متابعة: خالد سليمان
طريق الحرير اليوم ـ تونس
ـ الإبداع يقدر على ما لا تقدر عليه السياسة أو أي قوى أخرى، ومنذ زمن طويل والعلاقات بين تونس ومصر لم تنقطع أبدا، خاصة على الصعيد الفكري والعلمي والإبداعي.
لن أغوص في عصور قديمة تبدأ من زمن المصريين القدماء، ولا حتى منذ عهد القطب الصوفي العارف بالله سيدي “أبو الحسن الشاذلي”، ولا العلامة “ابن خلدون”.
ولكن في زمن معاصر قريب، استمرت هذه العلاقات مع تولي العلامة الشيخ محمد الخضر حسين منصب الإمام الأكبر، شيخ الجامع الأزهر، وهو أول شيخ غير مصري يتولى هذا المنصب منذ قرون، ربما منذ زمن سلطان العلماء الشيخ العز بن عبد السلام.
ـ تونس المحبة للفن والإبداع:
ولما عُرف عن شعب تونس من عشق للفن والإبداع، كانت الرحلات المستمرة لعميد المسرح العربي يوسف بك وهبي إلى تونس، مصطحبا فرقة رمسيس التي قدمت أعمالها على مسارح مختلف المدن التونسية.
ولا تنسى الذاكرة التونسية تأسيس الراحل العظيم زكي طليمات لفرقة بلدية تونس في الفترة ما بين 1954 و1957، وتقديمه خلال تلك الفترة سيدة المسرح التونسي منى نور الدين (الاسم الفني)، واسمها الحقيقي سعدية الوسلاتي.
وليس أدل على حفاوة أهل تونس بالفن والمبدعين من واقعة اصطحاب الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة، عند عودته إلى تونس، ملحنين مصريين هما السيد شطا والشيخ أمين حسنين، وعُيّن الأول في الإذاعة التونسية، وكان قد عرفهما خلال فترة إقامته في مصر.
ولا تنسى الذاكرة الفنية الاستقبال الرئاسي الذي حظيت به سيدة الغناء العربي كوكب الشرق أم كلثوم، حيث استقبلها على سلم الطائرة الزعيم الحبيب بورقيبة، ليستعرضا معا حرس الشرف في مطار تونس قرطاج، ثم اصطحبها في سيارة مكشوفة إلى محل إقامتها، وحضر شخصيا حفلها الذي أقيم في قبة المنزه.
وما زالت الذاكرة تحتفظ بحفاوة الاستقبال الذي حظي به العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ من أكبر فناني تونس، التي كانت تحتفي دائما بكافة فناني مصر، مثل: شهرزاد، ونجاة الصغيرة، ومحمد رشدي، ومحمد العزبي، وشفيق جلال، وليس انتهاء بمحمد الحلو، وعلي الحجار، وأنغام، وآمال ماهر، على سبيل المثال لا الحصر.
ـ وخلال تلك الفترة المعاصرة، لم ينقطع التبادل الفني والإبداعي بين مصر وتونس أبدا، حيث احتضنت مصر أسماء تونسية كبيرة، مثل الملحن والمطرب الكبير “محمد الجموسي”، الذي اشتهر في مصر باسم “محمد التونسي”، والفنانة “حسيبة رشدي” التي قدمت أعمالا سينمائية في مصر، واختارت اسما فنيا تيمنا بالفنانة المصرية الرائدة “فاطمة رشدي”، مرورا بالمطربة الكبيرة “علية”، و”لطيفة”، و”ذكرى محمد”، و”هند صبري”، و”درة زروق”، و”سناء يوسف”، و”عائشة بن أحمد”، إلخ.
ـ علاقات مصرية تونسية مميزة:
وقد شهدت العلاقات المصرية التونسية خلال الآونة الأخيرة تطورا إيجابيا ونشاطا ملحوظا، بفضل النشاط الكبير الذي بذله سعادة سفير مصر في تونس، باسم حسن، الذي لم يدخر جهدا في تنمية تلك العلاقات.
لكننا سنركز خلال هذه السطور على الجانب الإبداعي، حيث حرص سعادة سفير مصر على الاهتمام بإبراز خصوصية وتميز قوى مصر الناعمة، من خلال التنسيق مع وزارة الشؤون الثقافية التونسية، والتي لقي منها استجابة مقدرة ومشكورة، أسفرت عن تعاون كبير وعلاقات ثقافية وفنية مميزة جدا.
ـ مصر ضيف شرف أيام قرطاج السينمائية:
منذ فترة قصيرة، احتفت تونس بالمخرج الكبير يوسف شاهين، وكرمته من خلال عرض أعمال له، ومعرض صور لأفيشات أفلامه، ومحاضرات حول ما قدمه للسينما العربية.
وستشهد أيام قرطاج السينمائية في دورتها المقبلة لعام 2026 حلول السينما المصرية وصناعها ضيف شرف عليها.
لقاء قصير مع الفنانة آية دغنوج – طريق الحرير اليوم
في حضرة الموجي:
لعلنا ابتعدنا بالمقدمة الطويلة نسبيا عن حدث هام يعد تكريسا جديدا وهاما للعلاقات المصرية التونسية في مجال الفن والإبداع، لكنها كانت مقدمة ضرورية ولا بد منها.
فمنذ أشهر قليلة، احتفل “مهرجان دڨة الدولي” بالملحن الراحل العظيم “بليغ حمدي”، من خلال تعاون فني بين أوركسترا تونسي بقيادة المايسترو “محمد الأسود”، والمطربة المصرية “مروة ناجي”.
وكانت سهرة مميزة بفضل اختيار جمعية مهرجان دڨة الدولي، وبرعاية وزارة الثقافة التونسية، وبحضور السفير المصري.
لكن تونس التي تقدر الفن والإبداع على كافة الصعد الرسمية والخاصة، تقدم دائما للجمهور كل ما ينتمي إلى الفن الرفيع المميز. وبمبادرة من إحدى الجمعيات الخاصة التي تهتم بالصحة ورعاية الأمومة والطفولة في تونس، قررت الجمعية إقامة حفل ذي طابع خاص، تحتفي فيه بالملحن العملاق “محمد الموجي”، والذي اختارت لإحيائه الصوت التونسي القادر والمتميز للمطربة “آية دغنوج”، بصحبة الأوركسترا الذي يقوده المايسترو “محمد الأسود”.
ولست أدري من الذي اختار عنوانا للحفل هو “في حضرة الموجي”، لكنه عنوان يدل على التبجيل والحفاوة والاحترام لاسم هذا العملاق. لكن الأمر الأرجح أن نجمة الحفل “آية دغنوج” والمايسترو “محمد الأسود” هما صاحبا الاختيار الموفق للأغاني التي قدمت في الحفل من ألحان “محمد الموجي”.

كان متوقعا أن تبدأ “آية دغنوج” الحفل بأداء راقٍ لألحان قدمها “الموجي” لسيدة الغناء العربي “أم كلثوم”. وتميزت في أدائها، خاصة في أغنية “للصبر حدود”، والتي تحمل في طيات لحنها قدرة الملحن الشاب آنذاك “محمد الموجي”، الذي قدم لحنا في مقام “السيكا هزام”، وكأنه يقول للمخضرم العظيم “رياض السنباطي”: نحن هنا. فقد كان ذلك المقام الموسيقي هو نفس المقام الذي لحن منه “السنباطي” رائعته “الأطلال”.
ثم قدمت نجمة الحفل أداء جميلا لألحان الموجي للعندليب الأسمر “عبد الحليم حافظ”، ثم تجلى حسن اختيار الأغاني حين شدت “آية” بأغنية “يا تمر حنة” لأحد أعذب الأصوات في تاريخ الموسيقى العربية، “فايزة أحمد”.
وكان جميلا أن ترافق الأغاني المقدمة في الحفل من ألحان “الموجي” أسماء مؤلفي تلك الأغاني، وهو ما تتجاهله معظم وسائل الإعلام والحفلات حاليا. ومن كلمات “جليل البنداري”، ولحن “الموجي” في مقام “الحجاز” في أغنية “يا تمر حنة”، عاد بنا المايسترو ونجمة الحفل إلى مقام “الهزام” في العمل الخالد للموجي وفايزة أحمد، من كلمات العظيم مرسي جميل عزيز، وأغنية “ياما القمر عالباب”.
وفي رحلة النغم، ومع ألحان “محمد الموجي” وكلمات عبد الرحمن الأبنودي، وبأداء جميل من “آية دغنوج”، ذكّرنا برقة وإحساس “نجاة الصغيرة” المرهف. استمعنا، في مقام “البياتي” البهيج الراقص، إلى أغنية “عيون القلب”.
وفي لفتة جميلة تليق بفنانة من طراز أصيل ورقيق مثل نجمة الحفل “آية دغنوج”، قدمت بأريحية وكرم زميلها المطرب الشاب الواعد “حمزة الفضلاوي”، الذي قدم لنا أغنية “جبار” لعبد الحليم حافظ، التي لحنها “الموجي” في مقام “الكرد”، لحنا مركبا ليس بالسهل، وكان أداء “الفضلاوي” جيدا، فحظي بتقدير كبير من الجمهور.
ـ
وكان مسك الختام “دويتو” بديع قدمته نجمة الحفل “آية دغنوج” مع زميلها “حمزة الفضلاوي”، لأغنية “أما براوة” للعملاقين الكبيرين “مرسي جميل عزيز ومحمد الموجي”. وهو عمل خالد قدمه “الموجي العظيم” في مقام “كرد الري”، بمصاحبة إيقاع “الفوكس تروت” الراقص البهيج، الذي ازداد بهجة على بهجة بتفاعل غير عادي من الجمهور، الذي استمتع بسهرة لا تُنسى في “حضرة الموجي”
الصور وفيديو الدويتو للزميل المصور : حسان فرحات
***

وكان مسك الختام “دويتو” بديع قدمته نجمة الحفل “آية دغنوج” مع زميلها “حمزة الفضلاوي”، لأغنية “أما براوة” للعملاقين الكبيرين “مرسي جميل عزيز ومحمد الموجي”. وهو عمل خالد قدمه “الموجي العظيم” في مقام “كرد الري”، بمصاحبة إيقاع “الفوكس تروت” الراقص البهيج، الذي ازداد بهجة على بهجة بتفاعل غير عادي من الجمهور، الذي استمتع بسهرة لا تُنسى في “حضرة الموجي”

