
زعيم الأمة
الرئيس الشهيد ياسر عرفات
في رحلة الثقافة والكلمة الحرة
ترسم المواقف تاريخًا خاصًا وغير عادي لزعيم الأمة،
ونحتار كيف نستطيع أن نلخّصه بكثافة في صفحاتٍ قصيرة،
فهو فيض لا يتوقف، يتداخل فيه النص الفكري والسياسي والثقافي في لغةٍ خاصة،
ليرسم شجرة حلمٍ وثقافةٍ باسقة تغمر الفضاء الرحب.
والوقوف عندها يحملنا إلى آفاقٍ مشرّفة تتداخل فيها شعلة الكفاح والثورة والسلاح،
وترسم إبداعات الكلمة الملتزمة وحضور المثقف الثوري في شخصية الزعيم،
وهو يقدّس الكلمة ويُعزّز أصحابها من كُتّاب الثورة الذين شكّلوا علاماتٍ فارقة في تاريخنا النضالي.
هو من أعلن في أول خطابٍ له في الأمم المتحدة عن اندماج الكاتب الثائر والكلمة المقاتلة في أعماق بنية الثورة.
وهو الذي خطّط وشجّع على تأسيس اتحاد الكتّاب وعراقته المعرفية وريادته الثائرة في نبض الثورة،
وهو الذي قرّر تأسيس مركز الدراسات الفلسطينية ليكون رافعة فكرية وسياسية وثقافية للنضال بالكلمة،
لإدراكه العميق قيمة الكلمة الحرة.
وهو الذي قرأ واطّلع على إبداعات الأدب المقاوم، الذي شكّل مدرسة فكرية إبداعية يُحتذى بها،
وهو الذي منح المبدعين مساحاتٍ خاصة قد لا يجدونها في دولٍ أخرى.
كيف لا، وهو من قدّر وأجَلَّ الشاعر الكبير المتفرّد محمود درويش،
وقلّده أعلى المراتب ومنحه المساحة المطلقة للانطلاق.
كما أسّس جائزة فلسطين للمبدعين، وكان دائم الحضور في حفلات الاحتفاء بها.
وفي إحدى كلماته أثناء حفلٍ لتسليم الجائزة،
وكان الشاعر سميح القاسم وعدد من القامات الفكرية حاضرين،
قال الزعيم في ختام كلمته:
“إنني أترك لكم المساحة لانتقادي إذا وجدتم ما لا يكون على إيقاع النص… هذا مسدسي، أطلقوا النار عليّ.”
وقد كان مع الخطوات التفصيلية لتأسيس اتحاد الكتّاب والصحفيين الفلسطينيين،
ثم تأسيس الفرع الأساسي في الأرض المحتلة،
وكنا على تواصلٍ دائمٍ معه من القدس في كل الخطوات التي نسير بها.
كما تابع تأسيس رابطة القلم بكل تفاصيلها،
إذ لم يكن العبور إلى هذه المؤسسة أمرًا سهلاً، ولم يكن هناك حضور عربي فيها.
وحين أعلمته ببدء التأسيس، كان يجلس مع القائد أبو جهاد،
فقال لي أبو جهاد: “هذه مهمة شاقة”،
ثم تابع أبو عمار قائلاً: “بتقدري؟”،
فقلت: “سأحاول”.
وحقيقةً، كانت معركة صعبة، لكننا اخترقنا جميع الصعوبات،
وأصبحت رابطة القلم الفلسطيني فرعًا رسميًا تحت اسم “فلسطين”،
ولنا حضورٌ مميز فيها.
وقد رعى السيد الرئيس جميع فعالياتها ومهرجاناتها الدولية،
وكان يستقبل الضيوف الكتّاب بكل محبة، وتكون كلمته دائمًا افتتاحية في كل مؤتمر.
وفي أكثر من رسالة تقدير، منح الرئيس الرابطة الثناء لأدائها العالي والمميز.
إضافةً إلى السبع مهرجانات التي عقدتها الرابطة،
قمنا – وبالتعاون مع جامعة مورثيا، وهي من أعرق الجامعات الإسبانية –
بمنح السيد الرئيس الدكتوراه الفخرية تقديرًا لشخصيته المميزة.
وكان الحفل معدًا لاستقباله في مدينة مورثيا، وخرجت الجماهير لاستقباله،
لكنه كان حينها محاصرًا، ولم يتمكن من السفر لاستلام الدكتوراه في الحفل المهيب.
ثم عُيّن موعدٌ في الخامس عشر من شهر نوفمبر لتحضر رئاسة الجامعة إلى فلسطين وتقلّده الشهادة،
ولكن القدر كان أقوى منا، ولم تتم هذه الفعالية.
وقد أعدّ البروفيسور بارثيا، رئيس الجامعة، كلمةً تاريخيةً هامة،
قدّم فيها الرئيس ياسر عرفات رسولًا للحرية وصانعًا لمدرسة سلامٍ نوعية،
وأكد أن درب السلام – سلام الشجعان – الذي صاغه،
احتوى على دبلوماسيةٍ سياسيةٍ هي الأرقى،
واستعرض أهم المواقف العظمى التي وقفها الزعيم.
وأتمنى على تلفزيون فلسطين وجميع المحطات أن تنقل هذه الكلمة،
لما فيها من عمقٍ معرفي وكلماتٍ تليق بالزعيم عرفات.
هذا فيضٌ من نهر عطائه، وتميّز علاقاته الفلسطينية والعربية والعالمية مع الثائرين،
أمثال جيفارا، وكاسترو، وتشافيز، الذي قال لي عندما قابلته:
“إنني أعتبر أبو عمار قائدي ومثلي الأعلى، وأنا أسير على نهجه.”
ثم قدّم لي مقدمة كتاب يوميات الحصار بكلماتٍ تليق بـ”أبو عمار”.
وأبو عمار، الذي كان يفتتح خطابه بنداء أبناء شعبه قائلاً:
“يا أهلي، يا شعبي، يا ربعي…”
لم يتوقف يومًا عن زيارة المدن الفلسطينية والمخيمات،
وعن عيادة الجرحى في المستشفيات وعائلات الشهداء.
كان رجل المقاومة بكل معايير شموليتها،
وداعمًا للمرأة الفلسطينية، وخاصة الكاتبة، ومنحها كل الفرص الممكنة.
أذكر أننا كنا في السيارة خارجين من المقاطعة،
وكان الحرس الخاص حريصًا على أن نعبر المكان بسرعة،
لكن أبو عمار التفت فرأى امرأةً مسنّة أمام مكتب مساعدات الرئاسة،
فأوقف الموكب فورًا، ونزل إليها، وعانقها، وصرف لها مبلغًا من المال…
هذا هو أبو عمار، زعيم الأمة.
خلال الحصار، عُقدت لأجله عدة مهرجانات تضامنية في العالم،
وطلبت إذاعة صوت العرب مخاطبة الرئيس من خلف جدران الحصار.
وأعددت الترتيبات في القاهرة، وخاطب رئيس صوت العرب الرئيس،
وطرح عليه عدة أسئلة سياسية هامة،
فأجاب أبو عمار بروحٍ خاصة وإجاباتٍ لا يستطيع مفكر أن يصوغ مثلها.
وفي نهاية الحوار، قال له المذيع:
“حقيقةً يا أبا عمار، نحن المحاصرون، ولست أنت.”
وقد خصّ مدينة القدس بالرعاية والاهتمام الخاص،
ولم يرفض يومًا أي طلبٍ لأهلها مهما كان.
لقد كانت القدس – بأشخاصها ومفكريها – خطًا أحمر.
وكان يوجّه اهتمامًا خاصًا إلى أهلنا في فلسطين التاريخية،
ويوصيني عليهم دائمًا،
ويستقبل الأدباء والسياسيين بكل حبّ.
أذكر أن الشاعر توفيق زيّاد كان عند الرئيس في أريحا،
جلسنا وتحدثنا، ثم ودّع الرئيس وغادر،
وبعد نصف ساعة وصلنا خبر وفاته.
وما أودّ قوله:
إننا ككتّاب ومفكرين وجميع قطاعات الشعب لم نقم بواجبنا تجاهه كما ينبغي،
فحين حوصِر الرئيس، وحين وُضع له السم،
كان الصمت هو الكلام،
ولم نكسر جدران الحصار،
ولم نثر ثورة الشعب الحقيقية ببعدها الشمولي.
اكتفينا بالخطابات الرنانة والتجمعات غير الكافية،
ولا زلنا حتى هذه اللحظات نرقب نتائج التحقيق التي لم تتحقق بعد.
وأخيرًا، أمام هذه القامة، وأمام هذا الرجل العظيم،
توهّجت الأقلام الحرة في كل مكان،
ونبض أحرار العالم باسمه.
ولكنني أستغرب أنه حتى هذه اللحظات لم يُنشر عملٌ إبداعي بلغة السمو يليق به،
كما أنه معجزة إنسانية خالدة يجب تقديمها للأجيال.
ولا أرى – حتى هذه اللحظة – فيلمًا جادًا يحكي عن هذه الشخصية،
أو عن شخصياتٍ أخرى مثل القائد أبو جهاد وغسان كنفاني وآخرين.
وبلغةٍ أخرى،
الثورة الفلسطينية برجالاتها وتضحياتها فعلٌ أسطوري يستحق التسطير،
وأتمنى على الإعلاميين ومخرجي الوثائقيات والأفلام في العالم
أن يتبنّوا هذه الفكرة ويُنجزوا عملاً يليق بالرئيس وبشعبنا.
واختتم بهذه المقطوعة من كتابي ذاكرة الترف النرجسي:
ودّعت الرئيس، وودّعت المرحلة بلحظ واقعها ونبضها وتجليات شخوصها وبحور عطائها وثورة البركان،
وأنا لا أزال أعيشها حتى هذه اللحظات،
كأن الزمن توقّف هناك، ووقفت معه.
أودعتها في قلبي، وفي ذهني، وفي قلمي،
وعلّقتها على أغصان غصين شجرة الخلود.
وداعًا يا فارس فلسطين، وداعًا… وداعًا… وداعًا.
ودّعت الرئيس، وودّعت المرحلة بلحظ واقعها ونبضها وتجليات شخوصها وبحور عطائها وثورة البركان،


