
أتيحت لي مؤخرًا فرصة قراءة رواية «الترجمان» لأشرف أبو اليزيد، والتي صدرت مؤخرا عن دار نشر Penprints في كالكوتا… وأجد نفسي أعود إليها في ذاكرتي مرارًا، كما يعود المرء إلى مكانٍ يرفض أن يُترك خلفه.
أكثر ما أثّر فيّ هو ذلك الاطمئنان الهادئ في كتابة أشرف أبو اليزيد، تلك الطريقة التي تتيح للتعقيد أن ينكشف دون إلحاح. فهو لا يقود القارئ نحو حقيقة واحدة؛ بل يثق بنا لنقيم في فضاء الالتباس، لننصت بعناية، ولنؤوّل بتواضع.
ثمة رهافة نادرة في الطريقة التي كتبت بها شخصية فوز. حياتها، الموسومة بالفقد والتحمّل، وبعودة تكاد تكون متحدّية إلى الحب، بدت عميقة الصدق. ومن خلال اختيارها أن تحب رجلًا يقف على تخوم الحياة والموت، تتحوّل المحبة إلى ما هو أعمق من مجرد عزاء؛ إنها تصبح فعل شجاعة.
ولا يقلّ عن ذلك جاذبية تصويره للترجمان، الذي تهزّ عبقريته البُنى التي تسعى إلى الارتقاء بها. فمن خلاله، ومن خلال الأصوات المتعددة التي تحيط به، تكشف كيف يمكن للحقيقة أن تتشظّى بسهولة تحت وطأة التصورات والغيرة والسلطة.
ثم هناك تلك اللحظات التي تبقى في الذاكرة بهدوء، ولكن بعمق لا يُمحى: صورة الحياة في المنفى «المصنوعة من زجاج»، أو صورة السجناء الذين يضحكون ويبكون في آنٍ واحد. هذه ليست مجرد مشاهد؛ بل حقائق وجدانية تواصل صداها طويلًا بعد الفراغ من القراءة.
إن «الترجمان» رواية تأبى التأويل السهل، إذ تتكشف بوصفها تأملًا متعدد الطبقات في الحقيقة والذاكرة والهياكل الهشّة للعلاقات الإنسانية. فبدلًا من تقديم سردٍ واحد، تقدّم جوقة من الأصوات، كلٌّ منها جزئيّ ومقنع، لتدعو القارئ إلى الإقامة في المساحة المعلّقة بين هذه الأصوات.
وفي قلب الرواية تتجلّى حالة المنفى، مرسومةً بشجنٍ رقيق:
«بيوتنا في المنفى مصنوعة من زجاج… لا تكشفنا فحسب… بل هي أيضًا هشّة قابلة للكسر.»
تُجسّد هذه الصورة المشهد العاطفي للنص، حيث تتعرّض الحيوات للتدقيق المستمر، وتُشكَّل تحت الإلحاح الذي لا يهدأ للإشاعة.
ويبرز المترجم بوصفه محفّزًا وتناقضًا في آنٍ واحد؛ متألّقًا في إنجازاته، ومقلقًا في خلخلته للتراتبيات القائمة. فعمله، الذي ينجز في عام ما كان يستغرق عقدًا من قبل، يغدو أقلّ انتصارًا بقدر ما يصبح مصدر قلق، إذ يكشف هشاشة السلطة المؤسسية.
وبموازاة ذلك، تسير حكاية فوز المؤثرة بعمق، وقد وُسمت حياتها بتكرار الفقد والتحمّل. إن قرارها أن تحب مرة أخرى—هذه المرة رجلًا معلّقًا «بين الحياة والموت»—يحوّل الحب إلى فعل تحدٍّ هادئ، لا إلى مجرد عزاء.
كما يعمّق انخراط الرواية في التاريخ، ولا سيما تصويرها الصارخ للحرب، من نبرتها الوجدانية. فمشاهد مثل السجناء الذين «يضحكون ويبكون في الوقت نفسه» تكشف عن نفسٍ ممزّقة بفعل البقاء تحت أقسى الظروف.
وما يميّز «المترجم» في النهاية هو رفضها حسم توتراتها. فهي تترك القارئ أمام إدراك عميق مفاده أن الحقيقة ليست ثابتة، بل تتشكّل باستمرار عبر المنظور والسلطة والذاكرة. وهكذا تحوّل فعل القراءة إلى فعل تأويل، يظلّ أثره ممتدًا طويلًا بعد الصفحة الأخيرة.
شكرًا لك – أشرف – على كتابة رواية لا تُبسّط الحالة الإنسانية، بل تُنصف تناقضاتها. «الترجمان» ليست نصًا يُقرأ فحسب، بل عالمًا يُسكن. مع خالص الإعجاب، رونا

شكرًا لك – أشرف – على كتابة رواية لا تُبسّط الحالة الإنسانية، بل تُنصف تناقضاتها. «الترجمان» ليست نصًا يُقرأ فحسب، بل عالمًا يُسكن. مع خالص الإعجاب، رونا



