أدبشخصيات

بلاغة اللغة والفكر: تحليل أدبي نقدي لمؤلفات عبد الله كنون

د. حمزة مولخنيف

د. حمزة مولخنيف

ليست الكتابة عند كبار الأعلام مجرّد أثرٍ لغويٍّ يُضاف إلى رصيد الثقافة ولا مجرد وثيقةٍ تُحفظ في رفوف المكتبات بل هي في حقيقتها صورةٌ من صور الوعي حين يبلغ درجةً من النضج تجعله قادرا على أن يتحوّل إلى بيان، وعلى أن يكتسب من اللغة ما يجعله فاعلا في التاريخ لا شاهدا عليه فحسب. ومن هنا كانت مؤلفات عبد الله كنون تنتمي إلى ذلك الضرب الرفيع من الكتابة التي لا تُقرأ على أنها نصوصٌ متفرقة في الأدب والتاريخ والفكر بل تُقرأ بوصفها مشروعا ثقافيا متكاملا تتساند فيه الرؤية مع العبارة ويتعانق فيه اللسان مع الموقف وتغدو فيه اللغة نفسها جزءا من الحجة لا مجرد وعاءٍ لها وعنصرا من عناصر البناء الحضاري لا مجرد أداةٍ من أدوات الوصف والتقرير.

ذلك أن عبد الله كنون لم يكن من طائفة المؤلفين الذين يكتبون استجابةً لضرورة علمية عارضة أو انقيادا لواجبٍ معرفيٍّ محدود، وإنما كان يكتب من داخل وعيٍ عميق بوظيفة الكلمة في حفظ الذاكرة وبمقام العبارة في صيانة الهوية وبقدرة الأدب على أن يكون مجالا من مجالات المقاومة الرمزية في وجه النسيان والتهميش والتبخيس. ولهذا لا تبدو كتاباته عند التأمل الرصين مجرد تراكمٍ في المادة أو استقصاءٍ في الترجمة أو توسعٍ في التأريخ، بل تبدو فعلا من أفعال الاسترداد الثقافي ومحاولةً واعية لإعادة الاعتبار إلى الذات المغربية في بعدها الأدبي والحضاري داخل الفضاء العربي الإسلامي الأوسع. لقد كان يدرك بحدس العالم وغيرة الأديب أن التهميش الذي يطال أدب أمةٍ أو تراث إقليمٍ ليس مجرد خللٍ في الترتيب البيبليوغرافي بل هو اختلالٌ في ميزان الاعتراف وانحرافٌ في تمثيل الذاكرة ونقصٌ في عدالة السرد الثقافي.

إن النظر في مؤلفات عبد الله كنون لا ينبغي أن يقتصر على ما تحمله من مضامين على غناها وسعتها، بل يجب أن يتجاوز ذلك إلى ما تنطوي عليه من نظامٍ تعبيريٍّ مخصوص ومن هندسةٍ أسلوبية دقيقة ومن اقتصادٍ بلاغيٍّ يجعل الجملة عنده بنيةً للفكر قبل أن تكون وحدةً للبيان. فاللغة في نصوصه ليست سطحا خارجيا للفكرة بل هي صورتها المتحققة وهيئتها الوجودية ومجال اشتغالها الفعلي في وعي القارئ. إن بلاغته ليست زينةً لفظيةً تُلحق بالمعنى من خارجه ولا ترفا إنشائيا يُقصد به إظهار القدرة بل هي جزءٌ عضوي من تكوين المعنى نفسه؛ إذ لا ينفصل عنده البرهان عن البيان ولا تتباعد الدقة عن الجمال ولا يتنافى الحجاج مع الإيحاء، بل تتواشج هذه العناصر جميعا في نسيجٍ لغويٍّ متين يجعل من الكتابة فعلا معرفيا وجماليا وحضاريا في آنٍ واحد.

ولعل هذا هو ما يمنح عبد الله كنون مكانته الخاصة في الثقافة المغربية الحديثة؛ فهو ليس مجرد مؤرخٍ للأدب المغربي وإن كان من أرسخ من كتب في بابه، وليس مجرد أديبٍ من أدباء العربية وإن كانت له فيها يدٌ طولى وذوقٌ نافذ، وليس مجرد عالمٍ من علماء المغرب وإن كان تكوينه العلمي ظاهرا في إحكام منطقه وصياغة أحكامه؛ بل هو قبل ذلك كلّه وبعده ضميرٌ ثقافيٌّ يقظ، استطاع أن يحوّل الكتابة إلى مساحةٍ للإنصاف التاريخي وأن يجعل من العربية أفقا للهوية لا حدا لها وأن يكتب المغرب لا بوصفه طرفا ملحقا بل بوصفه ذاتا منتجةً للمعنى مساهمةً في بناء الحضارة شريكةً في صناعة البيان العربي لا مجرد متلقيةٍ له.

وإذا كانت البلاغة في معناها الأعمق هي أن يُصادف اللفظُ موضعَه وأن تستقر العبارة في مقامها وأن تتجلى الفكرة في صورتها التي تليق بها فإن عبد الله كنون من أولئك الكتّاب الذين تحققت لهم هذه المنزلة؛ إذ قلّ أن نجد في كتاباته انفصالا بين حرارة الموقف واتزان الصياغة أو بين الاعتزاز بالذات والانضباط العلمي أو بين الوفاء للتراث والانفتاح على أسئلة العصر. فهو يكتب بروحٍ تعرف قيمة الماضي ولكنها لا تسكن إليه سكون العاجز؛ ويكتب بعقلٍ يجلّ اللغة لكنه لا يحبسها في قوالب المحاكاة؛ ويكتب بوجدانٍ وطنيٍّ واضح غير أنه لا ينحدر به إلى ضيق العصبية بل يرفعه إلى أفق الإنصاف الحضاري والوعي النقدي. ومن هنا كانت مؤلفاته جديرةً بأن تُقرأ لا على أنها مجرد وثائق في الأدب المغربي بل على أنها شواهد على كيفية تخلّق الفكر في العبارة وكيفية تلبّس اللغة بوظيفتها الثقافية حين تكون في يد صاحبها أداةَ بناءٍ لا أداةَ تزيين.

إن هذا المقال لا يروم الوقوف عند عبد الله كنون من جهة مادته العلمية فحسب ولا يقصد إلى تعداد مؤلفاته أو الإشادة العامة بمكانته على ما لذلك كلّه من مشروعية، وإنما يتجه إلى استكشاف البنية العميقة التي تتأسس عليها كتابته والكشف عن وجوه التلازم بين بلاغة اللغة وبلاغة الفكر في نصوصه وتحليل الكيفية التي تتشكّل بها الحجة في ثنايا العبارة والصورة في صميم المعنى والنبرة في قلب الموقف والهوية في صلب البناء الأسلوبي. فعبد الله كنون من أولئك الذين لا تُفهم آثارهم بالقراءة الخارجية وحدها لأن جوهرها ليس فيما تقوله فحسب بل في الطريقة التي تقول بها وفي الروح التي تسري بين ألفاظها وفي ذلك الخيط الدقيق الذي يصل بين البيان بوصفه فناوالبيان بوصفه مسؤولية.

ولذلك فإن تحليل مؤلفاته من هذا المنظور ليس مجرد تمرينٍ في النقد الأدبي بل هو أيضا نوعٌ من إعادة الاعتبار إلى نموذجٍ من الكتابة العربية الرفيعة التي جمعت بين سلامة اللسان وعمق الفكر ونبل المقصد ورصانة الحجة وجمال الصياغة وحرارة الانتماء من غير انغلاق وصرامة التحقيق من غير جفاف. وما أحوج الثقافة العربية المعاصرة في زمنٍ تتكاثر فيه النصوص وتقلّ فيه الآثار إلى استعادة هذا النموذج لا من باب الحنين إلى الماضي بل من باب الحاجة إلى معيارٍ يُقاس به ما بقي من شرف الكتابة، وما بقي في اللغة من قدرةٍ على أن تكون بيتا للمعنى وحصنا للذاكرة وفضاءً للوجود الثقافي الأصيل.

إذا كان لبعض الأعلام أن يُقرأوا بوصفهم أصحاب مؤلفات فإن عبد الله كنون من ذلك الطراز النادر الذي لا تُقرأ آثاره على أنها مجرد كتب متجاورة في فهرس الثقافة المغربية الحديثة، بل تُقرأ باعتبارها نسيجا فكريا ولسانيا وأدبيا متماسكا تتساند فيه العبارة مع الرؤية ويتعانق فيه البيان مع الموقف وتتكشف فيه اللغة لا بوصفها وعاءً للفكر فحسب بل بوصفها صورةً من صوره وامتدادا من امتداداته وفعلاً من أفعاله في التاريخ. وليس من اليسير أن نلج عالم عبد الله كنون من بابٍ واحد؛ لأنه من أولئك الذين تَصْدُق عليهم كلمة الجاحظ حين قال: “المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العربي والعجمي، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء وفي صحة الطبع وجودة السبك”؛ إذ إن كنون لم يكن مجرد جامعٍ لمعانٍ مألوفة في التاريخ والأدب والفقه والثقافة، وإنما كان صاحب صنعة رفيعة في إلباسها من البيان ما يجعلها تنبض بروح جديدة وتنتقل من حيّز المعلومة إلى حيّز الدلالة ومن مجال التقرير إلى مجال الإقناع والإيحاء.

إن الحديث عن بلاغة اللغة والفكر في مؤلفات عبد الله كنون هو في جوهره حديث عن شخصية ثقافية كبرى تشكلت عند تخوم متعددة: تخوم التراث والنهضة وتخوم الأدب والعلم وتخوم الوطنية والهوية وتخوم الفقه والذوق وتخوم الدفاع عن الذات الحضارية والوعي النقدي بأدوات هذا الدفاع. وقد كان كنون بما أوتي من سعة اطلاع ورهافة ذوق وصرامة تكوين واعتزاز بالعربية أقرب إلى ذلك النموذج الذي وصفه ابن خلدون حين قال: “اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة فعل لساني ناشئ عن القصد إلى إفادة الكلام”؛ غير أن هذا “الفعل اللساني” عند كنون لم يكن فعلاً محايدا بل كان فعلاً حضاريا مقصودا يروم به ترميم الذاكرة المغربية واستعادة مكانة الأدب المغربي في الوعي العربي وتثبيت مركزية اللغة العربية في بناء الذات وصيانة المعنى من التبديد في زمن كانت فيه الهويات الثقافية تتعرض لضغوط الاستعمار والتهميش والتشويه.

لقد أدرك عبد الله كنون مبكرا أن المعركة الثقافية ليست معركة مضامين مجردة، بل هي أيضا معركة أساليب وصياغات وصور وتمثلات. إن مؤلفاته لا يمكن أن تُفهم فهما سليما إذا قُرئت بمنظار الموضوع وحده، لأن جزءا كبيرا من قيمتها كامِنٌ في طريقة القول وفي هندسة العبارة وفي نسق الحجاج وفي التوازن بين التوثيق والإبداع وفي هذا المزج الفريد بين نزعة المؤرخ وحسّ الأديب وغيرة الفقيه ونباهة الناقد. ومن هنا يغدو تحليل أدبه ضربا من الكشف عن “فلسفة التعبير” عنده لا مجرد وقوف عند محسنات لفظية أو جماليات سطحية؛ إذ البلاغة عنده ليست زينة خارجية بل هي جزء من بنية المعنى. ولعل عبد القاهر الجرجاني قد وضع المفتاح الأعمق لفهم هذا النمط من الكتابة حين قرر في دلائل الإعجاز أن “ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه وأصوله”، ثم تجاوز بذلك إلى المعنى الأوسع الذي يجعل العلاقات بين الألفاظ تجسد العلاقات بين المعاني. وهذا بعينه ما نجده عند كنون؛ فالجملة عنده ليست رصفا لفظيا بل هي بناء دلالي محكم تتحرك فيه الكلمات وفق منطق الفكرة وتنبض فيه العبارة بنَفَس صاحبه الثقافي.

ومن يقرأ كتابه الشهير النبوغ المغربي في الأدب العربي يدرك منذ الصفحات الأولى أنه ليس مجرد كتابٍ في التراجم أو تاريخ الأدب بالمعنى المدرسي بل هو مشروع بلاغي وفكري للدفاع عن الوجود الثقافي المغربي داخل الخريطة العربية الإسلامية. لقد كتب كنون هذا الكتاب بروح من يرى أن التهميش الذي لحق الأدب المغربي ليس مجرد غفلة علمية بل هو اختلال في ميزان التمثيل الحضاري. ولذلك جاءت لغته فيه لغةَ إثباتٍ واستدراكٍ وتصحيحٍ واسترداد. فهو لا يكتفي بعرض النصوص والأعلام بل ينسج حولها خطابا حجاجيا يضمر سؤال العدالة الثقافية، ويُظهر حساسية شديدة تجاه المركزية المشرقية في كتابة تاريخ الأدب العربي. وهنا تتجلى بلاغته لا في الصياغة وحدها بل في حسن توزيع الأدلة وترتيب الأمثلة وصناعة المفارقة وتكثيف النبرة الدفاعية من غير انحدار إلى التعصب الأجوف.

إن كنون في هذا الكتاب وفي غيره من آثاره يكتب وهو واعٍ بأن اللغة ليست مجرد آلة للإخبار بل هي أداة لإعادة ترتيب الوعي. وهذا الوعي العميق بوظيفة الكتابة يقرّبه من تصور طه حسين للأدب حين قال: “الأدب ليس ألفاظا تكتب أو تقال وإنما هو حياةٌ تُنقل”؛ غير أن كنون يضيف إلى هذا المعنى بُعدا آخر، إذ الأدب عنده ليس فقط نقلا للحياة بل حفظٌ لكرامة الذاكرة وتحريرٌ للذات من الصور النمطية وبناءٌ لسردية ثقافية بديلة. ولذلك جاءت عبارته مشحونة بحس الرسالة متينة السبك متوازنة النبرة لا تغرق في الانفعال رغم وضوح الغيرة، ولا تتيه في الزخرف رغم عنايته البالغة بالموسيقى الداخلية للجملة.

ومن خصائص لغته أنها لغة تتغذى من ينابيع متعددة، لكنها لا تفقد وحدتها الأسلوبية. فهو ابن العربية الكلاسيكية في جزالتها ورسوخها، وابن التراث البياني في إيقاعه واستعاراته، وابن الثقافة الفقهية في دقته الاصطلاحية، وابن الحس الأدبي الحديث في مرونته وقدرته على المواءمة بين التقريرية والإيحاء. وهذه الازدواجية الخلاقة بين “التراثي” و”الحديث” هي من أسرار تفرّده؛ فهو لا يكتب كتابةً تراثية متحجرة ولا يكتب كتابةً حداثية مقطوعة الجذور، بل يحقق ذلك التوازن الصعب الذي أشار إليه مصطفى صادق الرافعي حين قال: “اللغة مظهر من مظاهر التاريخ، والتاريخ صفة الأمة، فكيف تستطيع أمة أن تقطع صلتها بلغتها وهي تريد أن تحفظ شخصيتها؟”. لقد كان كنون في العمق يكتب من داخل هذا الوعي الرافعي العميق، لكن بروح مغربية مخصوصة تُدرك أن الدفاع عن العربية في المغرب ليس مسألة لسانية فحسب بل هو دفاع عن انتماء حضاري كامل.

ولا ريب أن التكوين الفقهي والأصولي لعبد الله كنون ترك أثرا واضحا في طريقته في بناء الجملة والحجاج. فالناظر في نصوصه يلحظ عناية فائقة بالتعريف والتمييز والاستدراك والاحتراز والتقسيم الضمني وربط النتائج بمقدماتها من غير أن يفقد النص رونقه الأدبي. وهذا من أعسر ما يكون في الكتابة؛ لأن كثيرا من الكتّاب إذا غلب عليهم التكوين الفقهي جفّت عبارتهم، وإذا غلب عليهم الحس الأدبي انفلتت منهم الدقة. أما كنون فقد جمع بين الحسنيين: دقة العالم ورشاقة الأديب. وفي هذا يصدق عليه ما قاله أبو حيان التوحيدي في وصف بعض الأعلام: “جمع بين التحقيق والتحليق”؛ وهي عبارة وإن قيلت في سياق آخر، فإنها تكاد تصف عبقرية كنون الأسلوبية: تحقيق في المعنى وتحليق في العبارة.

ومن أجمل ما يميز كتابته أنها لا تُبنى على الفخامة اللفظية وحدها بل على الاقتصاد البليغ. فالجملة عنده وإن طالت أحيانا على سنن الكبار من كتّاب العربية لا تترهل، بل تبقى مشدودة إلى مقصدها موزونة الإيقاع موزعة الأنفاس. وقديماً قال ابن الأثير في المثل السائر: “البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته”، وكنون من أبرع من راعى هذا الأصل؛ إذ يغيّر نبرته بحسب المقام، فإذا كتب في التاريخ مالت عبارته إلى التوثيق المحكم، وإذا كتب في الأدب انفسحت جمله للصور والإشارات، وإذا كتب في القضايا الوطنية اشتدّ إيقاعه وارتفعت حرارة خطابه، وإذا ترجم للأعلام لانَ أسلوبه واكتسى شيئا من الوفاء الوجداني.

ولئن كان بعض الدارسين قد توقفوا عند عبد الله كنون بوصفه مؤرخا للأدب المغربي أو مدافعا عن الشخصية المغربية، فإن الاقتصار على هذا الوجه يُفوّت علينا جوهرا مهما من مشروعه، وهو أن الرجل كان في حقيقة الأمر صانعا لخطاب ثقافي متكامل لا مجرد جامع مادة. إن الفرق بين “الجامع” و”الصانع” هو الفرق بين من يصف الموجود ومن يعيد تشكيله في الوعي، وقد كان كنون من الصنف الثاني بامتياز. فهو حين يكتب عن شاعر أو عالم أو مرحلة لا ينقلها نقلا فوتوغرافيا، بل يضعها في شبكة من العلاقات والمعاني ويجعلها ناطقة بما يتجاوز حدودها المباشرة. وهذه القدرة التأويلية هي من خصائص الكاتب الكبير، لأن النص العظيم لا يكتفي بأن يقول ما فيه بل يكشف عما وراءه. وقد أشار الجرجاني إلى هذا المعنى حين جعل سر البلاغة في “تعليق الكلم بعضها ببعضلا في مفرداتها المتفرقة؛ فالفكر عند كنون أيضا لا يُفهم في جزئياته المنفصلة بل في شبكة انتظامه الكلي.

ثم إننا إذا تأملنا في معجمه اللغوي وجدناه معجما ذا طبقات. فهو يستدعي ألفاظ التراث دون أن يوقع القارئ في وعورة معجمية منفرة ويستثمر المصطلح العلمي دون أن يفسد صفاء الأسلوب ويُكثر من التعابير ذات الشحنة الحضارية والدينية والوطنية دون أن يتحول إلى خطاب شعاري. وهذه مهارة نادرة؛ لأن كثيرا من الكتّاب يقعون في أسر أحد هذه الحقول الدلالية، أما كنون فينتقل بينها بمرونة تدل على سعة ذائقته اللغوية. إنك تجد عنده أثر القرآن في الجرس والهيبة وأثر الحديث في الإيجاز والإصابة وأثر النثر العربي القديم في الجزالة والسبك وأثر النهضة في الوعي بالمجتمع والتاريخ وأثر الحس المغربي في العناية بالخصوصية دون انفصال عن الكل العربي الإسلامي.

وليس من المبالغة القول إن عبد الله كنون كان يكتب العربية كما لو كان يمارس نوعا من الوفاء الوجودي لها. فهو لا يستعملها استعمالا تقنيا بل يسكنها وتسكنه. وهذا ما يجعل نصه نصا ذا حرارة داخلية حتى في المواضع التي تبدو تقريرية. فاللغة عنده ليست خارجية على المعنى بل هي حاملة لذاكرة الأمة ومخزونها الرمزي. ولعل ابن جني حين قال: “إن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح”، كان يقرر أصلا لسانيا لكن كنون يكشف لنا أن اللغة بعد الاصطلاح تصير مصيرا حضاريا وأن الألفاظ حين تُحمل بتاريخ أمة لا تعود مجرد أصوات بل تصبح شواهد على البقاء. ولهذا كان دفاعه عن الأدب المغربي دفاعا عن العربية المغربية في آن وعن قدرة المغرب على أن يكون منتجا للمعنى لا مجرد مستهلك له.

وفي هذا السياق تبدو كتاباته أقرب إلى ما يمكن تسميته بـ”البلاغة الهوياتيةإن صحّ التعبير؛ لا بمعنى الانغلاق أو التعصب، بل بمعنى أن اللغة عنده تُسهم في بناء صورة الذات الجماعية. إنه يكتب المغرب لا باعتباره جغرافيا بل باعتباره معنىً ثقافيا. يكتب العلماء والأدباء والفقهاء والمتصوفة لا كأسماء متناثرة بل كعلامات في سردية حضارية واحدة. وهذا ما يجعل نصوصه مشبعة بروح “الانتساب”؛ انتساب إلى الأمة وإلى العربية وإلى الإسلام وإلى المغرب وإلى تقاليد العلم والأدب. ومن هنا أيضا نفهم لماذا كانت عبارته مشدودة دوما إلى التزكية الثقافية للذات لا على نحو الدعاية بل على نحو الإنصاف المعرفي.

وإذا كانت البلاغة في الاصطلاح القديم تُبحث غالبا في مستويات البيان والمعاني والبديع، فإن قراءة عبد الله كنون تستدعي توسيع هذا الأفق لأن بلاغته لا تُختزل في الاستعارة أو الطباق أو حسن التقسيم على أهميتها، بل تكمن في بلاغة الرؤية” قبل “بلاغة العبارة”. إنه يعرف ماذا يريد أن يقول ولماذا يقوله ولمن يقوله وفي أي سياق حضاري يقوله. وهذه الأبعاد المقامية هي التي تمنح نصه كثافته. فكم من كاتب يملك اللغة ولا يملك الرؤية، وكم من مفكر يملك الرؤية ولا يملك العبارة، أما كنون فقد كان من القلة التي اجتمع لها الأمران. ولذلك يصدق عليه من وجه ما ما قاله العقاد في العبقريات من أن “العبقري هو الذي يضيف إلى المادة التي بين يديه من روحه”؛ وكنون أضاف إلى التاريخ روحه وإلى الأدب غيرته وإلى اللغة وجدانه وإلى الثقافة المغربية صوتها الواثق.

ومن اللافت أيضا أن نبرة كنون على شدتها في المواطن التي تستدعي الدفاع لا تنحدر إلى الإسفاف أو السجال المتهافت بل تبقى مشفوعة بأدب العالم. وهذه سمة من سمات النبل الثقافي. فهو حين يخالف يخالف بحجة؛ وحين يردّ يردّ ببيان؛ وحين ينتصر للمغرب ينتصر له من داخل الأفق العربي الإسلامي لا من خارجه. وهذه الوسطية في الرؤية والأسلوب هي ما يجعل كتابته قادرة على البقاء؛ لأن النصوص التي تُكتب بردّ الفعل وحده تذبل بانتهاء سياقها، أما النصوص التي تُكتب من عمق حضاري فإنها تتجاوز ظرفها إلى أفق أرحب.

إن عبد الله كنون بهذا المعنى ليس مجرد موضوع للدراسة الأدبية بل هو مدرسة في فهم العلاقة بين اللغة والفكر والهوية. وقد أدرك بحسّه الثقافي العميق أن العبارة ليست قشرة للفكرة بل هي صورتها الوجودية. وما أصدق ما قاله هايدغر: “اللغة بيت الوجود”؛ فإذا نقلنا هذا المعنى إلى عالم كنون وجدناه قد جعل من العربية بيتا للهوية المغربية في زمن الاضطراب. لكنه لم يسكن هذا البيت ساكنا سلبيا بل رمّمه ونقّاه وزيّنه وفتح نوافذه على آفاق أرحب من التفاعل والإشعاع.

إن أي قراءة نقدية رصينة لمؤلفات عبد الله كنون ينبغي أن تتجاوز الوصف الخارجي لموضوعاته إلى استنطاق نسقه التعبيري والكشف عن بلاغة حجته ودرس كيفية تشكل المعنى في عبارته وتحليل التوتر الخلّاق بين النزعة التوثيقية والنزعة الإبداعية وبين الحس الوطني والأفق القومي وبين الوفاء للتراث والانفتاح على أسئلة العصر. فهناك في كتابته دائما ذلك الخيط الرفيع الذي يصل بين “البيان” و”البرهان”؛ بين جمال الصياغة وقوة الحجة؛ بين رونق العبارة وصرامة الاستدلال. ولعل هذا ما سنمضي في تعميقه والكشف عن طبقاته الأعمق في تتمة هذا المقال المتواضع، عند الوقوف على نماذج أكثر تحديدا من كتبه وعلى آليات بنائه الأسلوبي وعلى صوره البلاغية وعلى منطقه النقدي في قراءة الأدب المغربي وإعادة ترتيبه داخل الوعي العربي العام.

ذلك أن عبد الله كنون لم يكن يكتب ليملأ فراغا في المكتبة بل كان يكتب ليملأ فراغا في الوعي. ولم يكن همه أن يُضاف اسمُه إلى قائمة المؤلفين بل أن يُعاد الاعتبار إلى أمةٍ من النصوص والأعلام والذاكرة. وهذه منزلة لا يبلغها إلا من آمن بأن الكتابة ليست مهنةً فحسب بل شهادة. وقد قال الشاطبي: “العلم إذا لم يُثمر عملاً فليس بعلم على الحقيقة”، ويمكن أن نوسّع هذا المعنى فنقول: والكتابة إذا لم تُثمر أثرا في الوعي فليست كتابة كبرى على الحقيقة. وعبد الله كنون من الكبار لأن أثره لم يكن في الصفحات وحدها بل في إعادة تشكيل الحس الثقافي المغربي الحديث.

إن قيمة عبد الله كنون لا تنكشف تماما إلا حين نقترب من مادته الأسلوبية ومن منطقه في ترتيب المعاني ومن هندسته للجملة ومن طريقته في صناعة الحجة ومن الكيفية التي تتحول بها اللغة في كتبه من مجرد أداة للتعبير إلى جهازٍ ثقافي متكامل لإنتاج الوعي وصياغة الذاكرة وتوجيه الذوق وإعادة توزيع المكانة الرمزية للأدب المغربي داخل الفضاء العربي الإسلامي. فالرجل في الحقيقة لم يكن يكتب من موقع المؤرخ الذي يُحصي ولا من موقع الأديب الذي يزخرف ولا من موقع الفقيه الذي يقرر بل كان يكتب من تقاطع هذه المواقع جميعا بحيث تصير العبارة عنده منطقة التقاء بين التوثيق والتخييل وبين الدقة والحرارة وبين الحجاج والإيحاء وبين الإنصاف العلمي والغيرة الحضارية.

ولعل أول ما يستوقف المتأمل في كتاباته الكبرى وفي مقدمتها النبوغ المغربي في الأدب العربي أن هذا الكتاب لم يُصنَع على مثال المصنفات المدرسية التي تتعاقب فيها التراجم تعاقبا آليا بل بُني على وعيٍ واضح بأن التأليف في الأدب ليس مجرد رصفٍ للأسماء والنصوص، وإنما هو في جوهره بناءُ صورةٍ كلية لفاعلية ثقافية يراد لها أن تُرى في انتظامها لا في شتاتها. إن كنون لا يقدم الأدب المغربي باعتباره هامشا تابعا بل باعتباره مركزا من مراكز الإبداع العربي الإسلامي له أعلامه ومناهجه وأساليبه وأثره في تطور العربية وآدابها. وهذه النقلة من “الوصف” إلى “إعادة التمركز” هي جوهر عمله الثقافي وهي التي تمنح كتابه قوةً تتجاوز مادته المعرفية. إنه يكتب ضد التهميش لكن لا بلغة التذمر بل بلغة الإثبات. يكتب ضد الغفلة لكن لا بعصبية منفعلة بل بحجيةٍ متينة وذاكرةٍ واسعة وبيانٍ قادر على تحويل الإنصاف العلمي إلى موقف حضاري.

وتتجلى هنا واحدة من أخص خصائص أسلوبه وهي ما يمكن أن نسمّيه بلاغة الاسترداد؛ أي البلاغة التي لا تكتفي بعرض المفقود بل تسترده إلى دائرة الاعتراف. فهو حين يتحدث عن الأدب المغربي لا يفعل ذلك على نحو استعراضي بل كأنما يمارس فعلا تصحيحيا في جسد الثقافة العربية الحديثة. وهذا المعنى قريبٌ من ذلك الذي أشار إليه محمد عابد الجابري حين جعل من بعض أعمال الفكر المغربي الحديث محاولةً لـ”إعادة ترتيب العلاقة بين المركز والهامش داخل العقل العربي”، وإن اختلف السياق والموضوع. وعبد الله كنون قبل كثير من هذه التنظيرات مارس ذلك بالفعل في الكتابة لا في المصطلح. لقد جعل من النص الأدبي المغربي وثيقةَ حضور ومن الترجمة الأدبية شهادةَ كفاءة ومن التحقيق الثقافي فعلا من أفعال الإنصاف التاريخي. ولذلك جاءت عبارته في كثير من المواضع مشدودة إلى وظيفة مزدوجة: أن تُعلم القارئ وأن تُقنعه في الآن نفسه بأن ما يقرأه ليس مجرد مادة بل حقٌّ مؤجلٌ في الاعتراف.

وهنا تبرز عبقرية كنون في صوغ الجملة العربية الطويلة المحكمة. فهو من الكتّاب الذين يُحسنون بناء الجملة المركبة من غير أن يوقعوا القارئ في التباسٍ أو ترهل، والجملة عنده ليست مجرد سطرٍ نحوي بل وحدة فكرية وإيقاعية في آن. يبدأ بالفكرة ثم يمدها بما يلزمها من تقييد ثم يُلحق بها ما يرفع الإبهام ثم يوازنها بما يقابلها ثم يختمها غالبا بعبارة ذات جرس حاسم أو معنى جامع. وهذه الصناعة تذكّرنا بما قاله عبد القاهر الجرجاني من أن فضل الكلام ليس في مفرداته بل في “توخي معاني النحو”؛ لأن المعاني عند البلغاء لا تظهر في الكلمات مفردة وإنما تظهر في طريقة انتظامها. وكنون من هذا الطراز الرفيع الذي يُشعر القارئ بأن كل تقديم وتأخير وكل عطف واستدراك وكل قيد واحتراز، إنما وُضع في موضعه وضعا مقصودا حتى تكاد العبارة عنده تُقرأ كما تُقرأ قطعة موسيقية ذات نغمٍ داخلي خافت لكنه ثابت.

ومن اللافت في نثره أنه نثرٌ يزاوج بين الجزالة والشفافية. فهو لا يتكلف الغريب ولا يستعرض المعجم استعراضا، لكنه في الوقت نفسه لا يهبط إلى اللغة المبتذلة أو الجارية على ألسنة الصحافة العارضة. إنه يكتب العربية من داخل تراثها الحي لا من داخل متحفها. ولذلك تجد في نصه نَفَسا تراثيا واضحا لكنه نفسٌ مُهذَّبٌ بوعيٍ حديث. فهو يستدعي مفردات مثل: النبوغ، الأثر، المنزلة، الحظوة، الرسوخ، الأعلام، الشأو، السؤدد، المزية، النَّزعة، الشاهد، القرينة، الاستدراك، وهي ألفاظ ذات شحنة تراثية لكنه يضعها في سياقاتٍ لا تشعر معها بالانفصال عن العصر بل تكاد تبدو وكأنها استعادت في نصه صلاحيتها التداولية. وهذه قدرة لا تتأتى إلا لمن كان مالكا للغة لا مستخدما لها فحسب. وقد كان الرافعي مصيبا حين قال: “إذا لم تملك اللغة ملكتك”؛ وعبد الله كنون من أولئك الذين ملكوا العربية لأنها كانت فيهم سجيةً وثقافةً وموقفا.

وإذا انتقلنا إلى بنية الحجاج في كتاباته وجدنا أننا أمام عقلٍ يُحسن ترتيب الأدلة ويعرف كيف يصنع التدرج الإقناعي. فهو لا يُلقي أحكامه إرسالا ولا يكتفي بالدعوى المجردة بل يبني المقدمات ويُحسن اختيار الشواهد ويُكثر من التمثيل ويوازن بين الاستقراء الجزئي والرؤية الكلية. وهذه السمة راجعة من غير شك إلى تكوينه العلمي والفقهي؛ لأن من تمرّس بصناعة النظر الأصولي وتدرب على تحرير محل النزاع وتمييز العام من الخاص والمطلق من المقيد والراجح من المرجوح، لا بد أن يظهر أثر ذلك في كتابته ولو كتب في الأدب والتاريخ. لكن الأهم من هذا كله أن كنون لم يجعل من هذا التكوين سببا في جفاف الأسلوب بل جعله سببا في إحكامه. وهنا تظهر فرادته،فهو يكتب كما لو كان يُحاكم النصوص ويُرافع عن الأعلام ويُرتب البينات، لكنه يفعل ذلك بلسان الأديب لا بلسان المحضر القضائي. إن الحجاج عنده لا يُشعر القارئ بثقل البرهنة بل يستدرجه في هدوء إلى الاقتناع.

ولذلك كثيرا ما يعتمد في بناء منطقه على ما يمكن تسميته الاستدراك البلاغي؛ إذ يعرض رأيا شائعا أو يُشير إلى غفلة مستقرة أو يلمح إلى صورة ذهنية سائدة، ثم يبدأ في تفكيكها لا بصدامٍ فجّ بل بتراكمٍ هادئ من الشواهد والملاحظات والقرائن. وهذه طريقة من أرقى طرائق النقد؛ لأنها لا تكتفي بنقض الفكرة بل تفضح هشاشتها من داخلها. وكم في هذا من قربٍ من منهج الجاحظ الذي كان يقول: “ومدار الأمر على إفهام كل قومٍ بمقدار طاقتهم”؛ فكنون لا يكتب ليُبهر فحسب بل ليُقنع، ولا يكتب ليُعلن موقفه مجردا بل ليُدخل القارئ إلى منطقه حتى ينتهي معه إلى النتيجة وكأنها نتيجة مشتركة لا مفروضة.

ثم إننا إذا تأملنا في طريقته في الترجمة للأعلام وجدنا أنه لا يترجم ترجمةً باردة. إنه لا يقتصر على ذكر الاسم والنسب والمولد والشيوخ والتلاميذ والمؤلفات وإن كان يذكر ذلك عند الحاجة، بل يحرص على أن يُخرج من الترجمة صورةً معنوية للشخصية المترجَم لها. فهو يرسم “هيئة ثقافية” لا مجرد “بطاقة تعريف”. يربط بين الرجل وبيئته وبين أثره وزمنه وبين أسلوبه وموقعه وبين إنتاجه والسياق الذي نشأ فيه، وبذلك تتحول الترجمة عنده إلى لونٍ من النقد الأدبي والثقافي. وهو في هذا قريب من تقاليد التراجم الكبرى في تراثنا حيث كانت كتب الطبقات لا تكتفي بالإحصاء بل تبني صورا للأعلام من خلال الأخبار والآثار والصفات والاختيارات. غير أن كنون يطوّر هذا التقليد ويمنحه حساسية حديثة؛ فيُدخل إليه وعيا بالتمثيل الحضاري وبالموقع الثقافي وبقيمة الأثر في بناء المشهد العام.

ومن الجوانب الدقيقة في أسلوبه أنه يملك حسا مرهفا في التوازن بين المدح والنقد. فهو حين يحتفي بأعلام المغرب لا يسقط غالبا في التقديس الساذج بل يحرص على أن يبقى داخل حدود الإنصاف. قد تلوح عليه حرارة الانتماء لكنها لا تُفسد عليه الميزان. وهذه مسألة بالغة الأهمية؛ لأن كثيرا من الكتابات التي تُنجز بدافع الدفاع الهوياتي تقع في مبالغة تُضعفها بدل أن تقويها. أما كنون فعلى شدة اعتزازه يعرف أن الحجة لا تقوم إلا على الصدق وأن المبالغة إذا جاوزت حدها انقلبت على صاحبها. وفي هذا يصدق عليه ما قاله ابن المقفع: “العاقل من جعل لكل شيء قدره”. فهو يمنح رجالات المغرب قدرهم لكنه يفعل ذلك داخل أفقٍ من المقارنة والتمييز والاعتبار لا داخل خطاب تمجيدي أجوف.

وإذا أردنا أن نقف عند الصورة البلاغية في نصوصه فإننا لا نجدها متكاثرة على نحو شعراني مفرط، كما عند بعض كتّاب النهضة الذين كانوا يجنحون إلى السجع والتوشية والتكثيف الاستعاري بل نجدها صورةً منضبطةً بوظيفة المعنى. هو لا يكتب نثرا شعريا لكنه يكتب نثرا ذا حسٍّ جمالي رفيع. والاستعارة عنده ليست غايةً في ذاتها بل وسيلة لتقوية الفكرة أو تكثيف الانفعال أو رفع الجملة من مستوى الإخبار إلى مستوى الإيحاء. فإذا تحدث عن غفلة المشارقة عن الأدب المغربي قد يلمح إلى “حجاب” أو “سِتار” أو “ظلمة” أو “غبار”، وإذا تحدث عن بروز الأعلام قد يستعير ألفاظ النور والطلوع واللمعان والنبوغ. وهذه الحقول الصورية ليست اعتباطية؛ إنها تخدم الرؤية الكامنة في النص حيث يظهر المغرب بوصفه طاقةً كانت محجوبة ثم وجب كشفها، أو معدنا لم يُنصفه منقّبوه. إن الصورة البلاغية عنده متصلة بالمعمار الفكري لا منفصلة عنه.

كما يبرز في نصوصه استعماله الذكي لما يمكن أن نسميه الإيقاع المعنوي؛ أي ذلك التكرار المقصود لبعض الألفاظ أو التراكيب أو الصيغ التي تمنح النص تماسكا داخليا وتُرسخ بعض المفاهيم في ذهن القارئ. فهو قد يكرر مفردات من قبيل: الأثر، المكانة، الشأن، الحظ، المنزلة، القيمة، الإهمال، النسيان، الإنصاف، الاعتبار، لا على سبيل الحشو بل لبناء حقل دلالي متكامل حول الفكرة المركزية. وهذه التقنية التي تُشبه ما يسميه النقد الحديث بـ”الحقول المعجمية” و”التماسك المعجمي” تُظهر أن كنون وإن لم يستعمل مصطلحات اللسانيات الحديثة كان يمارس بحدسه الأدبي كثيرا من مقتضياتها. فهو يعرف أن تكرار بعض الألفاظ في مواضع مخصوصة لا يضعف النص بل قد يقوّيه إذا كان التكرار خادما للنسق باعثا على الإيقاع رابطا بين أجزائه.

ومن هنا أيضا يمكن أن نفهم سرَّ بقاء كثير من نصوصه مقروءةً ومؤثرة. فالنصوص لا تبقى بمادتها وحدها؛ لأن المادة قد تُستدرك وقد تُراجع وقد يُضاف إليها، لكن الذي يُبقي النص حيا هو “كيفيته” لا “محتواه” فقط. ولئن كان بعض ما في كتب كنون من معطيات قد يُستزاد عليه اليوم بفضل توسع الدراسات والتحقيقات فإن الذي لا يسهل تعويضه هو هذا النَّفَس الثقافي الذي يشع من كتابته، وهذا المزج بين الوفاء والوعي، بين الاعتزاز والنقد، بين السرد والحجاج وبين حرارة الدفاع وبرودة التوثيق. وهذا هو الفرق بين من يكتب كتابا” ومن يكتب “أثرا”. فالكتاب قد يُستبدل بغيره، أما الأثر فيظل شاهدا على طريقة مخصوصة في رؤية العالم، وعبد الله كنون من صُنّاع الآثار لا من ملء الرفوف.

وفي كتابه أحاديث عن الأدب المغربي الحديث تتجلى لنا وجهة أخرى من بلاغته، أكثر قربا من المرونة الأسلوبية وأشد اتصالا بالحس النقدي المباشر. فهنا لا يكتفي بوظيفة التأريخ بل يدخل في حوار مع النصوص والاتجاهات والأذواق. وتبدو لغته في هذا السياق أقل ميلا إلى الترسّل الكلاسيكي المحض وأكثر انفتاحا على حركة الأدب الحديث وأسئلته. لكنه مع ذلك لا يتخلى عن ثوابته الأسلوبية: الجزالة، والإحكام، والدقة، والاتزان. وهذه القدرة على الانتقال بين المقامات من غير فقدان الهوية الأسلوبية علامةٌ من علامات الكاتب الكبير. إن بعض الأدباء يملكون أسلوبا واحدا يفرضونه على كل موضوع فيتعب القارئ من التماثل، أما كنون فيملك هويةً أسلوبية ثابتة داخل مرونةٍ مقامية متحركة؛ يغيّر النبرة ويبدّل النسق ويُكيّف الإيقاع، لكنك تظل تعرف أنه هو.

وليس بعيدا عن هذا أن نشير إلى ما يمكن تسميته بالأخلاق البلاغية في كتابته. ذلك أن البلاغة عند بعض الكتّاب قد تكون قدرةً على الإخفاء أو على التمويه أو على إلباس الفكرة الضعيفة ثوبا براقا. أما عند عبد الله كنون فالبلاغة تبدو مرتبطةً بخلقٍ علمي وأدبي معا. فهو لا يُغالط ولا يُكثر من الضجيج ولا يستثمر اللفظ في طمس ضعف المعنى. بل على العكس، كلما اشتدّ المعنى عنده اشتدّ معه اللفظ، وكلما رقّ الموضوع رقّت العبارة، وكلما اقتضى المقام احترازا أو تواضعا أو إنصافا مال إلى ذلك. وهذه السمة الأخلاقية في الأسلوب جديرة بالتنبيه؛ لأن الكتابة ليست حيادا صرفا بل هي أيضا صورةٌ من صور الخُلُق. وقديماً قال أبو هلال العسكري: “خير الكلام ما قام عليه حسن النظام وفهمه الخاص والعام”. ويمكن أن نضيف: وخير الكلام أيضا ما دلّ على سلامة صاحبه من العبث وحرصه على الحقيقة ونُبله في الخصومة وإنصافه في الحكم. وهذه كلها تكاد تكون حاضرةً في نثر كنون حضورا بيّنا.

ومن أعظم ما يُحسب له أنه لم يجعل من انتمائه إلى التراث سببا للانغلاق عن العصر، كما لم يجعل من انفتاحه على العصر سببا للقطيعة مع التراث. وهذه المسألة في غاية الدقة لأن كثيرا من أبناء النهضة العربية انقسموا بين من ذاب في القديم حتى صار أسيرا له ومن اندفع إلى الجديد حتى أوشك أن يقطع جذوره. أما كنون فقد شقّ لنفسه طريقا ثالثا يقوم على استئناف التراث لا استنساخه وعلى محاورة الحداثة لا الارتماء فيها. ولذلك تبدو كتابته حتى حين تعالج موضوعات حديثة، متمسكةً بميزان العربية وبروحها وبمنطقها وبأدبها. إنه لا يكتب من موقع “الانبهار” بل من موقع “الاختيار”. وهذا ما يجعل نصه نصا ذا سيادة لا نصا تابعا. وقد كان مالك بن نبي يقول في سياق مختلف: “القابلية للاستعمار تبدأ حين يفقد الإنسان معاييره الداخلية”؛ وعبد الله كنون في الكتابة كان يقاوم هذا الفقد عبر تثبيت المعايير من داخل اللغة والفكر معا.

إن عبد الله كنون مارس نوعا من النقد الثقافي المبكر قبل أن تستقر هذه التسمية في الخطاب العربي المعاصر. فهو لا يقرأ النصوص بوصفها جماليات معزولة فحسب بل يربطها بالبنى الثقافية والرمزية والاجتماعية والحضارية التي تنتجها. الأدب عنده أثرٌ في التاريخ، والتاريخ عنده نصٌّ في الوعي، والوعي عنده مجالٌ للصراع حول الصورة والتمثيل والاعتراف. وقد كانت قراءته للأدب المغربي في جوهرها قراءةً لشرط حضوره وغيابه لآليات بروزه وتهميشه، لصلته بالمشرق ولموقعه في شبكة الثقافة الإسلامية الأوسع. وهذا الوعي بالعلاقات لا بالمعطيات وحدها هو ما يجعل أعماله متقدمة على كثير من محيطها الزمني.

ولذلك لا ينبغي أن نقرأ عبد الله كنون قراءةً تجزيئية فنفصل الأديب عن المؤرخ أو نفصل اللغوي عن الفقيه أو نفصل الوطني عن الناقد. إن قوته كامنة في هذا التركيب. وقد كان هذا التركيب نفسه هو الذي منح عبارته كثافتها؛ لأنها عبارة تخرج من ذاتٍ متعددة الخبرات متحدة الرؤية. فحين يكتب عن الأدب يتكلم فيه ذوقُ القارئ وفقهُ العالم وغيرةُ الوطني ووعيُ المؤرخ وصرامةُ المحقق. وحين تجتمع هذه الطبقات في نصٍّ واحد يكون الناتج نثرا غنيا لا يُستنفد من قراءة واحدة. وهذا ما يجعل أعماله صالحةً لإعادة القراءة لا للاستهلاك السريع.

ولعل من أهم ما ينبغي أن يُقال هو أن عبد الله كنون لم يكن صاحب أسلوب جميل فحسب، بل كان صاحب موقفٍ من الجمال وصاحب تصورٍ لوظيفة البيان. لقد فهم على نحو عميق أن اللغة ليست قشرة للفكر بل هي صورته المتحققة، وأن الأمة التي تُهمل لغتها تُهمل ذاكرتها وأن الثقافة التي لا تنصف أطرافها تفقد توازنها الداخلي، وأن الأدب ليس ترفا بل شهادة على مستوى الوجود الحضاري. ولذلك جاءت مؤلفاته وكأنها عملٌ مزدوج: بناءٌ للمعنى وبناءٌ للثقة؛ تحريرٌ للنصوص من النسيان وتحريرٌ للوعي من الاختزال؛ استعادةٌ للماضي لا لكي يُعبد بل لكي يُفهم ويُستأنف.

إن عبد الله كنون واحدٌ من أولئك الكبار الذين يصعب حصرهم في خانةٍ واحدة؛ فهو ليس مجرد مؤرخ للأدب المغربي وإن كان من أعظم من أرّخ له؛ وليس مجرد ناقدٍ أدبي وإن كان ذا ذوقٍ نقدي رفيع؛ وليس مجرد لغويٍّ متمكن وإن كانت العربية تجري في نصه جريان السليقة المصفّاة؛ وليس مجرد فقيهٍ أو عالمٍ من علماء المغرب وإن كان تكوينه العلمي ظاهرا في صرامة منطقه؛ بل هو قبل ذلك وبعده ضميرٌ ثقافي من ضمائر المغرب الحديث وصوتٌ من الأصوات التي جعلت من الكتابة فعلاً من أفعال الحفظ والإنصاف والإنشاء الحضاري.

إن القيمة الحقيقية لمؤلفاته لا تكمن فقط فيما جمعته من أخبار ونصوص وأعلام، بل في الطريقة التي أعادت بها ترتيب العلاقة بين المغرب وذاته وبين المغرب ومحيطه وبين الأدب والتاريخ وبين اللغة والهوية. لقد علّمنا من خلال كتبه أن الدفاع عن الأدب ليس دفاعا عن فنٍّ معزول بل عن حق أمةٍ في أن تُروى قصتها بلسانها وأن يُعترف بجهدها في صناعة المعنى وأن يُنظر إليها من داخل عطائها لا من خلال الصور الجاهزة عنها. إن بلاغته لم تكن محض صنعة بل كانت شكلا من أشكال الوفاء؛ وفاءً للعربية ووفاءً للمغرب ووفاءً للتراث ووفاءً للحقيقة العلمية حين تُجاور الحسّ الأدبي فلا يطغى أحدهما على الآخر.

ولذلك فإن عبد الله كنون يستحق أن يُقرأ اليوم لا باعتباره صفحةً من صفحات التاريخ الثقافي فحسب، بل باعتباره نموذجا حيا لما ينبغي أن تكون عليه الكتابة العربية الرصينة حين تجتمع لها سلامة اللغة ونبل المقصد وسعة الثقافة وقوة الحجة وجمال الصياغة وحرارة الانتماء من غير تعصب ونقد الذات من غير جلدٍ لها والاعتزاز بالهوية من غير انغلاق. تلك هي الكتابة التي تُبقي أصحابها أحياءً بعد غيابهم؛ لأنهم لا يتركون كتبا فقط بل يتركون طرائق في النظر ومقاييس في الحكم وأذواقا في العبارة وأمثلةً على كيف يكون الأدب حين ينهض بوظيفة الشهادة الحضارية.

وإذا جاز لنا أن نلخص روح مشروعه في عبارة واحدة، أمكننا أن نقول: لقد جعل عبد الله كنون من العربية وعاءً للذاكرة المغربية ومن الأدب المغربي برهانا على المشاركة الكاملة في صناعة الحضارة العربية الإسلامية ومن الكتابة جسرا بين الوفاء والنقد، بين الجذور والأفق وبين التراث والحياة. ومن هنا تظل مؤلفاته مهما تعاقبت المناهج وتبدلت المصطلحات ذاتَ قيمة لا تنقضي؛ لأن ما يبقى في الأعمال الكبرى ليس ما فيها من معلوماتٍ فحسب بل ما فيها من روح. وروح عبد الله كنون في كتابته روحُ عالمٍ أديب وناقدٍ غيور ومغربيٍّ عربيٍّ مسلم، آمن بأن اللغة إذا سمت سمت معها الأمة وأن الفكر إذا صَدَقَ في عبارته أمكن له أن يقاوم النسيان وأن يصنع لنفسه موضعا في تاريخ المعنى.

إن قراءة عبد الله كنون قراءة أدبية نقدية لا تُفضي بنا إلى الإعجاب ببلاغته وحدها، بل تقودنا إلى اكتشاف نوعٍ من التلازم النادر بين البناء اللغوي والبناء الحضاري. فهو من الكتّاب الذين تتجسد فيهم حقيقة أن الأسلوب ليس مجرد هيئة خارجية بل هو طريقة في الوجود الثقافي. كل جملة عنده تكاد تحمل وراءها تربيةً لغوية وتكوينا علميا وذوقا أدبيا وحسا تاريخيا ووعيا بوظيفة الكتابة في زمن التحول. ولذلك فإن أي دراسة جادة لمؤلفاته ينبغي ألا تقف عند حدود “ماذا قال” بل أن تتعمق في “كيف قال” و”لماذا قال” و”في أي أفق حضاري قال”. وهناك فقط ينكشف لنا عبد الله كنون في حجمه الحقيقي: ليس بوصفه مؤلفا ناجحا فحسب، بل بوصفه مشروعا ثقافيا مكتمل الملامح.

لقد كان واعيا بأن الأمم تُختبر في لغتها كما تُختبر في تاريخها، وأن الهامش إذا لم يكتب نفسه ظلّ محكوما بما يكتبه عنه غيره وأن الأدب إذا لم يتحول إلى وعيٍ بالذات فقد جانب أعظم وظائفه. ومن هنا جاءت كتبه شهادةً مزدوجة: شهادةً على غنى المغرب الثقافي وشهادةً على قدرة العربية في يد صاحبها المتمكن، أن تكون أداة تحليلٍ ونقدٍ وبناءٍ وجمالٍ معا. ولعل هذا هو سرُّ خلوده: أنه لم يكتب كتابةً عابرة لزمنها بل كتابةً مؤسسةً لمعنى. وكل كتابةٍ تؤسس لمعنى تتجاوز شرطها التاريخي وتبقى قابلةً للعودة إليها لا من باب الوفاء للماضي وحده بل من باب الحاجة إلى مثالٍ حيٍّ في زمنٍ تكثر فيه الكتابة ويقل فيه الأدب وتكثر فيه المعلومات ويقل فيه الوعي وتكثر فيه الأصوات ويقل فيه البيان.

إن عبد الله كنون ليس فقط علما من أعلام الأدب المغربي بل هو أحد الموازين التي يمكن أن نزن بها ما ينبغي أن تكون عليه الكتابة العربية حين تخلص للمعنى وتترفع عن الابتذال وتستبقي لنفسها شرف العلم وجمال الأدب وحرارة الانتماء. إن الرجوع إليه اليوم ليس رجوعا إلى اسمٍ كبير في تاريخ الثقافة المغربية فحسب بل رجوعٌ إلى درسٍ بليغٍ في كيف تُصاغ الفكرة صياغةً تليق بها وكيف تتحول اللغة إلى حصنٍ للهوية وكيف يغدو الأدب عملا من أعمال الإنصاف التاريخي وكيف يكون الكاتب شاهدا لا ناسخا وصانعا للوعي لا مجرد ناقلٍ للمعلومات. وتلك منزلةٌ لا يبلغها إلا من كانت الكتابة عنده رسالةً وكان البيان عنده أمانةً وكان الفكر عنده أخلاقا قبل أن يكون صناعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى