وداعًا لوتشيانو سوما… حين يرحل من جعل الشعر وطنًا
بقلم: د. أشرف أبو اليزيد
حين يرحل شاعر، لا تغيب الكلمات، بل يتسع صمت اللغة. وحين يكون الراحل هو لوتشيانو سوما، فإن نابولي لا تفقد شاعرًا فحسب، بل تفقد أحد أكثر أصواتها إخلاصًا، وإنسانًا كرّس أكثر من سبعين عامًا للكلمة، وللأغنية، وللثقافة الإيطالية، حتى صار جزءًا من ذاكرتها الحية.
ولد لوتشيانو سوما في نابولي في 18 مارس 1940، وبدأ كتابة الشعر وهو في الثالثة عشرة من عمره. ومنذ تلك اللحظة لم يتوقف عن الإصغاء إلى نبض المدينة، ولا عن تحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى قصائد وأغانٍ تحفظها الذاكرة الشعبية. كان شاعرًا ينتمي إلى الناس، يكتب عن البحر، وعن الأزقة، وعن الحب، وعن الفقراء، وعن الأطفال، وعن الأحلام التي لا تموت.
لم يكن سوما شاعرًا فحسب، بل كان مؤسسة ثقافية كاملة. كتب آلاف القصائد، وأكثر من ألفي أغنية، وتعاون مع كبار الملحنين والمطربين، وفي مقدمتهم أنطونيو ألتييري، وبيتر تشياني، وجياني درودي، وداريو روستيكيلي، وغيرهم، لتتحول كلماته إلى أغانٍ أصبحت جزءًا من الوجدان الإيطالي، ولا سيما الوجدان النابولي.
عرفته الأوساط الأدبية شاعرًا لا يكلّ، فحصد مئات الجوائز الأدبية، ونال وسام الميدالية الفضية لرئيس الجمهورية الإيطالية مرتين، وأدرج اسمه في أهم المعاجم والأنطولوجيات الشعرية الإيطالية، كما وجد مكانه في المختارات الروسية المرموقة “ولدوا للحياة” إلى جانب أسماء خالدة مثل سالفاتوري كوازيمودو، وبازوليني، وسابا، وإدواردو دي فيليبو.
كان أيضًا صحفيًا وكاتبًا نشر في أكثر من مائة وخمسين صحيفة ومجلة، ومديرًا فنيًا، وكشافًا للمواهب، وعضوًا دائمًا في لجان تحكيم الجوائز الأدبية، ومقدمًا للبرامج الثقافية والإذاعية والتلفزيونية. لكن كل هذه الصفات لم تطغَ يومًا على صفته الأولى: الشاعر.
عرفت لوتشيانو سوما من خلال جسور الأدب التي لا تعترف بالحدود، ومن خلال أصدقائنا المشتركين، وفي مقدمتهم الشاعرة والكاتبة الإيطالية جويا لوماستي، التي رافقته في مشاريع ثقافية عديدة عبر منصة Vetrina delle Emozioni. وكان حضوره الإنساني يسبق حضوره الأدبي؛ متواضعًا، كريمًا، مؤمنًا بأن الشعر رسالة قبل أن يكون مهنة.
في قصائده، كانت نابولي بطلة دائمة؛ مدينةً تنبض بالبحر والموسيقى والحنين. كتب عن أزماتها كما كتب عن جمالها، وعن زلازلها كما كتب عن أعيادها، وعن ناسها البسطاء الذين ظلوا أبطال قصائده الحقيقيين. ولذلك استحق عن جدارة لقب “شاعر نابولي”.
لقد تجاوز أثره حدود إيطاليا، فكانت نصوصه تتنقل بين اللغات، وتحضر في المهرجانات الدولية، وفي المختارات الشعرية، وعلى المنصات الرقمية، حتى وصفته الصحافة بأنه أكثر الشعراء الإيطاليين حضورًا على شبكة الإنترنت، دون أن يفقد دفء القصيدة الورقية أو صدق اللقاء المباشر مع جمهوره.
ومع رحيله، لا نودع شاعرًا فقط، بل نودع جيلًا آمن بأن الأدب قادر على مقاومة النسيان، وبأن الأغنية يمكن أن تحفظ تاريخ مدينة، وبأن القصيدة تستطيع أن تعبر الأزمنة كما يعبر البحر سفنه.
وداعًا يا لوتشيانو…
ستظل قصائدك تمشي في شوارع نابولي، وتطل من نوافذها القديمة، وترافق أمواج بحرها، وستبقى كلماتك شاهدة على أن الشعر الحقيقي لا يرحل مع صاحبه، بل يواصل الحياة في قلوب من أحبوه.
ليس من السهل أن يختزل شاعر حياته في قصيدة، لكن الأصعب أن تتحول حياته كلها إلى قصيدة مفتوحة. ذلك ما فعله لوتشيانو سوما، الذي غادر عالمنا تاركًا وراءه أكثر من سبعة عقود من الوفاء للشعر، وللأغنية، وللثقافة الإيطالية، وللمدن التي أحبها، وفي مقدمتها نابولي، التي منحته لقبها الأثير: “شاعر نابولي”.

وفي الساعات الأولى بعد رحيله، كانت الشاعرة والكاتبة الإيطالية جويا لوماستي تستعيد حضوره الإنساني قبل الأدبي. تحدثت عن الأرشيف الكبير الذي يجمعهما، وعن الكتاب المشترك، وعن رغبتها في العثور على النسخة الإلكترونية التي تضم أجمل قصائده، وكأنها كانت تدرك أن الشعر، في لحظات الوداع، يصبح الذاكرة الوحيدة القادرة على مقاومة الغياب.

لم يكن لوتشيانو سوما شاعرًا يكتب من أجل الجوائز، وإن كانت الجوائز قد جاءت إليه بالعشرات، كما مُنح الدكتوراه الفخرية في الآداب والفلسفة عام 1987، تقديرًا لعطائه الأدبي. غير أن القيمة الحقيقية لهذه المسيرة كانت في إخلاصه اليومي للكلمة، وفي إيمانه بأن الشعر عمل إنساني قبل أن يكون عملًا فنيًا.
بدأ سوما كتابة الشعر والأغنية وهو لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره. ومنذ ذلك الحين، ظل يكتب بلا انقطاع، حتى أصبحت حياته رحلة تمتد لأكثر من ستة عقود من الكلمات، والموسيقى، والذاكرة.
لقد تجاوز حضوره حدود إيطاليا، فدخلت قصائده مختارات أدبية ومدرسية، كما ضمته الأنطولوجيا الروسية المرموقة “ولدوا للحياة” الصادرة في موسكو، إلى جانب أسماء صنعت تاريخ الأدب الإيطالي، مثل سلفاتوري كوازيمودو وبيير باولو بازوليني وأومبرتو سابا وإدواردو دي فيليبو. ولم يكن ذلك مجرد تكريم، بل اعترافًا بأن شعره أصبح جزءًا من التراث الإنساني المشترك.
وكانت الأغنية وجهًا آخر من وجوه موهبته. فقد كتب كلمات مئات الأغنيات للنابوليين والإيطاليين، وتعاون مع موسيقيين ومطربين بارزين، لتصبح كلماته جزءًا من الذاكرة الموسيقية الإيطالية، تمامًا كما أصبحت قصائده جزءًا من الذاكرة الأدبية.
وتستعيد جويا لوماستي جانبًا آخر من شخصيته، حين تصفه بأنه لم يكن مجرد شاعر، بل مصدر إلهام لمشروعها الثقافي “واجهة المشاعر” (Vetrina delle Emozioni). ففي مقابلة أجرتها معه قبل أشهر قليلة من رحيله، بدا كما عرفه الجميع: شاعرًا يواصل “زرع الشعر” في الآخرين، بإيمان هادئ، وصدق نادر، وشغف لم تخمده السنوات.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن لوتشيانو سوما، أنه لم يبحث يومًا عن الأضواء، بل كان يبحث عن الإنسان. لذلك بقي قريبًا من القراء، ومن الشباب، ومن المبادرات الثقافية، ومن المشاريع التي تؤمن بأن الأدب رسالة تتجاوز حدود اللغة والجغرافيا.
لقد عرفته الثقافة الإيطالية شاعرًا، وعرفته الصحافة كاتبًا، وعرفته الموسيقى شاعر أغنية، لكن من عرفوه عن قرب يتحدثون أولًا عن الإنسان؛ الإنسان الذي ظل يؤمن بأن القصيدة يمكن أن تمنح العالم قليلًا من الجمال، وأن الكلمة الصادقة تستطيع أن تجمع البشر أكثر مما تفرقهم.
إن رحيل لوتشيانو سوما لا يعني نهاية حضوره، فالشعراء الحقيقيون لا يرحلون مع أجسادهم، بل يواصلون العيش في أصوات من يقرأونهم، وفي الأغنيات التي يرددها الناس، وفي المدن التي تحفظ أسماءهم كما تحفظ أسماء شوارعها القديمة.
في الكتاب الذي صدر هذا الاسبوع (رحالة الادب) كتب لوتشيانو سوما رسالة مؤثرة لي ضمتها صفحات الشهادات والرؤى النقدية وكأنه أراد أن يوقع باسمه باوتوجراف صديق بالطرف الآخر من المتوسط
وداعًا، يا شاعر نابولي…
لقد زرعت الشعر في القلوب، وسيظل حصادك الإنساني يزهر كلما فتح قارئ ديوانًا، أو أنشد مغنٍ أغنية من كلماتك، أو تذكر صديق ابتسامتك الهادئة وإيمانك الذي لا يتعب بقوة الكلمة.
رحم الله لوتشيانو سوما، الذي أثبت أن الشاعر الحقيقي لا يكتب القصائد فحسب، بل يكتب حياته كلها قصيدةً لا تنتهي.
رحم الله لوتشيانو سوما، شاعر نابولي، وجعل من كلماته نورًا لا ينطفئ في ذاكرة الأدب الإيطالي والعالمي.




