ليسَ كمثلِها (خَانجُو)!

قصة كتبها المصري: أحمد فاروق بيضون 

   لا بَأسفالقمّة السامقَة لا تبدو إلاَّ لبصير والطريق لا ينطوي إلا لمن أقدم على المسير؛ حكمة بليغة تناولتها آثرة السلف من الجدود العظماء بين أخاديد الدهر البائدة، لربما مازالت تلك المدينة (هانغشتو) تعبشُ في ذاكرة أحلامي الوردية منذ نعومة أظفاري، مازالت حضارة الأربعة آلاف وسبعمائة عام بعبقها تعبئ الأجواء، ها هنا حيث كان المهاد في باكورة الستينيات من القرن الماضي لمّا انبرَت أحايين البراءات وطفولة عابثة بلغةالماندرين، ربما سمع الكثيرون عن ضَيعتي كما سمعوا عن بكين فلا ضرورة للقدوم لرؤيتها كما قيل في الأثر الصينيّ قديماً؛ بيدَ أن بعض الأصدقاء العرب في أقاصي الأرض ذكروا بأن لديهم رحالة منذ العهود الأزلية يُدعى (ابن بطوطة) نبش جدران حضارتها بوطء أقدامه ليطلق عليها  اسم (خانجو) أو مدينة الخنساء، أيما وصفٍ يتراءى لي بأنها أمُّ الأساطير والأمجاد والإلهام، هائنذا أخبركم بأنها كانت مصدر سعادتي ووليمتي المفضلة لأجوبَ خُوانها بعد طعام شهي تعدُّه والدتي الطيِّبة، حسناًأعتقد بأنني اجتزتُ أماراتِ الهلع اللغويّ الذي ينتابني من صراع الحضارات، سأقفز إلى تلك اللغة الأكثر شيوعاً في العالم بأسره، كم أنا تواقٌ لتعلمها مهما بانت الصعاب، طالما أنا قيد هذه الحياة الشاقة المريرة الملأى بغصة الفاقة وضيق الحال.. لزاماً عليَّ أن أصير شيئاً ما وإلا فسأبقى في حانوتي أتصومع من بعض الأعمال اليدوية والتجارات الزهيدة للبضائع المزجاة، لا غرو بأنني أؤمن بأنني أستطيع، هذه الحياة تنحسر بين شيئين لا ثالث لهما: ماذا لو؟ أيا ليتَني!!

 أنتوي الآن أن أربأ بنفسي عله نزعة الإخفاق المزمنة التي تسيطرُ عليّ، لقد رسبتُ في امتحان الانجليزية بالكلية ثلاثاً، لابدّ أنها الفرصة الأخيرة للحاق بالمُعلِّمين وقد بغلت العام الألف وتسمعمائة وثمانية وثمانين، ياله من حلم قاب قوسين أو أدنى أن يصبح حقيقة بلا مراء، من المؤكد أنني لن أسمع تارة أخرى كلمة (فاشل)، هاقد حانت اللحظة لتنبو شمس بلاد الأحلام والحرية، سآتيك قريباً وأعلنُ أمام مرأى الجميع بأنني الأمهر والأفضل على الإطلاق، يا سماواتي اسمعي! سأنتهبُ الخطى الوثابة لأكون معلما قديراً ومترجماً محنكاً أتقن اللغات، افتحي أبوابك الموصدة من أجلي كي أمُرّ!

يا لتعاسة الأقدار! لم تكن اللغة وحدها هي الانعتاقة من ناموس بيدرٍ يسكنُ نُعاسي، لابدّ أن أصنع شيئا ما وأنظر إلى الجزء الفارغ من الكَوب قبل أن يسرقني الزمن وتناطحني أشجار الخريف لتنفض أوراقي وأنعي الذبول قبل رضاب، إنه الوقت المناسب وتحيُّن الفرص المواتية لأصنع الأمل، أتعجبُ من ذاك الحاسوب الذي شق الحدود الجغرافية الزمانية والمكانية لنرى الآخر، أستطيع الحديث إلى أناسيّ من الأقطار المختلفة وأتحاور معهم في كل شيء بالإنجليزية، بلْبتُّ على دراية باللغات الأخرى، عجباًلقد امتهنت أكثر من ثلاثين وظيفة ولم أصل بعدُ لغايتي المنشودة، لماذا أرى نفسي بطلاً خارقاً للعادة! ربما أتمتع بحظٍّ من اللياقة واللباقة والذكاء الاجتماعي والوجداني! ريثما أمتلك كل مهارات الذكاء لغاردينر! هَب أنني مازلتُ في غيي وأرتجي فضاءاتٍ أوسع، إنه عصر العولمة والانترنت!! رباه أعنِّي!

حميمية تلك النوافذ التجارية في هذا العالم المواز تجذبني باشتهاء، أعتقدُ بأنني في أوُجّ نشاطي، سأنشئ موقعا تجريبياً وأسميه (الصفحات الصفراء)، لا ضيْرَمن مسماها الذي يشوبه بعض اللغط، لكنه تحوي كل ما لذ وطاب ووثيق الصلة بالحياة اليومية لبني البشر، هكذا كانت البداية!

لن تؤلمني حِفنة الأموال الضئيلة التي أربحها من تلك المعاملات السيبرانية الإليكترونية شهرياً، على الأقل أستطيع أن أسد حاجيات أسرتي وأكفّي سقوف مطالبهم، الأهمّ أنني أستمتع بتلك الحوسبة وأريد أن أستغل كل فَنية من الوقت ليصل الجميع حدّ الاندهاش مما سأفعله، إنني أسهل على الآدميين أمورهم من التبضع ومناهل التعلم والتجارة والصناعة، إنني أساهم في صناعة المستقبل وعلى مشارف النجاح، لكنني أتذكر دوماً بأن بلوغ القمّة يسير ولكنّ الحفاظ عليها أمراً عصيباً، أشكُر ذاك الحدسُ الذي عضّد وتفرَّس عشقي للإنجليزية لأنها أصبحت العلامة الفارقة بالنسبة لي ومكنتني من أدوات الإبداع؛ هاقد أتانا (علي بابا) وانتصر على الأربعين لصاً في حدوته المؤسطرة التي تعلمناها، لقد أصبح موقعي الإلكتروني الجديد بعدما شريتُ خادم الانترنت بستين ألفاً من الدولارات موسوماً بعَلي بَابَاسنشعل زمام المبادرة بتقسيم الأولويات المساعدة لجماهير المستهلكين من البطحاء قاطبة.

مازالت (خَانجو) تعرش في ذكريات تليدة حتى ولو بلغت الجنة الموعودة، ولكنني على مقربة من إنجاز تاريخي غير مسبوق، لقد حققت ما أرمي إليه وبلغت عنان سماوات سور الصين العظيم كأعتى الرجال عبر أثير التواصل الشبكي، لقد أصبح الجميع يعيشون في قرية صغيرة، يستحقون منافذي الموازية الجديدة التي ستجيئهم برغباتهم؛ هاكُم (تاو باو) و ذاك (تي مول) للتسوق والشراء، وأعتقد بأنه من الأحرى ابتكار (علي بابا كلاود) لمساعدتها في إعدادات تطبيقات الهواتف الجوالة والكمبيوترات، بيدَ أن تجار التجزئة والجملة لديهم نصيب من خلال (علي إكسبريس)، تبًا للسوق السوداء والاحتكار، فقطتكتبون في شريط العنوان كلمة (علي بابا) وستطرقون أبواب الكنوز لتلوسوا حلاوة بضاعتنا الاستثنائية، مرحباً بعصر الذكاء الاصطناعي؛ أيها المساعد الشخصي الذكي (جيني) لديكَ نصيب الأسد كمحرك بحث عبر مستودعات علي بابا

الآنما عساني إلا أن أقول بأن ذاك الصبي الطائش الذي خبَت قدراته الظاهرية كان يمتلك في حشاشِه بطلاً هائلاً تتعاظم ملكاته الخارقه حتى أصبحرجل الأعمال الصيني (جاك ما)، الثراء وقيمة النقود تفنى بالنسبة لي؛ لكنَّ قصتي المُلهمة ستُذكرها سجلات التاريخ بحروف ماسية.

تمَّت،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

Related Posts

ACADEMIA DEL REINO DE MARRUECOS: Creación en Rabat de la Casa de los Mundos del Libro

Dar Awalem Al Kitab en Rabat En el marco de la visión real que sitúa la cultura en el centro del desarrollo del Reino, la Fundación de la Academia del…

Académie Royale du Maroc: Création à Rabat de la Maison des Mondes du Livre

Dar Awalem Al Kitab à Rabat Dans le cadre de la vision royale plaçant la culture au cœur du développement du Royaume, la Fondation de l’Académie du Royaume du Maroc…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *