هناك… نحو الضوء غير المسبوق  … قصائد إلدار آخادوف

With Rakhman Mustafayev, Ambassador Extraordinary and Plenipotentiary of the Republic of Azerbaijan to Russia

قصائد مختارة، صدر للشاعر إلدار آخادوف في موسكو عن  دار «إزداتيلسكي ريشينيا»، 2026 – 194 صفحة، يقرأها ألكسندر كاربنكو Alexander Karpenko

 

تتجلّى موهبة إلدار آخادوف  Eldar Akhadov  في مجالات معرفية عديدة. وبرأيي، فإنه مثال ساطع لما أطلق عليه Igor Melamed  إيجور ملميد اسم «الشعر النبيل». فأسلوب إلدار لا يطغى أبدًا على المضمون. والطابع الكوني في أعماله مرتبط مباشرة بالإنسانية:

“تنام الأرض في ظلمة الليل العميق.
يحيط بها الأبد والصمت.
وكالنور عبر العيون المغمضة،
يخترق الصوت الأول السماء.
وهي، كجفن مرتجف،
تنفض عنها غبار النجوم…
وصوت الإنسان الوحيد
يدور صاعدًا نحو الخالق”.

في الإيقاع والمضمون، تذكّرني هذه القصيدة بقصيدة ميخائيل ليرمانتوف Mikhail Lermontov الشهيرة «أخرج وحدي إلى الطريق». ولدى أخادوف كثير من القصائد المشابهة. إن كون الشاعر دائمًا مشبع بالروح ومأهول بالبشر. ورؤيته الشعرية التلسكوبية ليست دائمًا في متناول من لم ينخرط في العمل الإبداعي:

“كثيرًا ما يسخرون منه—
وهو يثق كطفل،
ويبتسم بسعادة،
محلّقًا في السماء المفتوحة على اتساعها.
وكأنه لا يسمع
ما يصرخون به من الأسفل.
أعلى، فأعلى، فأعلى
يحلّق بصره البطيء.
هناك، نحو ضوء غير مسبوق،
حيث النجوم قريبة وبعيدة،
حيث ما كشفه الشاعر
يُرى من على الأرض.”

إن صلة أخادوف بالسماء لا تقبل الشك.

وبالطبع، فالسماء هنا أيضًا استعارة. إنها ترمز إلى الأعالي والآفاق الخصبة، وإلى الأعماق كذلك. يكتب المؤلف: «يضيء ضوء النجوم الإنسان من كل مكان». وربما ما يكتب عنه أخادوف ليس جديدًا بوصفه موضوعًا للدراسة. لكن الشاعر يحقق الجِدّة واستقلالية الأسلوب لا عبر التجريب الطليعي، بل عبر خصال أخرى: شجاعة فاتح أقصى الشمال، وجغرافيا أسفاره، وشغف تعاطفه، وسرعة فهمه واستجابته الشعرية الفورية، وعدم انفصال مصيره عن مصائر الآخرين.

إن بطل أخادوف يعرف كيف يندهش. ومن بين الأعمال الكونية للمؤلف، تبرز قصيدة “دوران الأرض”:

“أشعر بدوران الأرض،
حين أنظر، وظهري ملتصق بها،
إلى السماء اللامنتمية للأرض على الإطلاق،
وإلى غيوم تنساب كعشب الريش…
الروائح المتبدلة والنجوم،
ورقصة العواصف الثلجية، ورقصة تزاوج البلشونات—
كلها تعيش داخلي.
كأنني شفاف،
وكل ما لا أستطيع الحياة بدونه…
وكأنني أمتد إلى الأسفل وإلى الأعلى،
صرت ظلمةً، ونورًا، وسلامًا،
ومنحلًا في السماء الجرسية،
أعيش في كل شيء، ومع الجميع، ولأجل الجميع.”

إن عبارة «في كل شيء، ومع الجميع، ولأجل الجميع» تكشف مدى النزعة الحلولية (البانثيّة) لدى المؤلف. والشاعر مقتنع بأن «السماء تُرى من كل مكان». ويخلق أخادوف، على نحو غير متوقع، منظورًا معكوسًا:

“وحيث مرّ كل الزمن،
ترتفع السماء من تحت الأرض.”

من سار في دروب المحن لا يخشى شيئًا. يقول إلدار: «أنا أحب هذا العالم، وأعلم أن الله يحب الشعراء». وفي عالمه، كل شيء شعر:

“قفز إنسان إلى السماء—فاختفى في البحر.
وقفز البحر إلى الصخور—فاختفى في الضباب.
وصعد الضباب، وصار سحبًا، واختفى في السماء.
وقفزت السماء إلى الأبدية، وعبرت الضباب،
والصخور، والبحر، والإنسان.
وعبرت الأرض—واختفت في عوالم أخرى…
ولا نهاية للعوالم، ولا للصخور،
ولا للبحار، ولا للضباب، ولا للأراضي،
ولا للبشر، ولا للسماوات.”

هذه أبيات رحّالة ورومانسي.

في كونيات أخادوف، لا وجود للموت:

“لكن الإنسان لا يموت:
إنه فقط يغفو، دون أن يتنفس.
روحه الخالدة تشتعل، تشتعل، ولا تنطفئ.
تطير من هاوية الضوء—
فوق قباب الجبال وتموّجات المياه…
وفقط صدى يبكي في مكان ما،
عابرًا القباب…”

إن روح الإنسان «مخطوطة» لا تحترق. ومرة أخرى، تذكّرنا ثيمات إلدار بليرمانتوف Lermontov.  فلنتذكر كلمات الكلاسيكي: «أود أن أنام إلى الأبد، لكي تنام قوى الحياة في صدري، ولكي يرتفع صدري بهدوء وأنا أتنفس». لقد رأى ليرمنتوف الحياة الأخرى كحالة بين النوم واليقظة. أما ما دمنا أحياء، فمن المهم أن نمضي دومًا إلى الأمام—هناك، نحو الضوء غير المسبوق.

Alexander Karpenko.

لمعرفة أسماء المبدعين من أصدقاء وصديقات إلدار يمكن الضغط هنا

  • Related Posts

    حين يتحول الكون إلى لوحة: محمد برطش يعيد خلق الأسطورة المصرية بلغة الفن المعاصر

    دكتور حسين عبد البصير يقدّم معرض «الأساطير المصرية وسطح الكون» للفنان محمد برطش تجربة تشكيلية تتجاوز حدود العرض الفني التقليدي، لتدخل في منطقة أكثر تعقيدًا تتقاطع فيها الأسطورة بالفلسفة، والتاريخ…

    حين يصبح الاسم وسامًا

    في سجلٍّ ثقافي امتدّ عبر ما يقارب عقدين من الزمن، وضمّ أصواتًا أدبية وفنية وفكرية من إيطاليا والعالم، يبرز اسم الدكتور أشرف أبو اليزيد بوصفه حضورًا عربيًا استثنائيًا نال العضوية…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *