جاليريشخصيات

الكل في واحد

بقلم أسامة كمال أبو زيد

أسامة كمال أبو زيد

لم أكن من حوارييه، ولم أجلس في حضرته إلا قليلًا، لكنني كنت كلما لمحته أحسست أنني أمام مصر أخرى، مصر تخرج من بين أصابع البحر ورائحة الملح وأغنية الفجر. كان عرنوس يشبه الموجة التي لا تهدأ، تعرف طريقها إلى الشاطئ مهما عصفت الرياح. رجل حوّل وجع الهزيمة إلى وقود للحياة، وحمل على كتفيه بقايا الروح التي تكسّرت بعد النكسة، ونفخ فيها حتى اشتعلت من جديد.

كان المسرح عنده مثل فناء الدار: يفتح بابه للناس جميعًا. لا جدار بين الممثل والجمهور، ولا خشبة تعلو على الأرض. قدّم مسرح الشارع، ومسرح المقهى، ومسرح العربة، ومسرح الصيادين، ومسرح البواخر. حيثما وُجد الناس، وجد عرنوس، وكأن فنه صلاة جماعية لا تعرف الحواجز.
ترك مقعد المدرس الإلزامي في مدرسة الفاتح الابتدائية ببورسعيد، وحمل روحه إلى القاهرة بعد أن عصفت به رياح 67. هناك أسس شباب البحر وولاد الأرض، يلمّ شتات الموجة التي ضاعت، يستحضر نوارس مدينته من غيوم الغربة، وينثرها فوق الرؤوس.
أكثر من مئتي أغنية وطنية وشعبية غنّاها على أوتار السمسية الخمس، تلك الآلة التي كانت في يديه سيفًا من ألحان، يواجه به العساكر الثقيلة التي دنست أرض سيناء. كان الغناء عنده معركة وحبًا في آن واحد، رصاصة ووردة، حياة وأمل. لم يكن بين المغني و المسرحي أي فاصل، فكلاهما يعرف البوصلة التي لا تشير إلا إلى الوطن، ولا تتوقف إلا عند قلب الناس.
وكانت لحظة اكتماله، لحظة الكل في واحد، يوم ودّع جمال عبد الناصر. وقف وسط الناس، يغني معهم ولهم، كأن الحزن جسر والدمع ماءه:

> الوداع يا جمال يا حبيب الملايين… الوداع
ثورتك ثورة كفاح عشتها طول السنين… الوداع
أنت عايش في قلوبنا يا جمال الملايين… الوداع
أنت ثورة، أنت جمرة لجل كل الشقيانين… الوداع
أنت نوارة بلدنا وإحنا لوعنا الحنين… الوداع

في تلك اللحظة، لم يكن يغني لزعيم رحل، بل يوقظ الروح التي حاولوا إخمادها. صار البدر كاملًا في ميعاده، وصار الناس والمسرح والمغني والوطن، جميعهم، شيئًا واحدًا.
وبغيابه، اكتشفنا أن الفن الشعبي ليس مهنة، ولا مجرد اختيار، بل زمن تتوحد فيه القلوب على لحن واحد، كما تتوحد أمواج البحر في عناق الشاطئ.

مهداه: إلى الفنان عبد الرحمن عرنوس ) ١٩٣٤ – 2009 )

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى