفيٍّ، ويغدو العلوّ الجغرافي استعارةً لعلوّ الوعي.

إنّ إعادة كتابة الجغرافيا سرديا ليست مجرد إعادة وصف، بل هي إعادة ترتيب لعلاقة الإنسان بالمكان؛ إنها تمنح القارئ إمكانية أن يرى المكان من زاويةٍ لم يكن يراها، وأن يعيد التفكير في علاقته بالأرض التي يسكنها. فحين نقرأ نصا يجعل من الصحراء فضاءً للحرية، أو من البحر أفقا للتيه، فإننا لا نكتسب معرفةً بالمكان فحسب، بل نكتسب خبرةً جديدة في فهم الذات.

وفي هذا التفاعل بين السرد والجغرافيا، تنكشف الطبيعة التأويلية لكل إدراك مكاني؛ فالمكان ليس شيئا قائما بذاته، بل هو دائما مكانٌ لِمَن؟ ومكانٌ لِماذا؟ إنه يُعرف بوظيفته في التجربة الإنسانية، وبموقعه في شبكة المعاني. إنّ السرد وهو يعيد كتابة الجغرافيا، يعيد أيضا تعريف الذات التي تتشكل في هذا الفضاء.

وفق هذا التصور، يصير المكان نصا يُقرأ والسرد قراءةً تكتب؛ وتتداخل الحدود بين الواقع والمتخيلوبين الأرض والكلمة. إنّنا لا نعيش في جغرافيا فحسب، بل نعيش في سرديات عن هذه الجغرافيا؛ والسؤال الفلسفي العميق ليس فقط: أين نحن؟ بل: كيف نروي أين نحن؟ لأنّ الإجابة عن السؤال الثاني هي التي تمنح الأول معناه.

ويتضح جليا أنّ المكان حين يتكلم إنما يتكلم عبرنا، وأنّ صوته ليس سوى صدى لوعينا وهو يحاول أن يفهم ذاته في مرآة الأرض. والسرد بما هو فعلُ تسميةٍ وتأويل، ليس إلا إعادة كتابة لهذه المرآة، بحيث لا تعكس ما هو قائم فقط، بل ما يمكن أن يكون. ومن هنا تبدأ الجغرافيا رحلتها الثانية، لا على سطح الخرائط بل في أعماق اللغة.

إنّ إعادة كتابة الجغرافيا سرديا لا تقتصر على تحويل المكان إلى خلفيةٍ للأحداث، بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة أنماط إدراكنا للعالم، وإلى تفكيك البنية المعرفية التي تجعلنا نعتقد أنّ الجغرافيا معطى جاهزا سابقا على اللغة. فالسرد وهو يُنطق الحجر والشارع والساحة يزعزع هذه البداهة، ويكشف أنّ ما نسمّيه “مكانا” ليس إلا حصيلة تراكمات من التسمية والتأويل والتمثيل. إنّ الجغرافيا في أحد وجوهها العميقة خطابٌ قبل أن تكون تضاريس، وصورةٌ ذهنية قبل أن تكون إحداثيات.

ولقد نبّه موريس ميرلوبونتي إلى أنّ الإدراك ليس انعكاسا سلبيا للعالم، بل هو انخراط جسديٌّ في نسيجٍ من العلاقات. إنّنا لا نقف إزاء المكان كما يقف المشاهد أمام لوحة، بل نحن منخرطون فيه، نتحرك عبره، ونمنحه دلالته من خلال عيشنا فيه.  إزاء هذا الفهم، يكتسب السرد امتدادا لهذا الانخراط؛ إنه تحويل للتجربة المعيشة إلى بنيةٍ لغوية تُعيد تشكيل ما عايشناه. إنّ المدينة التي نكتبها ليست هي المدينة التي نمشي في شوارعها فقط، بل هي المدينة التي استقرّت في ذاكرتنا وانعكست في وعينا وتمرّست في لغتنا.

وحين يُستدعى المكان في النص فإنّه لا يعود خاضعا للقياس الكمي، بل يدخل في اقتصاد رمزيٍّ معقّد. فالمسافة بين نقطتين، في الجغرافيا العلمية، تُقاس بالأمتار والكيلومترات، أما في السرد فقد تُقاس بالحنين أو بالخوف أو بالرغبة في الهروب. الطريق الذي يستغرق عشر دقائق سيرا قد يستغرق صفحات من التأمل، لأنّه يحمل في طياته عبورا داخليا لا يُختزل في زمنٍ خارجي. هنا يتكثف الفضاء ويغدو كلُّ ركنٍ منه مشحونا بطاقةٍ دلالية تتجاوز حجمه الفيزيائي.

لقد تأمل ميشيل فوكو مفهوم “الهيتروتوبيا”، أي الفضاءات الأخرى التي تتجاور فيها أنظمة مختلفة من المعنى، كالحدائق والسجون والمستشفيات. هذه الأمكنة ليست مجرد مواقع على الخريطة، بل هي بؤر يتكثف فيها الخطاب، وتُعاد فيها صياغة العلاقات بين السلطة والمعرفة والجسد. والسرد حين يقتحم هذه الفضاءات يكشف طبقاتها المخفية، ويعيد ترتيب بنيتها الرمزية فيُخرجها من حيادها الظاهري إلى ساحة التأويل.

ولعلّ المدينة الحديثة تمثل أكثر الأمكنة قابليةً لإعادة الكتابة، لأنها فضاءٌ للتعدد والتشظي والتداخل. لقد كتب فالتر بنيامين عن “المتسكّع” الذي يجوب شوارع المدينة الكبرى، لا بوصفه عابرا عاديا، بل بوصفه قارئا للنص الحضريّ، يلتقط إشاراته الخفية ويحوّل واجهات المحلات إلى شيفرات والأزقة إلى استعارات. إنّ المدينة هنا تعني كتابا مفتوحا، والسارد هو قارئٌ يعيد تأليف هذا الكتاب عبر مروره وتأمله.

غير أنّ إعادة كتابة الجغرافيا ليست دائما احتفاءً بالمكان، بل قد تكون أيضا كشفا لاغترابه. فالمنفى مثلا، ليس مجرد انتقالٍ من بلدٍ إلى آخر، بل هو إعادة تعريف للعلاقة بالمكان ذاته. إنّ المنفيّ يعيش بين جغرافيتين، جغرافيا الذاكرة وجغرافيا الواقع. وقد عبّر محمود درويش عن هذا التمزق حين جعل الوطن ليس قطعة أرضٍ فحسب، بل سؤالا وجوديا يسكن القصيدة. فالوطن في الشعر، يتحول إلى كيان لغويٍّ يقاوم المحو إلى مساحةٍ رمزية يُعاد فيها بناء ما هُدم في الواقع.

إنّ الجغرافيا حين تُنزع منها سيادتها السياسية أو تُشوه بفعل العنف، تلجأ إلى السرد لتحتمي به. فالنص يصبح وطنا بديلا، واللغة تغدو أرضا يُعاد ترسيم حدودها بالكلمات. إنّ السرد يُمارس فعلا ترميميا؛ إنه يعيد إلى المكان كرامته الرمزية حتى حين يُسلب وجوده المادي. إنّ إعادة كتابة الجغرافيا هنا ليست مجرد إعادة وصف بل إعادة تأسيس للانتماء.

غير أنّ العلاقة بين السرد والمكان لا تنحصر في ثنائية الحضور والغياب، بل تتعداها إلى مساءلة مفهوم المركز والهامش. فالخرائط السياسية ترسم مراكز القوة وتدفع بأطراف العالم إلى الهامش، لكن السرد قادر على قلب هذه المعادلة. قريةٌ نائية قد تتحول في روايةٍ إلى مركز الكون، ومدينةٌ عظمى قد تظهر بوصفها فضاءً للضياع. إنّ النص يحرر المكان من تراتبيته الجاهزة، ويعيد توزيع القيم الرمزية بين أطرافه.

وقد لاحظ جيل دولوز أنّ الفضاء ليس بنيةً ثابتة، بل هو شبكة من الخطوط المتحركة، من “الخطوط الهاربة” التي تفكك المركزية. على هذا المستوى، يغدو السرد نوعا من رسم خرائط جديدة، خرائط لا تخضع لمنطق الدولة أو السلطة، بل لمنطق التجربة والرغبة. إنّه “جغرافيا صغرى” تُقاوم الجغرافيا الكبرى وتمنح الصوت لما كان صامتا.

وإذا انتقلنا إلى الفضاء القروي أو الطبيعي، وجدنا أنّ إعادة كتابته سرديا تفتح إمكانات أخرى للفهم. فالطبيعة ليست خلفيةً محايدة، بل هي شريكٌ في الحدث. الغابة قد تكون ملاذا أو تهديدا، الصحراء قد تكون فضاءً للتيه أو للتطهر. لقد جعل هنري ديفيد ثورو من الطبيعة فضاءً للتأمل في معنى البساطة والحرية، فغدت البحيرة في نصوصه أكثر من مسطحٍ مائي، وصارت مرآةً للوعي وهو يتجرد من زوائد الحضارة. هكذا يُعاد تعريف الجغرافيا بوصفها تجربةً أخلاقية وروحية.

إنّ إعادة كتابة الجغرافيا سرديا تكشف أيضا هشاشة الحدود بين الواقعي والمتخيل. فالمدينة المتخيلة قد تكون أصدق في التعبير عن واقعٍ ما من المدينة الواقعية. إنّ إيتالو كالفينو في تأملاته حول المدن لم يقدّم خرائط محددة، بل قدّم تصورات شعرية تجعل كل مدينة انعكاسا لرغبةٍ أو خوفٍ أو ذكرى. هنا يتلاشى الفارق بين الجغرافيا والتخييل، لأنّ الحقيقة لا تُختزل في ما هو قابل للرصد، بل تمتد إلى ما هو قابل للتخيّل.

إنّ السرد يُنتج “جغرافيا ممكنة”، أي جغرافيا تتجاوز ما هو قائم إلى ما يمكن أن يُتصوَّر. فاليوتوبيا ليست مكانا على الخريطة، بل هي مكانٌ في اللغة يُعاد فيه ترتيب العالم وفق حلمٍ ما. إنّ إعادة كتابة الجغرافيا هنا فعل نقدٍ للواقع، واقتراحٌ لبديلٍ رمزيٍّ له. إنّها ليست هروبا من العالم، بل مساءلة له من خلال تخيّل عالمٍ آخر.

غير أنّ هذا الفعل السردي يظلّ مشروطا باللغة، واللغة بدورها مشروطة بتاريخٍ وثقافة. فكل لغة تحمل معها رؤيةً مخصوصةً للمكان؛ وبعض اللغات تميز بين أنواع متعددة من المطر أو الرمل أو الثلج، مما يعكس حساسيةً خاصة تجاه بيئة معينة. حين نكتب المكان فإننا نكتب عبر شبكةٍ من المفاهيم الموروثة، ونعيد في الآن ذاته تشكيل هذه الشبكة. إنّ السرد لا يعيد كتابة الجغرافيا فحسب، بل يعيد كتابة اللغة التي نكتب بها الجغرافيا.

وقد ذهب هانس-غيورغ غادامير إلى أنّ الفهم هو دائما حوارٌ بين الأفقين، أفق النص وأفق القارئ. ويمكن أن نضيف: أفق المكان أيضا. فالمكان المكتوب ليس هو ذاته عند كل قارئ؛ إنّه يتشكل وفق خبراته وذكرياته. المدينة التي تثير في قارئٍ إحساسا بالألفة قد تثير في آخر شعورا بالغربة. حيث يغدو المكان السردي فضاءً للتفاعل، لا كيانا مغلقا.

وإذا تأملنا في التحولات المعاصرة وجدنا أنّ التكنولوجيا الرقمية أضافت طبقةً جديدةً إلى علاقة السرد بالجغرافيا. فالخرائط الإلكترونية ووسائط التواصل والتصوير الفوري، كلها أعادت تعريف معنى الحضور المكاني. ولم يعد المكان بعيدا كما كان؛ يمكن أن نراه ونتجول فيه افتراضيا. غير أنّ هذا القرب الظاهري قد يُفضي إلى نوعٍ من التسطيح، إذ تُختزل الجغرافيا في صورةٍ سريعة. هنا يستعيد السرد أهميته بوصفه مقاومةً لهذا التسطيح، لأنه يعيد إلى المكان عمقه الزمني والشعوري.

إنّ التحدي الذي يواجه السرد المعاصر هو كيف يُنقذ المكان من التحول إلى “معلومة”، وكيف يعيد إليه كثافته الرمزية. فالعالم اليوم مغمورٌ بصورٍ لا تُحصى، لكن الصورة لا تكفي لبناء علاقةٍ وجودية بالمكان. وحده الحكي، بما يتضمنه من تدرّج وتأمل وإيقاع، قادرٌ على إحياء هذه العلاقة. إنّ السرد يمنحنا زمنا لنعيش المكان، لا لنستهلكه بصريا فقط.

إنّ إعادة كتابة الجغرافيا هي أيضا إعادة كتابة للذاكرة. فالذاكرة ليست مخزنا للوقائع، بل هي عملية تأويل مستمرة. حين نستعيد بيت الطفولة أو شارع المدرسة، فإننا لا نستعيده كما كان، بل كما نراه الآن من خلال طبقات التجربة. السرد يُثبّت هذه الرؤية، ويحوّلها إلى نصٍّ قابلٍ للتداول. هكذا يتحول المكان الخاص إلى مكانٍ مشترك، لأنّه يدخل في فضاء اللغة.

إنّ المكان حين يتكلم في النص لا يفعل ذلك بصفته مادةً صامتة، بل بصفته شريكا في تشكيل المعنى. إنه يؤثر في الشخصيات كما تؤثر فيه ويتغير بتغيرها. المدينة التي تشهد ثورةً ليست هي المدينة قبلها حتى وإن بقيت مبانيها على حالها. إنّ الحدث يترك أثره في الجغرافيا، والسرد هو الذي يلتقط هذا الأثر ويمنحه دلالة.

ونستشف أنّ الجغرافيا ليست قدرا صامتا، بل هي حقلٌ مفتوح لإعادة الكتابة. إنّ الإنسان منذ أن بدأ يرسم على جدران الكهوف، كان يعيد رسم العالم وفق رؤيته. والسرد في امتداده التاريخي، هو استمرار لهذا الفعل البدئي، فعل تحويل المكان إلى معنى. إنّه لا يكتفي بوصف الأرض، بل يُحمِّلها أسئلته، ويجعلها مرآةً لقلقه وطموحه.

ينفتح مسارنا التأملي المتواضع هذا على دلالة مفادها أنّ المكان ليس مجرد خلفيةٍ محايدةٍ للأحداث، ولا هو وعاءٌ خارجيٌّ تحتضنه اللغة دون أن تمسه، بل هو كيانٌ ديناميٌّ يتشكل في تفاعلٍ مستمرٍّ بين التجربة والذاكرة والخيال. إنّ السرد بوصفه فعلا لغويا تأويليا لا يعكس الجغرافيا، بل يعيد بناءها في أفق المعنى، ويمنحها حياةً ثانية تتجاوز وجودها المادي.

حين يتكلم المكان في النص فإنّه يكشف عن طبقاته الخفية ويستعيد ما طمسه النسيان، ويقترح إمكاناتٍ جديدةً للفهم. إنّه يتحول من سطحٍ مرسومٍ على الخريطة إلى أفقٍ وجوديٍّ تتقاطع فيه الذوات والتواريخ والرغبات. ويصير السرد ممارسةً للحرية، لأنه يحرر المكان من أحاديته ويفتحه على تعددية القراءات.

ففي عالمٍ تتسارع فيه التحولات، وتتغير فيه ملامح المدن والقرى، وتذوب فيه الحدود بين الواقعي والافتراضي، تظلّ الحاجة ماسّة إلى سردٍ يُنقذ الجغرافيا من التشيؤ، ويعيد إليها عمقها الإنساني. إنّ إعادة كتابة الجغرافيا ليست مجرد مشروعٍ أدبي، بل هي ضرورةٌ أنطولوجية، لأنّ الإنسان لا يستطيع أن يفهم ذاته خارج المكان الذي يسكنه، ولا أن يحفظ هذا المكان دون أن يرويه.

إنّ السؤال الذي يظلّ مفتوحا هو: كيف نكتب أمكنتنا اليوم بحيث لا تتحول إلى مجرد صورٍ عابرة، بل تظلّ فضاءاتٍ للمعنى والذاكرة؟ لعلّ الجواب يكمن في وعيٍ جديدٍ بأنّ الجغرافيا ليست شيئا نمتلكه، بل علاقةً نعيشها، وأنّ السرد ليس زخرفا يضاف إلى هذه العلاقة بل هو صميمها. فحين نروي المكان فإننا لا نصفه فحسب، بل نمنحه إمكانية أن يتكلم وأن يعيد بدوره تشكيلنا.

على هذا المنحى تنكشف وتتكشف ملامح الجغرافيا في ضوء السرد، لتصبح نصا مفتوحا على القراءة والكتابة، وتغدو الأرض كتابا لا ينفد، كل قراءةٍ له هي كتابةٌ جديدة، وكل كتابةٍ هي دعوةٌ إلى قراءةٍ أخرى. وفي هذا التبادل الخلاق بين المكان واللغة وبين الأرض والكلمة يتجدد المعنى، ويستمرّ الإنسان في رحلته الأبدية نحو فهم موضعه في العالم.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى