
حين يتحوّل الاختلاف من عبء اجتماعي إلى هندسة للحب والحياة
في روايته «مختلف»، يقدّم الكاتب اللبناني أشرف المسمار عملاً سردياً يخرج من إطار الرواية الاجتماعية التقليدية، ليدخل منطقة أكثر تعقيداً وإنسانية، حيث يصبح “الاختلاف” ليس مجرد سمة نفسية أو جسدية أو سلوكية، بل فلسفة وجودية، وعدسة جديدة لرؤية العالم، وربما—كما يوحي العنوان نفسه—الشرط الوحيد لفهم الحياة.
منذ الفصل الأول، الذي يفتتح بمشهد من مدينة دافوس خلال المنتدى العالمي، يضعنا الكاتب في فضاء عالمي شديد الرمزية. ليست دافوس هنا مجرد مكان، بل استعارة للعالم المعاصر؛ عالم المال والسياسة والقرارات الكبرى، حيث تُصاغ مصائر البشر تحت شعارات التعاون والابتكار، بينما تتوارى خلف البريق أسئلة أخلاقية وإنسانية عميقة. هذا الافتتاح يمنح الرواية بعداً كونيّاً منذ البداية، ويؤسس لمفارقة أساسية: العالم الذي يدّعي التقدم، هل هو قادر فعلاً على احتضان المختلف؟
لكن قوة الرواية الحقيقية لا تكمن في فضائها الخارجي، بل في انتقالها الذكي إلى العوالم الداخلية لشخصياتها، خصوصاً “حيّان”، الشخصية المحورية التي تتشكّل منذ طفولتها عبر العزلة والتنمر وسوء الفهم الاجتماعي. ينجح المسمار في بناء شخصية حيّان بعناية نفسية لافتة؛ طفل يُلقّب بـ”اللوح” و”الحيط”، يُساء فهم صمته، وتُقرأ اختلافاته بوصفها نقصاً، بينما تخفي تلك السكينة عالماً داخلياً متفجراً من الحساسية والذكاء والقدرة على الإدراك المختلف.
هنا تقترب الرواية من مقاربات أدب التنوّع العصبي، وربما تلامس بشكل غير مباشر طيف Autism Spectrum Disorder، لكن الكاتب يتجنب التوصيف الطبي المباشر، وهو اختيار ذكي، لأن هدفه ليس التشخيص، بل الإنسان.
على مستوى البناء العاطفي، تشكل شخصيات “سوزان” و”تيريز” و”صفا” مثلثاً إنسانياً بالغ الثراء. العلاقات هنا ليست رومانسية بالمعنى السطحي، بل علاقات اكتشاف واحتواء ونمو. خصوصاً علاقة حيّان بابنه “صفا”، التي تمثل القلب الحقيقي للرواية. فبدلاً من الصورة التقليدية للأب الذي يعلّم ابنه، نجد انقلاباً جميلاً في المعادلة: الابن المختلف هو من يعيد تشكيل وعي الأب، ويمنحه طريقة جديدة لفهم التصميم، الحب، وحتى النجاح.
ومن أجمل لحظات الرواية ذلك الربط المتكرر بين الهندسة والبناء والجسور من جهة، وبين العلاقات الإنسانية من جهة أخرى. حيّان المهندس لا يبني جسوراً في المدن فقط، بل يبني جسوراً بين العزلة والانتماء، بين الألم والقبول، بين الاختلاف والعالم.

أسلوب أشرف المسمار يتسم بلغة شاعرية واضحة، تتداخل فيها الصورة الحسية مع التدفق النفسي. أحياناً يميل النص إلى كثافة وصفية عالية، وربما إلى فائض وجداني، لكنه يظل منسجماً مع طبيعة العمل، الذي يكتب عن مشاعر لا تُقال بسهولة. كما أن التنقل بين بيروت، برشلونة، ودافوس يمنح الرواية بعداً سينمائياً وحركية مكانية تعزز من إيقاعها.
أما النهاية، في مؤتمر دافوس مجدداً، فتغلق الدائرة السردية بطريقة ناضجة: الطفل الذي كان يُساء فهمه يصبح مصدر الإلهام لمشاريع عالمية، والاختلاف الذي كان عبئاً يتحول إلى عبقرية. إنها ليست نهاية بقدر ما هي إعلان ولادة جديدة، كما يلمح الكاتب نفسه: “النهاية… أو ربما مجرد بداية جديدة… فصل مختلف.”
ويأتي الإهداء كخلاصة فلسفية للرواية كلها:
“هذا الكتاب مهدى لي ولك… فكلانا مختلف… في زمكان ما أو في وجه نظر أحدهم.”
بهذه الجملة، لا يعود “المختلف” هو حيّان أو صفا فقط، بل نحن جميعاً.
رواية «مختلف» ليست فقط حكاية أسرة، ولا قصة نجاح، بل بيان أدبي عن حق الإنسان في أن يكون نفسه—بلا اعتذار.
د. أشرف أبو اليزيد – طريق الحرير اليوم




