دكتور حسين عبد البصير
يقدّم معرض «الأساطير المصرية وسطح الكون» للفنان محمد برطش تجربة تشكيلية تتجاوز حدود العرض الفني التقليدي، لتدخل في منطقة أكثر تعقيدًا تتقاطع فيها الأسطورة بالفلسفة، والتاريخ بالتصور الكوني، والذاكرة الحضارية بالوعي المعاصر. وهو معرض لا يمكن قراءته بوصفه مجرد حدث بصري، بل باعتباره محاولة لإعادة مساءلة فكرة “الخلق” ذاتها، كما تشكلت في المخيال المصري القديم، ثم كيف يمكن استعادتها اليوم داخل بنية الفن المعاصر.
في هذا السياق، لا يتعامل الفنان مع الأسطورة بوصفها سردية مغلقة أو تراثًا ثابتًا، بل باعتبارها نظامًا معرفيًا مفتوحًا، قابلًا لإعادة التشكيل والتأويل. ومن هنا تأتي أهمية العودة إلى مفاهيم مثل «نون» باعتبارها الحالة الأولى للعدم الخلاق، حيث كان الكون مجرد احتمال غير متحقق بعد، وكذلك مفهوم «آتوم» بوصفه لحظة التحول من الإمكان إلى الفعل، ومن السكون إلى التكوين.
لكن ما يميز مقاربة المعرض أن هذه المفاهيم لا تُقدَّم في صورة أيقونية مباشرة، ولا تُستعاد كرموز زخرفية مألوفة، بل يتم تفكيكها وإعادة بنائها داخل لغة تشكيلية تجريدية تعتمد على الكتلة اللونية، والتوتر البصري، والحركة الداخلية للسطح. وهنا تتحول اللوحة إلى فضاء غير مستقر، أشبه بمجال طاقي يتغير باستمرار تبعًا لعلاقة الضوء بالمادة، ولعلاقة المتلقي بالعمل نفسه.
ينتمي الفنان محمد برطش إلى جيل من التشكيليين الذين يسعون إلى إعادة ربط الفن المعاصر بجذوره الرمزية العميقة، لا عبر النقل المباشر للتراث، بل عبر إعادة إنتاجه داخل بنية فكرية حديثة. وقد سبق أن عُرضت أعماله في سياقات فنية متعددة، كما اختير ضمن عدد من المبادرات الدولية التي تُعنى بالفن بوصفه لغة للسلام والتواصل الإنساني، وهو ما يعكس امتداد تجربته خارج الإطار المحلي إلى فضاء أكثر اتساعًا.
وفي معرضه الحالي، يتجلى هذا الامتداد في التعامل مع الكون ليس باعتباره خلفية ثابتة، بل باعتباره “سطحًا حيًا”، كما يوحي عنوان المعرض. فالسقف الكوني في التصور المصري القديم — الذي تمثله الإلهة «نوت» — لا يُقدَّم هنا كعنصر أسطوري فقط، بل كحالة إدراكية يمكن للفن أن يعيد إنتاجها بصريًا، حيث يصبح الفضاء نفسه كائنًا متحركًا، وليس مجرد امتداد هندسي.
كما تتسلل إلى الأعمال إشارات إلى فكرة “رحلة الشمس” اليومية في الفكر المصري القديم، حيث يتحرك الإله «رع» عبر طبقات الليل والنهار، في مواجهة دائمة مع قوى الفوضى ممثلة في «عبب». غير أن هذه الثنائيات لا تظهر كصراع سردي واضح، بل كتوترات داخل بنية اللوحة، حيث تتداخل المناطق المضيئة مع العتمة، وتتشكل طبقات اللون بوصفها تعبيرًا عن حركة داخلية لا تهدأ.
إن ما يجعل هذه التجربة لافتة هو اعتمادها على مفهوم إدراكي مهم في علم النفس البصري، وهو ما يُعرف بـ”الباريدوليا”، أي ميل العقل البشري إلى اكتشاف أنماط ومعانٍ داخل أشكال غير مكتملة أو عشوائية. وهنا يتحول المتلقي إلى شريك في إنتاج المعنى، إذ لا تُفرض عليه قراءة واحدة، بل يُدعى إلى إعادة بناء العمل وفقًا لخبرته الذاتية، وذاكرته البصرية، وحساسيته التأويلية.
وبذلك، لا يعود العمل الفني كيانًا مغلقًا، بل يصبح حقلًا مفتوحًا للتعدد. فكل مشاهدة هي إعادة خلق جديدة، وكل قراءة هي طبقة إضافية في بنية العمل. وهذا ما يمنح المعرض بعده الفلسفي العميق، حيث تتقاطع الجمالية مع المعرفة، ويتحول الفن إلى وسيلة للتفكير في الوجود، وليس فقط في تمثيله.
وفي مستوى آخر، يمكن قراءة المعرض بوصفه محاولة لإعادة الاعتبار لفكرة “الأسطورة” في زمن الحداثة المتأخرة، حيث فقدت السرديات الكبرى كثيرًا من حضورها المباشر. غير أن الفنان هنا لا يستعيد الأسطورة كحنين إلى الماضي، بل كأداة لفهم الحاضر، وكوسيلة لطرح سؤال المعنى في عالم يتسم بالتشظي والسرعة.
إن اللوحات، في هذا السياق، ليست مجرد تكوينات بصرية، بل هي أشبه بخرائط إدراكية للكون، تحاول أن تلتقط ما لا يُرى بقدر ما تُظهر ما يُرى. فهي لا تقدم الكون كحقيقة مكتملة، بل كعملية مستمرة من التشكّل والتفكك، حيث لا نهائية الأسئلة أهم من أي إجابة ممكنة.
أما على المستوى المفاهيمي الأوسع، فإن المعرض يطرح سؤالًا جوهريًا حول وظيفة الفن في المجتمع المعاصر: هل هو مجرد إنتاج جمالي؟ أم أنه أداة لإعادة بناء الوعي؟ يبدو أن تجربة محمد برطش تميل بوضوح إلى الخيار الثاني، حيث يصبح الفن مساحة للتأمل، ولإعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والكون، وبين المادة والمعنى، وبين الماضي والحاضر.
ومن زاوية أخرى، يكشف المعرض عن حضور واضح لفكرة “الزمن الدائري” التي ميّزت الفكر المصري القديم. فالمصريون القدماء لم ينظروا إلى الزمن بوصفه خطًا مستقيمًا يبدأ وينتهي، بل رأوه حركة أبدية للتجدد والانبعاث. هذه الرؤية تنعكس داخل أعمال برطش عبر الإيقاعات اللونية المتكررة، والحركات الدوامية التي تمنح المشاهد إحساسًا بأن الكون لا يتوقف عن إعادة خلق نفسه.
كما أن العلاقة بين النور والظلام داخل الأعمال لا تبدو مجرد علاقة تشكيلية، بل تحمل أبعادًا ميتافيزيقية واضحة. فالضوء هنا ليس إضاءة فنية فحسب، بل استعارة للحضور والمعرفة والانكشاف، بينما تتحول العتمة إلى فضاء للغموض والإمكان واللاوعي. ومن هذا التوتر المستمر بين النقيضين تنبثق الطاقة البصرية للعمل.
ويبدو تأثير الفكر المصري القديم حاضرًا أيضًا في فكرة “الكلمة الخالقة”، أي ذلك التصور الذي يرى أن الوجود بدأ بالنطق الأول، بالصوت الذي منح الأشياء أسماءها ووجودها. وربما لهذا يحمل عنوان المعرض الفرعي «من نفس آتوم إلى الوعي — صوت النجوم» دلالة عميقة، إذ تتحول النجوم هنا إلى أصوات كونية، وتصبح اللوحة محاولة لالتقاط الصدى الأول للخلق.
ولا يمكن إغفال البعد الروحي الذي يسري في الأعمال دون أن يتحول إلى خطاب ديني مباشر. فالتجربة البصرية عند برطش تُنتج حالة من التأمل الصامت، تجعل المشاهد يقف أمام اللوحة كما لو كان يقف أمام مرآة داخلية، يرى فيها شيئًا من ذاته بقدر ما يرى شيئًا من الكون. وهذا أحد أهم إنجازات الفن الحقيقي: أن يجعل الإنسان يعيد اكتشاف نفسه عبر الجمال.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن معرض «الأساطير المصرية وسطح الكون» يمثل محاولة واعية لإعادة فتح الملف الرمزي للحضارة المصرية القديمة، ولكن من داخل خطاب تشكيلي معاصر لا يكتفي بالاستلهام، بل يسعى إلى إعادة الإنتاج والتأويل. إنه معرض يضع المشاهد أمام تجربة إدراكية تتجاوز النظر إلى اللوحة، لتصل إلى التفكير فيها بوصفها كائنًا حيًا يتغير مع كل قراءة.
وهكذا، ينجح محمد برطش في تحويل الأسطورة من حكاية موروثة إلى تجربة بصرية وفكرية معاصرة، ويجعل من اللوحة مساحة للتأمل في أصل الوجود ذاته، حيث يلتقي الفن بالكون، ويتحول السطح التشكيلي إلى مرآة للوعي الإنساني في بحثه الدائم عن المعنى.







