أكرم و سر البطولة (قصة للأطفال)

بقلم: دكتور محمد يحيى فرج

هيا استيقظ يا اكرم ستتأخر على طابور الصباح…. توالت تلك النداءات على اذن اكرم كأنها آتية من بعيد، و اخذت تعلو شيئا فشيئا في اذنه كلما ازداد وعيه حتى فتح عينيه ووجد أمه تبتسم و تقول: هل ايقظتك من حلمك المفضل ثانية؟
قال اكرم في حزن : نعم يا أمي لقد كان حلما جميلا .
ضحكت امه و هي تقول ماذا أنقذت هذه المرة ايها البطل الصغير؟
صاح اكرم في حماس: لقد أوشكت السفينة على الغرق و لكن البطل اكرم تدخل في اللحظات الاخيرة و انقذها.
ضحكت الام و هي تمازحه حسنا ايها المغوار و لكن اسرع حتى لا تتأخر و نرى البطل الصغير يُعاقب في المدرسة.

 

في الطريق للمدرسة و بعد انتهاء اليوم الدراسي و خلال الطريق من المدرسة للبيت، كان عقل أكرم مشغولا بموضوع وحيد، كيف يصبح بطلا يا ترى؟ إنه لا يتمنى سوى شىء واحد، أن يصبح بطلا ينقذ الناس و يسطر ملاحم البطولة و المجد، و لكن كيف لطفل في الثانية عشر من عمره أن يصبح بطلا يشير اليه الناس في إعجاب؟
ما إن دخل أكرم البيت ، حتى أقبل على والدته و سألها و ملامحه يعلوها الجد: أمي أريد أن أسألك عن أمر هام.
قالت الأم و الدهشة تعلوها: ما الأمر يا أكرم؟ ماذا حدث اليوم في المدرسة؟
قال أكرم : ليس الأمر متعلق بالمدرسة يا أمي، و لكن الأمر متعلق بي، أريد أن أصبح بطلا و لكن الجميع يسخر مني لصغر سني.
نظرت الأم اليه لبرهة في دهشة ثم اخذت تقهقه عاليا و هي تقول : لقد أفزعتني ايها الصغير.
و لكنها لاحظت حزن أكرم و جديته فتمالكت نفسها و قالت في حنان : انك بطل حياتي يا صغيري ألا يكفيك هذا؟
صاح اكرم: أنا اعلم يا أمي و لكنى أريد أن أكون بطلا حقيقيا ينقذ الأبرياء و يواجه الاشرار و تعلو الأصوات بالهتاف له.
نظرت الأم اليه في حب و قالت له: أن الابطال يظهرون في الأوقات الصعبة يا أكرم، فعندما ينشغل كل فرد بإنقاذ نفسه، يكون شاغل الأبطال هو انقاذ الجميع يا صغيري.
ثم نظرت اليه نظرة ذات مغزى و هى تقول: إن الامتحانات قادمة و البطل اكرم عليه ان يذاكر حتى ينقذ نفسه أولا.
ضحك أكرم و هو يقول: لا تقلقي يا أمي اننى أذاكر دروسي جيدا.
ضحكت أمه و قالت: سنرى أيها البطل الصغير.
و أخذا يضحكان سويا و أكرم في داخله يفكر في كلام أمه بكل عقله و تفكيره.
………………………..
مرت الأيام و جاءت الامتحانات و تفوق أكرم فيها و كان أبواه في غاية السرور و هما يطالعان درجاته المتميزة، و صاح والد أكرم في سعادة: سأكافئك كما وعدتك يا أكرم، و سأوافق على ان تسافر الى اولاد عمك لتنال قسطك من اللعب و الترويح.
صاح أكرم في فرح : شكرا يا أبي و أعدك أني سأطيع عمي و سأكون ملتزما دائما.
سافر أكرم الى عمه في المدينة الساحلية الجميلة و أخذ يلهو و يلعب مع اولاد عمه على الشاطىء، و أستغرق تماما في أجازته حتى كاد ينسى احلام البطولة نهائيا.
و ذات يوم، كان أكرم و ابن عمه سعد يبيتان وحدهما في الشقة فقد خرج عمه و زوجته و باقي الأبناء في سفر قريب، و جلس أكرم و سعد يشاهدان التلفاز الى وقت متأخر و هما يتحدثان عن مخططاتهما لليوم التالي، و أخذ سعد يتثاءب و قال و قد بدا عليه النعاس الشديد: سأذهب لأنام يا أكرم، إنني أفتح عيناي بصعوبة من شدة التعب.
قال أكرم: حسنا يا سعد تصبح على ألف خير، إنني لا ارغب في النوم لذا سأشاهد التلفاز قليلا.
و أخذ أكرم يقلب في القنوات، و ألجأه السكون و الصمت الى التثاؤب هو الآخر، فأخذ يتمتم: يبدو أنني سأخلد الى النوم أنا ايضا.
و أغلق التلفاز و أخذ يرتب المكان و في أثناء ذلك حانت منه التفاتة الى النافذة، و لم تلحظ عينه المتعبة شيئا لأول وهلة، و لكنه ما لبث أن نظر ثانيا فقد كان هناك توهج غريب قادم من المبنى المقابل، أسرع أكرم الى النافذة ليجد ان هناك حريقا صغيرا قد شب في احدى شقق المبنى المقابل.
تسارعت ضربات قلب أكرم و جحظت عيناه و نظر في الشارع الخالي من المارة في هذا الوقت المتأخر، فلم يدري ماذا يفعل.
أسرع أكرم و ايقظ سعد الذي قام منتفضا و هو يقول: حريق ياللهول ! ماذا نفعل ؟
و نظر سعد للشقة التي بدأ فيها الحريق و قال: يبدو أنه ماس كهربائي بدأ في هذه الشقة الخالية، و لكن النار تنتشر سريعا و لن تلبث حتى تمتد لباقي الشقق المأهولة و عندها ستحتجز سكان الشقق في الأدوار العليا أيضا.
قال أكرم في قلق: ماذا سنفعل اذن كيف سننقذ هؤلاء المساكين؟
قال سعد: لا أدري يا أكرم يبدو أن كلهم نائمون و النار تمتد بسرعة.
قال أكرم : فلنحاول الاتصال بالمطافي و بمن نعرفه في هذا المبنى لعلهم يستيقظوا و ينبهوا باقي السكان.
أسرع سعد الى الهاتف بينما أخذ أكرم يفكر: لابد أن أفعل أكثر و احاول انقاذ هؤلاء الناس من الحريق.
و جاء سعد يلهث اليه: لقد اتصلت بالمطافي و حاولت الاتصال بالسكان و لكن لم يرد احد منهم و النار تنتشر بسرعة كبيرة.
لمعت عينا أكرم فجأة و قال في حماس: لقد خطرت لي فكرة اين كرات المضرب التي نلعب بها.
و أخذ اكرم كرة مضرب و فتح النافذة لأقصى درجة ثم القى بالكرة بشدة على نافذة شقة في المبنى المقابل ليتحطم زجاجها في عنف ثم أمسك الكرة الأخرى و القاها بشدة ايضا على نافذة شقة أخرى و توالت الكرات لتحطم زجاج النوافذ واحدة تلو الأخرى.
و ظهر احد سكان الشقق و هو يتثاءب و يصيح غاضبا: لقد رأيتك ايها الشقي سأعاقبك بشدة في الصباح.
أخذ أكرم يصيح به : حريق انظر هناك، النار توشك أن تمتد اليكم.
حدق الرجل في أكرم في عدم فهم اول الأمر،ثم نظر الى حيث يشير أكرم ليجد النار تتوهج و تلتهم الشقة الفارغة بسرعة كبيرة، و في ذات الوقت كان بعض السكان الآخرين قد أطلوا من النوافذ المكسورة ليسمعوا الحديث و ينظروا الى النيران المضطرمة.
تصاعدت صيحات الهرج و الاستغاثة و اسرع الذين استيقظوا لييقظوا باقي السكان و اسرع البعض ليحاولوا اطفاء الحريق و اسرع باقي السكان خارج المبنى لينجوا من النيران، و ما لبثت أن جاءت سيارات المطافي التي طلبها أكرم و سعد لتقضي على الحريق و تمنع امتداده.
و في الصباح الباكر، جاء العم و اسرته ليفوجئوا بطابور طويل يقف امام شقتهم،
تمتم العم بصوت خفيض: ماذا فعلتم ايها الاشقياء، لقد غبنا ليلة واحدة فقط.
قال احد المتجمعين: اننا لا ندري كيف نشكر أكرم على ما فعله، لقد أنقذ حياتنا.
تصاعدت الصيحات: نعم نعم انه بطل حقيقي، كيف نشكر هذا البطل الصغير، لا بد ان نعلق لافتة تحمل صورته و شكرنا له في قلب الشارع.
و أخذ العم يتصل بوالدي أكرم و يحدثهما عن البطل الصغير، و يرسل لهما صورة اللافتة و عليها شكر ابناء الشارع للبطل الصغير أكرم.
و تناول أكرم الهاتف ليجد والدته تقول له: انني فخورة بك يا أكرم لقد أصبحت بطلا حقيقيا،
كيف فعلت هذا يا صغيري؟!
أبتسم اكرم و هو يقول لوالدته: لا تتعجبي يا أمي، فأنتي من علمني السر الحقيقي….. سر البطولة.

بقلم دكتور/ محمد يحيى فرج (كاتب و أكاديمي مصري)

  • Related Posts

    Cairo Celebrates Bridges of Culture: Inspiring Speeches and International Honors

    In a vibrant cultural scene reflecting Cairo’s dynamism and its historic role as a bridge between civilizations, the British University in Egypt hosted a high-level international symposium titled “Culture and…

    الرِّوائي (حكمت بشنق) ينثر ورودَ العِشقِ في (عشق المناديل)

    بقلم: د. إيمان بقاعي 7\4\2026 بيروت بين (شذا) و(هدى)، بطل الرِّواية (سامر) مُلاحِقٌ ومُلاحَقٌ! ومن قال إنَّ الشابّ، خاصة إن كان قد “نشأ على الكرَم والحَياء، وتشبّع بِقِيمِ البساطة والاحترام،…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *