ماياكوفسكي ورِمال: شاعرٌ مستقبلي عملاق ألهم تيارًا شعريًا نيباليًا

سانتوش كومار بوخاريلي

 

في سجلات الشعر العالمي، قلّما نجد علاقة تجمع بين شاعرين بالعمق والتأثير، وبقدر من الغموض وقلة المعرفة، كتلك التي جمعت بين فلاديمير ماياكوفسكي من روسيا وغوبال براساد رمال من نيبال. فعلى الرغم من آلاف الأميال التي فصلت بينهما، واختلاف اللغة، وتباين الظروف السياسية التي عاشا في ظلها، فإن الشاعرين يشتركان في قرابة فنية عميقة. كان أحدهما المعلّم، والآخر التلميذ؛ ومعًا أسهما في إحداث ثورة في التقاليد الشعرية في بلديهما.

المعلّم: ماياكوفسكي، المستقبلي الذي هتف بالثورة

كان فلاديمير ماياكوفسكي (1893–1930) قوة استثنائية. وُلد في جورجيا، وتبنّى الأفكار الراديكالية في سن المراهقة، وانضم إلى البلاشفة في الخامسة عشرة، وقضى فترة في الحبس الانفرادي، حيث بدأ كتابة الشعر. وبحلول عام 1912، أصبح أحد أبرز رموز الحركة المستقبلية الروسية، وهي حركة أعلنت الحرب على عمالقة الأدب في الماضي.

وقد أعلن المستقبليون في بيانهم الصادر عام 1912: «نلقي بوشكين، ودوستويفسكي، وتولستوي في البحر من سفينة الحداثة!» وكان ماياكوفسكي صوتهم الأكثر تألقًا.

تمثلت أهم ابتكاراته في قصيدة «السلم» (Lesinka)، وهي صيغة ثورية كسرت الأبيات التقليدية إلى خطوات قصيرة ومتتابعة رأسيًا. كان كل سطر بمثابة وقفة، ونَفَس، ولحظة درامية. وكان شعره مصممًا ليُلقى بصوت عالٍ من فوق المسارح وفي زوايا الشوارع. لقد كان الشعر عنده فعلًا سياسيًا، والقصيدة سلاحًا.

في قصيدته «المسيرة اليسارية» (1918)، كتب:

حشدوا الصفوف في مسيرة!
لا وقت الآن للجدال أو التصفح،
صمتًا أيها الخطباء!
كلمتك،
أيها الرفيق ماوزر.

تحاكي الأسطر القصيرة المتقطعة إيقاع خطوات المسيرة ونيران البنادق. أما السطر الأخير، وقد كُسر ووُضع في خطوة مستقلة، فيمنح كلمة «ماوزر» ثقلًا دراميًا. فالمسدس يصبح الحجة الأخيرة.

ومع ذلك، كانت حياة ماياكوفسكي دراسة في التناقضات القصوى. فقد كانت عروضه الجماهيرية الصاخبة تتناقض مع يأسه الخاص. كما أن الحماسة الثورية اصطدمت بخيبة متزايدة من البيروقراطية السوفيتية التي ساعد هو نفسه في بنائها. ومع تزايد الانتقادات التي تعرض لها ومواجهته الرفض، أقدم الشاعر، البالغ من العمر ستة وثلاثين عامًا، على الانتحار في 14 أبريل 1930.

التلميذ: رمال، أول شاعر ثوري في نيبال

على الجانب الآخر من العالم، وفي ظل جبال الهيمالايا، كان شاعر نيبالي شاب يجد صوته الخاص. ويُذكر غوبال براساد رمال (1918–1973) بوصفه أول شاعر ثوري في نيبال، وأول شاعر يرفض الوزن التقليدي.

في عام 1935، نشر رمال قصيدته «أغنية الشاعر» (Kaviko Gan)، التي اعتُبرت أول قصيدة نيبالية مكتوبة بالشعر الحر. وبحلول أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، كان قد تخلى عن الوزن بصورة كاملة. ومثل ماياكوفسكي، أدرك أن الرسالة الثورية الجديدة تحتاج إلى شكل ثوري جديد.

أما أشهر أعمال رمال، «حلم الأم» (Aama Ko Sapana)، فهو حوار بين أم وطفل حول مجيء مخلّص ثوري:

أمي، هل سيأتي؟
«نعم يا بني، سيأتي.
سيأتي ناشرًا النور مثل شمس الصباح.
وسيلمع عند خصره ما يشبه قطرات الندى،
وسترى سلاحًا؛
وهكذا سيحارب الظلم!»

ويخلق الشعر الحر إيقاعًا طبيعيًا حواريًا، يشبه أمًا تطمئن طفلها. لكن الصور الشعرية ذات دلالة سياسية واضحة؛ فـ«شمس الصباح» هي فجر الثورة، و«السلاح» هو الكفاح المسلح.

أدى رمال دورًا محوريًا في الحركة الديمقراطية بين عامي 1950 و1952، التي أطاحت بنظام رانا. لكنه أصيب بخيبة أمل عميقة بسبب الصراعات والانقسامات الحزبية التي أعقبت ذلك. ومع تحطم أحلامه، فقد رمال اتزانه النفسي، وقضى سنواته الأخيرة هائمًا في شوارع كاتماندو، رجلًا محطمًا لم تعترف الأمة التي ساعد في تحريرها بعبقريته حق الاعتراف.

وتوفي في 24 أكتوبر 1973، وفاة طبيعية جاءت بعد سنوات طويلة من المعاناة.

التأثير: كيف شكّل ماياكوفسكي تجربة رمال؟

هل كان رمال يعرف أعمال ماياكوفسكي؟ الأدلة المتاحة غير مباشرة، لكنها مقنعة.

فبحلول ثلاثينيات القرن العشرين، كانت شهرة ماياكوفسكي قد تجاوزت حدود الاتحاد السوفيتي بكثير. وترجمت قصائده إلى لغات متعددة، واستلهم شعراء ثوريون في أنحاء العالم، من بابلو نيرودا إلى ناظم حكمت، أعماله. وباعتباره شاعرًا منخرطًا سياسيًا، ويبحث عن أشكال جديدة للتعبير الشعري، فلا بد أن رمال قد سمع بماياكوفسكي وقرأ له.

وتبدو أوجه التشابه لافتة:

كلاهما رفض الوزن التقليدي. حطم ماياكوفسكي الأعراف الشعرية الروسية، بينما أصبح رمال أول شاعر نيبالي يتخلى عن الوزن بصورة كاملة.

كلاهما رأى الشعر سلاحًا. كتب ماياكوفسكي «المسيرة اليسارية» لتُلقى أمام الجمهور، واستخدم رمال الشعر للاحتجاج على نظام رانا.

كلاهما وظّف الرمز لتجاوز الرقابة. كان «المصباح الأصلع» عند ماياكوفسكي نقدًا للحياة الحضرية الحديثة، بينما كانت «الأم» في «حلم الأم» ترمز إلى نيبال نفسها، وهي تعاني تحت وطأة الاستبداد.

كلاهما كان ثوريًا تجاوزته ثورته. انتحر ماياكوفسكي، بينما فقد رمال صوابه ومات في عزلة وغموض.

كان ماياكوفسكي، بالمعنى الأعمق، معلّم رمال و«غورو» له؛ فقد قدمت ابتكاراته وقناعاته نموذجًا للشاعر النيبالي الشاب في مشروعه الثوري الخاص.

تقليد حي: مقاطع بوخاريلي الشعرية

تستمر الروح الثورية التي دفعت ماياكوفسكي ورمال إلى التجديد في القرن الحادي والعشرين. وتُعد «مقاطع بوخاريلي الشعرية» (Pokhrelian Stanzas)، المعروفة أيضًا باسم #pokhreliknots، شكلًا شعريًا جديدًا قدمه الشاعر النيبالي متعدد اللغات سانتوش كومار بوخاريلي. وقد سُجل هذا الشكل لدى مكتب حقوق الطبع والنشر في نيبال، ويمثل امتدادًا للتقليد الثوري في الشعر.

وعلى خلاف «الأبيات الشعرية البيضاء المربكة» التي تميز جانبًا كبيرًا من الشعر الحديث، تقدم مقاطع بوخاريلي إطارًا موجزًا ومقفّى ومنضبطًا من الناحية البنائية. وكما جاء في إحدى القراءات النقدية: «إن عقدة بوخاريلي انتصار على الأبيات الحديثة البيضاء المربكة، وبعدد قليل جدًا من الكلمات يمكنها أن تؤدي غرض التعبير الشعري عن الملاحظات الذكية».

وتكمن جدة هذا الشكل في بنيته المورفوسيمانتية؛ حيث تشكل البنية المقطعية للقصيدة معناها بصورة مباشرة. ويكوّن كل مقطع شكلًا صرفيًا، ضمن تدرج منظم يقود القارئ في رحلة من الاكتشاف اللغوي.

ومنذ ظهور هذا الشكل في مارس 2024، بدأ يحظى باهتمام شعراء من أنحاء العالم، حيث أخذ ممارسون له في لغات متعددة يجربون #pokhreliknots. وأقيمت أول ورشة حول «مقاطع بوخاريلي الشعرية» في مبنى قاعة جامعة تريبهوفان عام 2024، لطلاب الدرجات الجامعية. وفي نوفمبر 2025، وبمبادرة من جمعية كتاب أودايابور، أُقيم أول تدريب رسمي على مقاطع بوخاريلي الشعرية في كلية جاناتا المتعددة في أودايابور، نيبال، وهو ما شكّل محطة مهمة في تاريخ هذا الشكل الشعري الجديد.

الخاتمة: الشعر لا يعرف الحدود

إن علاقة المعلم والتلميذ بين ماياكوفسكي ورمال ليست مجرد واقعة تاريخية مثيرة للاهتمام، وإنما هي تقليد حي من القرابة الأدبية التي لا تزال تلهم الشعراء عبر جبال الهيمالايا وما وراءها.

قال ماياكوفسكي: «أريد لبلدي أن يفهمني، ولكن إن لم يفعل—حسنًا، سأمر من هنا». وقد مضى رمال، على خطى معلّمه، لكنه لم يفعل ذلك قبل أن يترك أثرًا لا يُمحى في شعر نيبال وفي قلوب شعبها.

واليوم، يجد جيل جديد من الشعراء في مقاطع بوخاريلي الشعرية شكلًا يستطيعون من خلاله التعبير عن أصواتهم في مقاطع موجزة، مقفاة، ومكتملة من الناحية الجمالية.

الشعر لا يعرف الحدود. والروح الثورية عالمية. ويذكّرنا الحوار بين موسكو وكاتماندو، بين شاعر مستقبلي روسي وشاعر ثوري نيبالي، بأن قدرة الشعر على التحدي والمواساة والتحول تظل حيوية اليوم كما كانت قبل قرن.

سانتوش كومار بوخاريلي شاعر نيبالي متعدد اللغات، ومبتكر «مقاطع بوخاريلي الشعرية» (#pokhreliknots). وتستند هذه المقالة إلى أبحاثه حول تأثير فلاديمير ماياكوفسكي في الشعر النيبالي.

  • Related Posts

    قراءة تشكيلية مختصرة: معرض”ناس من شارعنا” للفنان القدير عبدالرازق عكاشة

     بقلم الدكتورة رانيا سعيد تتجلى إحدى السمات البارزة في تجربة الفنان من خلال التباين بين الاختزال اللوني والتكثيف التعبيري؛ حيث اعتمد على توجه تشكيلي يقوم على التعبير الوجداني وإعادة صياغة…

    حيفا والنورس …آفاق الأحاديث والوقائع

      طارق العمراوي من قصص الكاتب توفيق فياض  الموجهة للطفولة قصة “حيفا والنورس ” وأمن والأ لواح التشكيلية هنريك خيلنسكي والتي قالت الكثير كالصومعة و القباب والقوارب واللباس التقليدي الفلسطيني ولحظات  الوداع والحيرة والبكاء وطيران النوارس البيضاء في سماء الشاطئ والبحر. وككل كاتب فلسطيني يحضر المعجم الطبيعي والبيئي وهنا كان شاطئ البحر والشمس والصيف والشتاء والرياح الباردة والطيور الجميلة والنوارس والفضاء والموج والماء والجنحه والرمل . وما يميز هذه السردية الجميلة أن تحولت هذه المكونات إلى ظواهر طبيعية مقلقة اذ كانت خارج الأراضي الأم وهذا حال المخيمات والبقاع التي سكن بها المهجرون والمطردون من فلسطين وهي فرصة للتذكير بواقع  الفلسطينيين اذ قال النص” وحيفا لا تحب بيتها كثيرا لأنه يصير حارا جدا عندما تطلع الشمس في الصيف وفي الشتاء  يسيل الماء من شقوق السقف وتكاد تقتلنا  الرياح الباردة “. في حين وصفت السردية الفلسطينية في عدة نصوص البيوت والدور الفلسطينية و شجرة الزيتون والساحة والحجارة  المقاومة للبرد و الحرارة والصهيونية. وهذه شواطئ  بيروت اين  تعيش الطفلة حيفا مع غيرها من الفتيات المهجرات بالأردن  وسوريا وغيرها من البلدان . حضر في السردية  اخراج جميل عبر حيفا الطفلة وحيفا البلدة الفلسطينية  كانت الأولى سعيدة رغم البيت والواقع التعيس وبعتها عن حيفا  الثانية البلدة الجميله وها هي الطفلة   محبة للبحر والطيور البيضاء وحيفا البلدة التي تركها القاص لمخيلة الطفل أ ن تتخيلها وتحلم بها كما قال القاص ” كانت حيفا لا  تزال تجلس على الشاطئ منتظرة  جدها وتحلم بحيفا  ثانية” متقاطعة  مع كل المهجرين الذين يحلمون برؤية بلدانهم التي ولد فيها الأباء والأجداد وحرموا منها  كأطفال ولدوا في المخيمات وغيرها ولأنها تشترك في الاسم ما يدعم العلاقة المستقبلية مع حيفا البلدة و لأنها موطن جدها . وهذا أحدهم الجد الذي يغادر شواطئ بيروت ليلتحق بحيفا البلدة  ويكون الصيد مع رؤية  بلدته |أين يقوده  الحنين إليها  كل يوم ودائما لذلك رفض أ ن تكون حفيدته في صحبته  ليلتقي بحيفا الأخرى  ومازالت صغيرة ربما ليحدثها بإطناب عن البلدة الجميلة التي ترك فيها بيته  وتاريخه وذكرياته وهو بينهما  يحمله الحنين للمدينة الحبيبة  وقلقه لأنه ترك الحفيدة لوحده محتارة قلقة . ها  هو النورس حضر في أكثر من فاصلة سرديه كانت تسعد  الفتاة ومحدثاتها عندما رأتها تبكي ودليل جدها في البحر أكثر من البوصلة والشراع والنجوم والقمروأخيرا  مصدر للمعلومات  لأنها خبيرة بالبحار والشواطئ قالت لحيفا” لأن حيفا الأخرى ليست بنتا يا حيفا إنما مدينة هناك خلف البحر جميلة مثلك وأنا أحبها أيضا ” وحديث الطفلة  مع الحيوان هو تقليد سردي استحسنته العديد من الكتابات  وكتبوا فيه وبه و ها هي هذه السردية الجميلة تواصل في نفس النهج حتى اعتبرته  الفتاة مصدرا للمعارف والمهارات الحياتية اذ قالت مخاطبة النورس “لا تتركني أيها النورس أريد أ ن أسالك سؤالا آخر” مع حنين الجد لبلدته الأم ها هو الصبر والانتظار قدر الفلسطينيين وعبرت عنه الفواصل السردية في انتظارها الجد ومعه الحكايات عن حيفا البلدة التي تعرفت  عليها مؤخرا وتحلم برؤيتها بعد حديث التشويق الذي أدلى به النورس كما قال النص “وحين مالت  الشمس عن المغيب  وتعلقت فوق  البحر مثل البرتقالة كانت حيفا  لا تزال تجلس منتظرة جدها وتحلم بحيفا الثانية إن نص ” حيفا والنورس” لكاتبها  توفيق فياض  استحضرت التهجير وتمظهراته والحنين لبلدات الولادة والنشأة  ومفتاح الانتظار وحلم العودة وحضر الحيوان في خط تواصلي مع الكتابات التي راهنت  على الحيوان لتمرير الرسائل وكتابة سردية يشقها الخيال مع مقدمات واقعية انبت عليها الأحداث والمسار  

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *