تقديرًا لإسهامها في الحوار الثقافي والفكري الدولي، تلقت فاطمة الزهراء حسن شهادة تقدير من الجمعية العالمية للشعوب (World Peoples Assembly)، تقديرًا لمشاركتها متحدثة في أعمال الجمعية العالمية العامة الثانية التي انعقدت في العاصمة الروسية موسكو يومي 18 و19 سبتمبر 2026، تحت عنوان «عالم جديد: قيم توحّدنا». وجاء التكريم تقديرًا لـ«المساهمة القيّمة» التي قدمتها فاطمة الزهراء حسن من خلال مشاركتها في جلسة الحوار بعنوان: «قيم ومبادئ البناء الإيجابي للحياة: تقاطع العوالم»

فاطمة الزهراء حسن
«السرد البصري بوصفه أداة لبناء الحياة: كيف تعيد حكايات الشاشة تشكيل الواقع»
مساء الخير، الزملاء والزميلات الأعزاء!
اسمي فاطمة الزهراء حسن، وأنا مخرجة تلفزيونية وكاتبة سيناريو من مصر. تتمثل مهنتي في رواية القصص من خلال أكثر الوسائط وضوحًا وقربًا من الجمهور، وفي الوقت نفسه أكثرها تأثيرًا: الصورة. واليوم أود أن أتحدث عن الكيفية التي تشكّل بها السينما والتلفزيون ليس فقط المعاني والتصورات الاجتماعية، بل أيضًا الاستراتيجيات الشخصية التي يبني بها كل مشاهد حياته.
نحن نعيش في عالم أصبحت فيه الشاشة نافذتنا الأساسية على الواقع. فبالنسبة إلى ملايين البشر حول العالم، يمثل التلفزيون والهاتف الذكي وشاشة السينما المصدر الأول، وغالبًا المصدر الأهم، لتكوين تصوراتهم عن كيفية سير الحياة: ما السلوكيات المقبولة؟ وما طبيعة العلاقات الممكنة؟ وماذا يعني «النجاح»؟ وما معنى «الحياة الكريمة»؟
ولا يقتصر ذلك على الأفلام الوثائقية، بل يشمل الأفلام الروائية والمسلسلات، بل وحتى مقاطع الفيديو القصيرة على وسائل التواصل الاجتماعي. فالسرد البصري يعمل بوصفه أداة شديدة القوة في تشكيل القيم ونماذج السلوك.

السياق العالمي: الشاشة مرآة وأداة للبناء
أصبحت الصناعة السمعية البصرية العالمية اليوم واحدة من أكثر القوى تأثيرًا في تشكيل الوعي الاجتماعي. ووفقًا لما تؤكده المؤسسات الثقافية الدولية، تظل السينما والتلفزيون من أهم قنوات نقل القيم الثقافية، ولا سيما في البلدان النامية التي لا يتساوى فيها الجميع في فرص الوصول إلى التعليم والموارد الثقافية.
وفي مصر، على سبيل المثال، حيث يمتلك الفن السينمائي تاريخًا يزيد على قرن من الزمان، وحيث تتجذر الصورة في عمق الثقافة الوطنية، تستطيع الحكاية المعروضة على الشاشة أن تطلق حوارًا وطنيًا واسعًا حول قضايا معقدة، مثل حقوق المرأة والفقر والهجرة والصحة النفسية.
لكن الشاشة لا تعكس الواقع فحسب، بل تسهم أيضًا في بنائه وإعادة تشكيله. فعندما يرى المشاهد، مرارًا وتكرارًا، النموذج نفسه للبطل أو الطريقة ذاتها لحل المشكلات، فقد يبدأ في التعامل معها بوصفها الخيارات الوحيدة الممكنة.
فإذا كان النجاح على الشاشة يبدو دائمًا في صورة الثروة والسلطة، فقد يستوعب المشاهد أن ذلك هو الطريق الوحيد للنجاح. وإذا كانت المرأة تظهر دائمًا ضحية أو منقذة، فقد تتحول هذه الصورة إلى نموذج اجتماعي راسخ.
أما حين يقدم السرد تنوعًا حقيقيًا في الشخصيات والمسارات والنهايات، فإنه يمنح المشاهد إمكانية الوصول إلى نطاق أوسع من استراتيجيات الحياة والاختيارات الممكنة.

الحكايات المحلية والمعاني الإنسانية العالمية
أحد أهم المبادئ التي أؤمن بها بوصفى مخرجة هو أن الحكاية المحلية يمكن أن تحمل معنى إنسانيًا عالميًا.
لسنا بحاجة إلى تقليد النماذج الهوليوودية أو الأوروبية لكي نتحدث عن قضايا يفهمها العالم كله.
فقصة امرأة مصرية تناضل من أجل حقها في التعليم، أو قصة صياد في قرية صغيرة يفقد قاربه بسبب أزمة بيئية، أو حكاية مراهق في القاهرة يحاول أن يجد مكانه بين التقاليد والحداثة؛ كلها قصص يمكن أن يفهمها الإنسان في أمريكا اللاتينية، وجنوب شرق آسيا، وأوروبا الشرقية.
وذلك لأن وراء كل سياق محلي أسئلة إنسانية كبرى: الكرامة، والحرية، والانتماء، والمسؤولية تجاه الآخرين.
وهنا يؤدي السينما الإقليمية دورًا خاصًا؛ فهي تمنح صوتًا لمن لا تصل أصواتهم عادة إلى التدفق الإعلامي العالمي.
فعندما نصنع قصة تدور في قرية محددة، وبلهجة محلية، وتحمل تفاصيل الحياة اليومية الخاصة بمكان بعينه، فإننا لا نضيق نطاق القصة، بل نجعلها أكثر حياة وصدقًا، وبالتالي أكثر قدرة على الوصول إلى الإنسان في أي مكان.
فالمشاهد في بلد آخر لا يرى «حكاية غريبة عنه»، بل قد يرى حكايته هو، وقد تُرجمت إلى لغة أخرى من لغات الواقع.
وهذا هو ما يمكن أن نسميه «التقاء العوالم»: حين يصبح الخاص عالميًا من خلال الصدق والدقة الإنسانية.
–
السرد البصري بوصفه نموذجًا لبناء الحياة
بوصفي مخرجة وكاتبة سيناريو، أرى أن الحكايات المعروضة على الشاشة تعمل على عدة مستويات ترتبط مباشرة بعملية بناء الإنسان لحياته:
أولًا: نماذج السلوك
المشاهد الذي يتابع بطلًا يمر بأزمة ويجد طريقًا للخروج منها، يحصل على ما يشبه «خريطة للطريق». ليست تعليمات جاهزة، بل مثالًا يقول له:
«لقد مر شخص ما بهذه التجربة واستطاع تجاوزها، وربما أستطيع أنا أيضًا.»
ثانيًا: اللغة العاطفية
كثيرًا ما يعجز الإنسان عن وصف حالته النفسية بالكلمات. وتمنحه الحكاية المرئية لغة لهذا الشعور؛ إذ يرى شخصية تمر بتجربة مشابهة، فيدرك:
«هذا هو اسم ما أشعر به، وهذا ما يحدث داخلي.»
ويكتسب ذلك أهمية خاصة في المجتمعات التي لا تزال فيها قضايا الصحة النفسية موضوعًا محاطًا بالصمت أو الوصم.
ثالثًا: إضفاء المشروعية على الاختيارات
عندما تظهر على الشاشة شخصية تتخذ قرارًا غير تقليدي، مثل ترك وظيفة ذات دخل مرتفع من أجل الأسرة، أو رفض زواج قائم على المصلحة، فإن ذلك يوسع لدى المشاهد مساحة التفكير في خياراته الشخصية.
وهذا ليس دعاية لسلوك معين، بل توسيع لفضاء الإمكانات.
رابعًا: التعاطف عبر المسافة
توفر الشاشة مسافة آمنة بين المشاهد والتجربة؛ إذ يستطيع أن يعيش تجربة الآخر دون أن يكون داخلها فعليًا.
وهذا يسمح له، بصورة رمزية، بأن «يتدرب» على الاستجابات العاطفية والاختيارات القيمية قبل أن يواجه مواقف مشابهة في الحياة الواقعية.
التطبيق العملي: كيف نستخدم السرد البصري في بناء حياتنا؟
أود أن أقترح عدة خطوات عملية يمكن تطبيقها في العمل المهني وفي الحياة الشخصية:
1. «سيناريو حياتك»
خذ ورقة واكتب سيناريو حياتك خلال العام المقبل. لا تكتب مجرد قائمة أهداف، بل اكتب سيناريو: كيف تبدأ القصة؟ ما الصراع الرئيسي؟ من الشخصيات التي ستظهر؟ أين ستكون نقطة التحول؟ وكيف يمكن أن تنتهي المرحلة؟
يساعدنا هذا التمرين على رؤية حياتنا لا بوصفها سلسلة من الالتزامات، بل باعتبارها قصة نملك فيها دورًا في التأليف وصناعة المسار.
2. «اللقطات البديلة»
عندما تجد نفسك تفكر: «كل شيء سيئ»، تخيل أنك مخرج وأن هذه مجرد لقطة واحدة.
ما اللقطات الأخرى التي يمكن تصويرها في الموقف نفسه؟ وما الذي بقي خارج إطار الصورة؟
يساعد هذا التمرين على الخروج من الرؤية الضيقة ورؤية الصورة الأوسع.
3. «اليوميات غير اللامعة في صور»
مرة كل أسبوع، التقط صورة أو سجل مقطع فيديو قصيرًا لا يوثق إنجازًا، بل لحظة من لحظات التأمل: ما الذي كان مهمًا؟ ماذا تعلمت؟ ماذا شعرت؟
بعد عدة أشهر، سيتشكل لديك سرد بصري لحياتك، لا يوضح فقط «ما الذي حدث»، بل يكشف أيضًا كيف تغيرت أنت.
4. المشاهدة النقدية
في كل مرة تشاهد فيها فيلمًا أو مسلسلًا، اسأل نفسك:
قصة من هذه؟
بأي صوت تُروى؟
ما وجهات النظر البديلة الغائبة؟
ماذا يقول لي هذا العمل عن الطريقة التي ينبغي أن أعيش بها؟
إن هذه الأسئلة تطور الوعي الإعلامي وتحمي الإنسان من التلقي السلبي لنماذج الحياة التي يقدمها الآخرون.

دور المخرجات النساء في تشكيل سرديات جديدة
بوصفي امرأة ومخرجة تعمل في منطقة ظل فيها الصوت النسائي في وسائل الإعلام محدودًا لفترات طويلة، فإنني أشعر بمسؤولية خاصة تجاه نوعية القصص التي نرويها، والأشخاص الذين نمنحهم حق روايتها.
فعندما تجلس امرأة على كرسي الإخراج، فإنها لا تضيف ببساطة «موضوعًا نسائيًا»، بل يمكن أن تغير زاوية الرؤية نفسها.
فما كان في الخلفية قد يصبح في مركز الصورة.
ولا يتعلق الأمر بقضايا النوع الاجتماعي وحدها، بل يشمل كل الأصوات التي جرى إسكاتها أو تهميشها: الأطفال، وكبار السن، والمهاجرين، وسكان المناطق البعيدة عن المراكز الرئيسية.
وفي كل مرة نعطي فيها الكاميرا لمن اعتاد المجتمع ألا يراه، فإننا نوسع مساحة بناء الحياة أمام الجميع.
لأن المجتمع الذي يمتلك عددًا أكبر من الحكايات المتنوعة هو مجتمع يمنح أفراده فرصًا أكبر لاكتشاف طريقهم الخاص، دون أن يشعروا بأنهم «خارج النموذج» أو «غير طبيعيين».
—
الخاتمة
إن السينما والتلفزيون ليسا مجرد وسيلتين للترفيه. إنهما من أقوى أدوات بناء المعاني والقيم في عالمنا المعاصر.
فالحكاية المعروضة على الشاشة تستطيع أن تمنح الإنسان لغة لتجربته، ونموذجًا لفهم أفعاله، والأهم من ذلك، أن تمنحه الشعور بأنه ليس وحيدًا.
وبوصفي مخرجة تلفزيونية، أؤمن بأن كل قصة نرويها هي فعل صغير من أفعال بناء الحياة؛ ليس فقط بالنسبة إلى الشخصية الموجودة على الشاشة، بل أيضًا بالنسبة إلى كل مشاهد يرى نفسه في هذه الشخصية.
وحين تجد الحكايات المحلية، التي تُروى بصدق ودقة، صداها لدى البشر في مختلف أنحاء العالم، ندرك أن العالمي لا يولد من محو الاختلافات، بل من احترامها.
وفي هذا التقاء العوالم والثقافات والأصوات وزوايا الرؤية، يولد شكل حقيقي من أشكال الاستدامة الإنسانية.
شكرًا جزيلًا لحسن استماعكم.

تقديرًا لإسهامها في الحوار الثقافي والفكري الدولي، تلقت فاطمة الزهراء حسن شهادة تقدير من الجمعية العالمية للشعوب (World Peoples Assembly)، تقديرًا لمشاركتها متحدثة في أعمال الجمعية العالمية العامة الثانية التي انعقدت في العاصمة الروسية موسكو يومي 18 و19 سبتمبر 2026، تحت عنوان «عالم جديد: قيم توحّدنا». وجاء التكريم تقديرًا لـ«المساهمة القيّمة» التي قدمتها فاطمة الزهراء حسن من خلال مشاركتها في جلسة الحوار بعنوان: «قيم ومبادئ البناء الإيجابي للحياة: تقاطع العوالم»



