تونس تعيد إحياء أسطورة العاشقين

قراءة نقدية : خالد سليمان
طريق الحرير اليوم ـ تونس

ـ أسطورة العشق الجامحة بين “عليسة ـ ديدون” سيدة قرطاج وملكتها، و”إينياس” الطروادي تبعث من جديد مثل طائر “الفينيق” على مسرح أوبرا تونس في عرض جديد بدعم من وزارة الشؤون الثقافية التونسية، يمكن وصفه بأنه ذو مسحة “كوزموبوليتانية”.. إذ أن العرض من تنفيذ باليه أوبرا تونس بمشاركة أكثر من خمسين عنصرا تونسيا بين عازفين منفردين، وموسيقى أوركسترا تونس، وراقصي الباليه، وكورال الأوبرا، مع موسيقى الباروك الفرنسي وقائد الأوركسترا “ستيفان فوجه”، برؤية إخراجية للكوريغراف اللبناني “عمر راجح”..

ـ “عليسة ـ ديدون” و”إينياس” هي قصة غرام تراجيدية تجمع بين الأسطورة والتاريخ.. بفضل خيال الشعراء والمبدعين الذين تناولوها مثل: الشاعر الروماني العظيم “فيرجيل” الذي تناول تلك الأسطورة التاريخية في الكتاب الرابع من ملحمته الشعرية “الإنيادة ـ The Aeneid”.. التي كتبها في القرن الأول قبل الميلاد بتكليف من الإمبراطور الروماني “أغسطس” لأغراض دعائية سياسية ودينية تربط التاريخ الروماني بالآلهة، كما استهوت الأسطورة شاعرا رومانيا آخر هو “أوفيد ـ Ovid” الذي تناولها في إبداعه “Heroides” والتي ضمنها رسالة باكية مؤثرة تغص بالعتاب من “عليسة ـ ديدون” إلى “إينياس” الذي امتثل لأوامر “ميركوري” رسول كبير الآلهة “جوبيتر ـ زيوس” بالرحيل إلى الأراضي الإيطالية ليؤسس “طروادة جديدة” تقوم على نظام عسكري صارم كـ”طروادة القديمة” المدمرة على يد الإغريق، والتي سيصبح اسمها “روما” فيما بعد.. رافضا توسلات “عليسة ـ ديدون” بالبقاء، لتختتم تلك التراجيديا بانتحار “عليسة ـ ديدون” بطعنة من سيف “إينياس” الذي تركه وراءه قبل أن تلقي بنفسها في النيران التي أضرمتها فيما تبقى من أغراضه.. وهي تدعو وتستمطر “لعنات السماء الأبدية” ألا يكون هناك سلام أبدا بين شعبها “القرطاجي”، وشعب “إينياس” “الرومان”، لتصبح تلك الرواية المتخيلة هي التفسير الأسطوري للحروب البونيقية الرومانية الطاحنة..

ـ وهنا يبرز دور خيال المبدعين الذي يتجاوز التاريخ والجغرافيا ليروي لنا أسطورة خالدة تتجاوز كل تلك الحدود الواقعية والمنطقية لتهدي للميثولوجيا الإنسانية أعمالا خالدة.. فمن الجانب التاريخي الحقيقي، تلك القصة التراجيدية مستحيلة الحدوث.. إذ إنه بين الزمن الذي عاش فيه “إينياس”، والزمن الذي عاشت فيه “عليسة ـ ديدون” حوالي ثلاثة قرون.. فحرب “طروادة” التي فر منها “إينياس” نصف الإله نبيل النسب، إذ إنه نجل الأمير “أنخيسيس” والإلهة “أفروديت ـ فينوس”، يعتقد أنها وقعت في القرن 12 أو 13 ق.م تقريبا “1184 ق.م”، أما تأسيس قرطاج على يد “عليسة ـ ديدون” فقد كان في القرن التاسع ق.م، في 814 ق.م تقريبا..

ـ لكن الأسطورة التراجيدية الخالدة والموحية قد فتنت العديد من الشعراء والكتاب، ومنهم الكاتب المسرحي الإنجليزي ” كريستوفر مارلو” أحد أبرز كتاب عصر النهضة، والذي عاصر “وليم شكسبير” وكان أكثر شهرة وقدرا من “شكسبير” آنذاك، والذي كتب مسرحيته الشهيرة “ديدون ملكة قرطاج”.. ويأتي بعد “مارلو” بنصف قرن تقريبا إنجليزي عبقري آخر هو الموسيقار “هنري بورسيل” أحد ألمع الأسماء في “عصر الباروك”.. ليقدم لنا العمل الفذ أوبرا “ديدون وإينياس” التي تعد أول أوبرا إنجليزية والتي استوحاها من “إنيادة” الشاعر العظيم “فيرجيل”، والتي تضم واحدة من أشهر وأجمل الأغاني المأساوية في تاريخ الموسيقى الكلاسيكية، وتعرف باسم “رثاء ديدون” (Dido’s Lament) أو “When I am laid in earth”، والتي تعبر عن الحزن العميق ببراعة موسيقية لحنية فائقة تميز بها عصر الباروك..

ـ لذا وقع الاختيار على هذا العمل من باليه أوبرا تونس لكي تعيد تقديمه على أرض قرطاج الساحرة التي ولدت من رحمها تلك الأسطورة الخالدة، الموطن الأصلي الذي ألهم المبدعين..
وقد بدأ العرض الذي تم تقديمه برؤية حداثية برقصة صامتة على خشبة مسرح شبه فارغة إلا من بعض الأحجار المصنوعة من “الفوم”، والتي كان ينبغي أن تكون أكثر إتقانا مما كانت عليه، ليبدأ بعد ذلك دخول الراقصين المشاركين الذين بدأوا التشكيل في الفراغ المسرحي ليصنعوا مشهدا متكاملا سينوغرافيا.. ازداد ثراء بعد دخول الموسيقى الأوبرالية البديعة، التي زادتها روعة عذوبة أصوات مغنيي أوبرا تونس المميزة التي تكاملت مع المشهدية إلى حد التماهي والتكامل..

وكما ذكرنا آنفا كان الجهد الإخراجي للمخرج والكوريغراف اللبناني “عمر راجح” مميزا وواضحا، على الرغم من أن البعض لم يرقه تلقي عمل كلاسيكي في قالب حداثي، لكن في ملتي واعتقادي أن السبب الحقيقي في تلك الإشكالية في التلقي يرجع لكون ملابس الراقصين بها بعض النقص والخلل، كرسه عدم تمشيها مع أزياء المغنين الكلاسيكية، والتي لا تتناسب بدورها مع الرؤية الحداثية للعمل، وربما كرست حجارة “الفوم” غير المتقنة هذا التذبذب النسبي في مستوى التلقي.. هذا على مستوى العرض الأوبرالي..

أما على مستوى الرؤية الجديدة في الطرح، فقد كانت جملة “ليس كل دمار هزيمة” التي انهارت مع انهيار الجدار الحجري مثارا للجدل، حيث تلقاها البعض باعتبارها إحالة بعيدة عن الأسطورة وتحملها أكثر مما تحتمل، فيما اعتبرها البعض مبالغة في الرؤية لدغدغة مشاعر الجمهور، لكن وللحق فإن المشهد الذي تزامن مع ختام العرض قد لاقى إعجابا من أغلب الجمهور..

ـ وهذا العرض الذي قدم بنجاح كبير على مسرح أوبرا تونس لمدة يومين، سيكون ضمن عروض “مهرجان الموسيقى السيمفونية بالجم”، حيث تردد أنه قد يكون عرض الافتتاح، وربما تكون الفترة المتبقية على بدء “مهرجان الموسيقى السيمفونية بالجم” فرصة جيدة لاستكمال وتدارك أي هنات قد مست عرضا أوبراليا في مجمله عرض جيد.

  • Related Posts

    MOTS POUR MAUX – LITERARY AND CULTURAL CONVERSATIONS

    Poetry between Personal Inspiration and Social Responsibility A new edition of the literary and cultural series “Mots pour Maux” will take place online on Sunday, 24 May 2026, from 16:00…

    World Poets and Artists Paid Tribute to Dylan Thomas

    On the occasion of Dylan Day, celebrated annually on May 14, poets and artists from across the world came together to honor the enduring legacy of Dylan Thomas—one of the…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *