الرِّوائي (حكمت بشنق) ينثر ورودَ العِشقِ في (عشق المناديل)

بقلم: د. إيمان بقاعي

7\4\2026

بيروت

بين (شذا) و(هدى)، بطل الرِّواية (سامر) مُلاحِقٌ ومُلاحَقٌ! ومن قال إنَّ الشابّ، خاصة إن كان قد “نشأ على الكرَم والحَياء، وتشبّع بِقِيمِ البساطة والاحترام، فصار مَحبوبًا من الجميع، حادّ البصيرة، واضحَ الرّأي، لا يخفي ما في قلبه إلا حين يكون الصّمت أبلغ من الكلام؟”، وكان مثقفًا ثقافةً رفيعةً، يعمل في “جريدة يوميّة من الصحف المنحازة بشكل كامل لقضايا الناس والمجتمع، والملتزمة بموقفها التَّغييريّ الرافض للواقع السياسي، الّذي يرى فيه سامر من خلال كتاباته أنّه ميت وميؤوس منه.”؟ لا يجدُ معجَبَةً أو أكثر؟

بين (شذا) و(هدى)، بطل الرِّواية (سامر) مُلاحِقٌ ومُلاحَقٌ! والنتيجة: صفر! فلا نال الأولى، ولا نالته الثَّانية، على أن سمراءَ أفريقيَّة لطيفة ومثقفة انتشلته من غربته وكوَّنت معه أسرة وأنجبت له صبيًّا، وغادرَتِ الحياةَ قبل أن يكتشف (سامر) أن (أمل)– الفتاة التي أحبها ابنُه- هي ابنةُ مَن لاحقَها وما فاز بها، بل فاز بها إسكافيٌّ من ضيعتها اسمه (هاني) يمتلك تخشيبة قديمة مسقوفة بألواح التُّوتيا الصّلبة المُلَوَّنة باللون الأزرق كلون السّماء، والمُغَطّاة بإطارات السّيارات وفوقها صبّ السَّقف بالباطون ولبَّسه بالقرميد، كما طَلى الجُدران باللَّون الأبيض.”، ويمتلك إلى جانبها شخصية قد لا تلفتُ فتاةً أنهَت تعليمها الجامعي في بيروت، “تُشبه نسمةً متمرّدة خرجت من بيئة محافظة لتصنع حرّيتها الخاصة. فهي فتاة ذكية، جريئة الفكر، لا تؤمن بالقيود، تسعى لِتُثْبِتَ أنّ الوعي لا يتعارضُ مع الأنوثة. اختارت أن تخوض الحياة بثقة، وإن دفعت ثمن ذلك نظراتٍ مشكّكة أو مواقف مُحرجة.” لكنَّ هذا ما حدثَ، إذ لفَتها في (هاني) “الخمسينيّ الذي هجرته زوجه اللُّعوب”: “طِيبُ معشره، وبساطةُ حاله، وصدقه، وأمانته، وحبُّه لأهل القرية وحبهم له، وقرابته لوالدها الرُّوحي (أبو مجدي)”، “الختيار المهضوم”، وهو عمه الذي طلبَ إليها أن تتزوجه، ففعلت بعد أن أصبحت وحيدةً في القرية بعد أن غادر حبيبُها (سامر) وما نالت منه أيَّةَ إشارة “طوال سنتين” ينبئها فيها أنَّه عائد يومًا لتنتظره،  فتختارُ لها نساءُ القرية- الثرثارات- عرسانًا على قياسِ أذواقِهنّ المشوبة “بسوء الظّنّ والمغلفة بعبارات مستهلكة: (سمعي مني ولا تصدقيني، يا ربّي تسامحني، ما بحبّ هالحكي بس إنت أخت مش غريبة بحكيلك، الله ينجّينا من بنات اليوم، هذا آخر وقت) وغيرها من الجمل، أو تنفض سترتها دلالة على أنها بريئة.”

ولمَ لا، وهي، كما يريْنَها: “قالْ مَربى مدينهْ قالْ. لو عايشةْ بحقلة البردوشةْ- اسم حقلة في القرية بعيدة جدًا عنه- كانت بتعرف إنو البنت لازم تتهيَّبْ بشويِّةْ بودرة وحمرة.”

فتجيب أخرى:

“ع القليلةْ تربط شعرها المكزبر متل البلّانةْ، منين بدها تلاقي عريس؟”

لكنها وجدتْ (هاني) عريسًا اختارته واختارها،  إذ صرَّحَ لها قائلًا:  “عرفت كم أنتِ إنسانة طيّبة، حنون، وصادقة، وبسيطة. بمعنى أن علمَكِ وثقافتَكِ لم يزيداكِ إلّا تواضعًا وسُمُوًّا، أضف إلى أنني- وبحُكم عملي- كنت أستمع إلى أحاديثَ كثيرةٍ، منها السَّلبي ومنها الإيجابي، وبالتَّفصيل، ولا أخفيكِ سِرًّا أن كل أسرار القرية وسكّانها بحوزتي، ولكن ما شأني بهم؟ وممّا لفتني أن أحدًا من رجال القرية الكبار وغيرهم لم يتكلم عنك بالسُّوء، لا بل الجميع يثني على أخلاقِكِ وتربيتكِ واحترامكِ ومعاملتكِ لأبيكِ، وفيما بعد لعمي. وهذا رصيد مُضاف إلى شخصيتكِ وثقافتكِ يحترمه الجميع ويقدّرونه.”

وكانتْ (أمل) التي أكملَت، بتفوق، دراستَها في فرنسا  ثمرةَ هذا الزَّواج، والمُستعيدةَ حلم أمها في اللقاء بمحبوبها الأول والأخير، والذي لفتها في اسم الشّاب الثلاثيّ اسم (لقاء)، فكان لقاءً مفاجئًا، مباغِتًا، على حين غفلة، وقتَ التقيا في حفل تخرج ولدَيهما، فتأكد أن (ماميتو) هي نفسها (شذاه): “الأمنية الحلم والحب الأول والأخير”، وتأكدت أن (صاموئيل سام جونز) عينه (سامرها)، وأنَّ ثمة “مستحيل يزهرُ، وشمس عشقٍ تُشرق”، كما كتبَ على منديلٍ، كعادته في كتاباتٍ على مناديل أُرسِلَ معظمُها، ولم يُرسَل كثيرٌ منها. تبودلَ معظمُها، وبقي بعضها مخبَّأً.

كتب آخر مناديله، كما كتب أوّلها: نصوص عميقة الكلمات والمشاعر والفكرِ، تستحق وحدها أن تكونَ كتابًا يُهدى لها، يحكي- بلغة الشعر- قصتهما.

وكتبتْ آخرَ ما كتبتْ:

“دعْنا لا نراهن على المستقبل، فهو

سيأتي حتمًا بشكل عَرَضيٍّ، غير متوقَّع…”

قاصدةً أن “لعبة الحظِّ” التي جمعتهما بعد تلك السنين ، قادرةٌ أن تنشر على روحَيهما الدفءَ من جديد، فما يجمعُهما- الآنَ- روحان شابان التقيا صدفةً، وفتحا لهما دربًا إلى المستقبل الذي بدا في نهاية الرواية المفتوحة مظلَّلًا، على بعض قتامةٍ تَشي بأنَّ حسابَ الزمانِ قد يقف حجر عثرةٍ في دربِ محبَّيْنِ سلَّما ألقَ الحياةِ لفلذتَيْ كبدَيْهما.

غير أن النِّهاية المفتوحة للروايةِ التي لم تفرضِ القتامَةَ إلا لبعضِ مَن لا يدركُ أنَّ قصص الحبِّ تنضجُ مع مرور السنين وتَحْلَوْلي، ولا تقتصر على فئة المراهقين والشّباب، ما يمكن لقارئ الرِّواية- بعد إنهائها- أن يرغبَ بإعادةِ قراءتها وربما يتوقف متمهلًا عند همسات مناديلِها، ويعيد التَّفكير ثانيةً بكل ما قرأَ، ويفتَح شبّاكًا أزرقَ بلونِ السماء ووِسْعِها- إن كانَ قارئًا متفائلًا- على توقُّع نهاية مشرقة.

أوَ لا تتغير الرِّواياتُ بتغَيُّر قرائها؟

أخيرًا،

أودُّ أن أحيي في الرِّواية:

(أولًا) سَيْرها في اتِّجاه خَطِّيّ  واحد محافِظ على تسلسل مَنْطِقِيّ ينساب في مَكَانٍ وزمان حقيقيين.

(ثانيًا) اختيار العنوان وأسماء الشَّخصِيَّات وتناسبها مع زَمَكَان الرواية.

(ثالثًا: الشَّخصِيَّات)

جمعَ الروائيّ (حكمت بشنق) بين (أ) الشَّخْصِيَّة الجاهزة المُسَطَّحَة التقليدية: ذات البُعْد الواحد (مخططة: طيبة أو شريرة)، نحو شخصية والدها، وشخصية هاني زوجها، وعمه المهضوم، وشخصية الطبيب الذي كان يلاحقها وكفَّ عندما أخبرته بحبها لسامر، (ب) المُدَوَّرة (المستديرة) النَّامية: ذات أبعاد متعددة تنمو مع القِصَّة، وتُظهر مواقف مختلفة لم تكن واضحة عندما قدمت أول مرة. وهذا النَّوع من الشَّخصِيَّات لا يتكَوَّن إلا قرب نهاية القِصَّة، كشخصيَّة بطَلَي الرواية، (ت) شخصيات ثانوية كان لها دور مهم- رغم ثانويتها- كشخصية صديقنا الرَّائع وصديق كلّ طلّاب “أُمِّنا الحنون” كليةِ الآداب: (أبو نعمة) الذي سررتُ جدًّا أنْ خلَّدَته الرواية، ويستحقُّ هذا عن جدارة.

(رابعًا: زمكان الرواية):

(أ) حدد الروائي (حكمت بشنق) بيئة الرواية (زمانًا ومكانًا) بشكل متوازن، وإن تمنيتُ- في بدايةِ الرِّواية- أن يذكر تأريخ سنة ذلك اللِّقاء، إذ إنَّ زمان وجود (أبو نعمة) طويلٌ في الجامعة، ولا يمكنُ الاتّكاء عليه. (ب) وفي (الزمكان)، عرّفَ القارئَ ببيئة لبنانية محليَّة وربطها بأنماط التَّفكير (تفكير الطَّبقة المثقفة: البطل والبطلة وتخطّيهما مصاعب الحياة والبدء من نقطة الصِّفر، تفكير أبناء المدينة وتفكير نساء القرية اللواتي استطاعت البطلة أن تنقلَهن من مجتمع (القيل والقال) إلى مجتمع الإنتاجِ الذي كرَّسها نموذج (الستّ) التي تثير إعجاب نساء القرية، صغيراتٍ وكبيراتٍ، حتى صارت المثَل الأعلى، وحُقَّ لها أن تكون. (ت) في الروايةِ انزياحاتٌ مكانية وزمانية أعطتها حيويةً جميلة من دونِ أن تعرقل سَيْرَ الأحداث.

(خامسًا: البناء والحبكة)

حققت الرواية (الصُّورة العضوية) المتوازنة، الخالية من عيوب إطالة أحد عناصرها، والتي حققت التَّسلسل السَّببي والزَّمَني (تطابُق بدء الحبكة بدءَ الرّواية)، وكانت نهايتها (مفتوحة)، من غيرِ أن توقف القارئ عند سؤال لا يستطيع الإجابة عنه، أو توقفه عند مجموعة احتمالات تربكه.

(سادسًا: السّرد)

برع الرّوائي (حكمت بشنق) بمزجه بين الطَّريقة المباشرة، وطريقة السَّرْد الذّاتيّ، وطريقة الوثائق (المناديل) التي بلَّلها الدمع وجفّفها، وبين طريقة تيار الوعي أو المونولوج الدَّاخلي (المُنَاجَاة) الذي ساهمَ في الوصول إلى حلول منطقية إيجابية.

(سابعًا: الأُسْلُوب)

اتّسمَ أسلوب الرّوايةِ بالوضوح والبلاغة، فلم يسهب الرّوائي إلى درجةِ الإِسْآمِ، ولم يوجز إلى درجة الرَّمزية، بل كانَ ضمنيًّا- وخاصة في نصوص المناديل- لا خطابيًّا مباشرًا مليئًا بعبارات الوعظ والإرشاد، ما يترك للقارئ حرّيةَ الاكتشاف ويفتح المجال لكلِّ قارئ أن يعبّد طريقَه أو يبحثَ عن طريق خاص. وقد استخدم فيه الخيال الواسع، والتَّصوير الدَّقيق، والإيقاع الموسيقيّ الّذي يشعر القارئ باللذة في القرّاءة. فما اكتفى بدمج النَّثر بالشّعر، وإيراد بعض الأغاني في النَّص السَّرْدي، بل أوردَ- وهذه إيجابية أُحبُّها في النصوص الأدبية التي تركِّز على سَبْر أغوار المكان- فِقَرًا مهضومة منقولة حرفيًّا من بيئة الضيعة اللبنانية، ما أعطى حيوية للنَّص من خلال الإيقاعِ.

(ثامنًا: باعتبار المَضْمُون)

أتقن الروائي اختيار (فكرة) روايته التي تقوم على تكريس نظرية “الحب الوحيد” الذي لا قبله ولا بعده، وهي فكرة جميلة تستهوي القرَّاء الشباب ولا ينفيها القرّاء المُسِنّون الذين صار لديهم وقتٌ لغربلة قصص الغرام التي مروا بها، وظلَّت واحدةٌ تتصدرُ المشهدَ أكثر من غيرها.  إضافةً إلى بثِّ الأفكار النَّقدية  الاجتماعية، كذلك السياسيَّة  بجرأةٍ وإقدام ولكن بغير عنف أو سخرية أو أفكار مُبتذَلَة.

أما (الخيال)، فوُجِدَ من خلال الشعر والمجاز والعناصر الفكرية الجديدة المبتكرة ولغة الأمنيات.

ولا بدَّ من الإشارة إلى إتقانِ إخراج الرِّواية من الداخل والخارج وأناقة اللَّمسات الفنية التي تجلَّت في لوحة الشبَّاك المفتوح الذي كان له دورٌ عظيمٌ في تلقِّي المناديل العشقيّة المكتوبة بالدّمع، وفي اللَّونين: الأبيض، والأزرق الفيروزي الذي يربط بين لون السماء ولون البحر في يوم غائم ما يعطي شعورًا بأن خلف الشبّاك قصة غامضة علينا اكتشافها، وما لهما من دلالات فنية تتناغم مع اللون الأخضر للنباتات المتدلية من الأعلى، خاصة أن الأخضر والأزرق لونان باردان يريحان العين والنفسَ في آنٍ.

ولستُ أتوقعُ أن يَفِرَّ قارئٌ متعمِّقٌ من العودة إلى ذلك الغلاف المُعجِبِ بعد إنهاء قراءة الرواية، فله سِحرٌ جذّابٌ قد لا ينتبه إليه بدايةً، وهذه اللمسات الفنّيةُ الماهرةُ تتسم بها دار النخبة في بيروت، التي تصدر كتبًا عصريَّةً جذّابةً مُنَمَّقة مُزدانَةً.

(حكمت بشنق)، شكرًا لأنك أفرجتَ عن الروائي المخبَّإ داخِلِكَ.

 

الرِّوائي (حكمت بشنق)

 

حكمت توفيق بشنق

لبناني، مواليد مرستي الشوف 8 أيار 1960.

مفتش مؤهل أول متقاعد من الأمن العام.

حائز على:

إجازة في الحقوق من الجامعة اللبنانية – كلية الحقوق والعلوم السياسية، عام 1987.

* شهادة الاختصاص في الديموغرافيا (علم السكان) من الجامعة اللبنانية معهد العلوم الاجتماعية عام 2002.

* شهادة دبلوم الخبرة في الديموغرافيا، عام 2007.

* عضو اتحاد الكتاب اللبنانيين منذ العام 2019.

* عضو في عدة منتديات ثقافية في لبنان والخارج.

المؤلفات والأبحاث:

* «ترانيم على أوتار العشق»، مجموعة شعرية، 2015.

* «أشرعة الهذيان»، مجموعة شعرية، 2018.

* «توفيق محمد بشنق، مسيرة عطاء ورسالة أصالة ووفاء»، دار النخبة، بيروت 2024.

* «دراسة ظاهرة النزوح من قرية مرستي»، بحث، 2002.

* «المرأة العاملة والسلوك الإنجابي»، دراسة ميدانية في مدارس الشوف الأعلى، 2006.

“عشق المناديل” رواية، دار النخبة، بيروت،

 

 

Related Posts

A Street in Cairo Celebrated in Paris!

Paris — In a moment that celebrates the vitality of intercultural dialogue and literary exchange, the French edition of A Street in Cairo by Egyptian writer Ashraf Aboul-Yazid has been…

د. أشرف أبو اليزيد: الترجمةُ خلقٍ جديد للنصِّ في سياقٍ ثقافيٍّ مختلف

في مشهد ثقافي يعكس حيوية القاهرة ودورها التاريخي كجسر بين الحضارات، احتضنت الجامعة البريطانية في مصر فعاليات ندوة دولية رفيعة المستوى تحت عنوان «الثقافة والآداب… جسر التعاون بين الشعوب»، وذلك…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *