
تُعدّ خديجة نداي نموذجًا بارزًا لجيل من أبناء الجالية السنغالية في المهجر الذين يرفضون الاختيار بين جذورهم الإفريقية وبين بلوغ قمم الهندسة والتكنولوجيا العالمية. وُلدت في فرنسا وتعيش اليوم في كندا، وقد نجحت في تحويل إرثها الثقافي إلى قوة فكرية وسياسية تدافع عن استقلالية المجتمعات الإفريقية في مجالات التكنولوجيا والابتكار. وبمناسبة الثامن من مارس، تدعو مؤلفة كتاب «عالم سَبِّيه» إلى تجاوز الرمزية الاحتفالية نحو مساءلة حقيقية حول فرص النساء في الوصول إلى تخصصات المستقبل. في هذا الحوار نتعرّف إلى امرأة تؤمن بأن المعرفة ليست محايدة أبدًا.
التعليم بين الذاكرة السنغالية والتجربة العالمية
على الرغم من ولادتها في فرنسا وإقامتها في كندا، تؤكد نداي أن جذورها السنغالية ما زالت تشكل الأساس العميق لرؤيتها للتعليم. فقد نشأت وهي تسمع قصص الأجيال السابقة التي كان التعليم بالنسبة لها فرصة نادرة وصعبة المنال، طريقًا للصعود الاجتماعي محفوفًا بالتضحيات. لذلك لم يكن التعليم في نظرها حقًا بديهيًا، بل معركة من أجل الكرامة وفرصة يجب اغتنامها.
في عائلتها كان النجاح الدراسي يحمل بُعدًا أخلاقيًا؛ فهو تكريم لتضحيات الآباء وتوسيع لآفاق المجتمع بأسره. وقد ترك هذا التصور أثرًا عميقًا في وعيها، إذ أدركت مبكرًا أن المعرفة قادرة على تغيير المسارات الاجتماعية.
عندما واصلت دراستها في فرنسا، واجهت أنظمة تعليمية قوية ومنظمة، لكنها لاحظت أحيانًا ابتعادها عن الواقع الاجتماعي الأوسع. هناك أدركت الفارق بين رؤيتين: في بعض السياقات الغربية يُنظر إلى التعليم بوصفه رأس مال فرديًا، بينما في الإرث السنغالي يظل أداةً لخدمة المجتمع.
هذه الازدواجية ما تزال ترافقها وتدفعها إلى طرح أسئلة سياسية مهمة:
من يستفيد فعلاً من أنظمة التعليم؟
ومن يُستبعد منها، ولماذا؟
وأي أنواع المعرفة يتم تقديرها، وأيها يتم تهميشها؟
وترى أن “اللمسة السنغالية” في مشاريعها تكمن في سعيها إلى ربط التميّز الأكاديمي بالعدالة الاجتماعية. فهي لا ترى التعليم مجرد تراكم للشهادات، بل أداة استراتيجية تمنح المجتمعات التي ظلت مهمّشة في مجالات التكنولوجيا العالمية القدرة على الاستقلال والتمكين.
كما تؤكد وجود بُعد هوياتي مهم، إذ تلاحظ لدى كثير من شباب الشتات صراعًا بين التفوق الأكاديمي والانتماء الثقافي. وهي تعمل على تفكيك هذا التناقض، مؤكدة أنه يمكن السعي إلى أعلى المعايير العلمية العالمية مع الاعتزاز الكامل بالهوية الإفريقية.
دور الجالية السنغالية في كندا
تعتقد نداي أن الجالية السنغالية في كندا تمتلك رصيدًا علميًا وتكنولوجيًا وتنظيميًا كبيرًا يمكن أن يساهم في تنمية السنغال. فالكثير من أبناء هذه الجالية يعملون في بيئات علمية متقدمة ويعرفون آليات الابتكار والتمويل والبحث العلمي.
لكنها تؤكد أن نقل الخبرات لا يمكن أن يظل مبادرات فردية متفرقة، بل يجب أن يتحول إلى مشروع مؤسسي منظم يشمل اتفاقيات بين الجامعات، وبرامج إشراف مشترك على رسائل الدكتوراه، وحاضنات تكنولوجية عابرة للحدود، وسياسات عامة تسهّل حركة الخبراء بين الدول.
وترى نفسها جزءًا من هذا الجهد، لكنها تؤكد أن التأثير الفردي له حدود، وأن ما تحتاجه إفريقيا اليوم هو بنية تعاون منهجية بين الدول والجامعات والجاليات العلمية في الخارج.
نماذج نسائية ملهمة في مجالات العلوم
في كتابها «عالم سَبِّيه» تقدم نداي بطلة شابة طموحة تعمل في مجال التكنولوجيا. وتوضح أن هذا الاختيار لم يكن عشوائيًا، إذ تتذكر عندما كانت طالبة كيف كانت أحيانًا واحدة من القلائل في بعض الفضاءات العلمية. هذا النقص في التمثيل النسائي يؤثر في بناء الهوية المهنية لدى الفتيات.
وتشير الأبحاث الاجتماعية إلى أن غياب النماذج النسائية يقلل من ثقة الفتيات بقدراتهن العلمية. فإذا لم ترَ الطفلة مهندسات يشبهنها ثقافيًا أو اجتماعيًا، فقد تعتقد لا شعوريًا أن هذا المجال ليس لها.
لذلك أرادت من خلال شخصية “سَبِّيه” أن تجعل الكفاءة العلمية للمرأة الإفريقية أمرًا طبيعيًا وبديهيًا، لا استثناءً نادرًا.
رسالة الكتاب ومعناه
تقول نداي إن شخصية “سَبِّيه” تشبهها في تعاملها مع التعقيد؛ فهي تتحرك بين ثقافات متعددة ومتطلبات مختلفة. وتعترف بأنها مرت بلحظات شك، خاصة في بيئات علمية غربية حيث قد تضطر المرأة السوداء إلى إثبات جدارتها أكثر من غيرها.
لكن الرسالة الأساسية التي أرادت إيصالها واضحة:
طموحك مشروع.
ذكاؤك قوة استراتيجية.
وجودك في مجالات التكنولوجيا ليس مصادفة.وتؤكد أيضًا أن الثقة بالنفس لا تسبق الفعل دائمًا، بل إن العمل المتواصل هو ما يصنع الثقة.
الثامن من مارس: لحظة للمساءلة
بالنسبة لنداى، يمثل يوم 8 مارس فرصة للتقييم النقدي، وليس مجرد احتفال رمزي. فهو يدعو إلى تحليل المؤشرات الواقعية مثل نسبة التحاق الفتيات بتخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وفرص الحصول على التمويل البحثي، ومشاركة النساء في مواقع صنع القرار.
وترى أن العقبات أمام الفتيات الإفريقيات في المجالات التكنولوجية متعددة، وتشمل الأعراف الاجتماعية وضعف البنية التحتية وغياب النماذج النسائية والتأثير المستمر للصور النمطية.
ولذلك تدعو إلى سياسات تعليمية شاملة، منها إدماج العلوم منذ المراحل الدراسية الأولى بطريقة منصفة، وتدريب المعلمين على تجاوز التحيزات الجندرية، وتوفير منح دراسية موجهة للفتيات، وتشجيع ريادة الأعمال التكنولوجية النسائية.
وتختتم بالقول إن مستقبل إفريقيا التكنولوجي لا يمكن أن يُبنى إذا جرى تهميش نصف طاقتها البشرية. فالقضية ليست فقط قضية مساواة، بل قضية تنافسية استراتيجية للقارة بأكملها.
المصدر بالفرنسية
Khadydja Ndoye : Pour une excellence technologique ancrée dans la justice sociale
رسالة الكتاب ومعناه


