بين وَمضات الرُّوح ووجع المكان

قراءة في ديوان «نَثَراتٌ من نُور» للأديبة منى قَيس زيدان

غريد الشيخ. لبنان

بقلم: غريد الشيخ

 

ديوان “نَثَراتٌ من نُور” للأديبة منى قيس زيدان، صدر عن دار النّخبة للتّأليف والتّرجمة والنّشر في بيروت بطبعته الأولى عام 2026، في 224 صفحة من الحجم المتوسّط.

 

يفتح الدّيوان أبوابه على تقديم بقلم الدّكتور شحادة الخطيب، ليُشكّلَ العَتبةَ الأُولى الّتي تدخل بالقارئ إلى عوالم النّصوص، ممهّدًا لرؤية نقديّة تُثني على التَّناغم الفَريد بين رقّة المشاعر وعفّة العبارات.

تعدّدية الأجناس:

حين تتأمّل القارئ عنوان الدّيوان “نَثَراتٌ من نُور”، تُدرك منذ اللّحظة الأولى أنّه أمام نصوص لا تخضع لصرامة القوالب الكلاسيكيّة الموحَّدة، ولا تتقيّد بقافية العروض التَّقليديّ أو سرديّة الرّواية الطويلة؛ إنّها “نثرات” حقًّا؛ حبّاتٌ مُتناثرة بعناية من دُرَرِ الفِكرِ، وخُلاصات شُعوريّة تُدَوِّنُها الكاتبة وهي تقفُ على حافةِ التّأمّل اليوميّ.

تتنقَّل بين النّصوص بِمُرونةٍ مُحَبَّبة بين الخاطرة الوجدانيّة، والتّأمّل الفلسفيّ الهادئ، والبَوح الذّاتيّ، فضلًا عن الحضور الطّاغي للهمِّ الوَطنيّ والقَوميّ الّذي يطبعُ العملَ بِمَسحةٍ مِن الشَّجَن على أوجاع الوطن والكرامة.

 

الذَّات في مرآة الوجود والصَّمت:

تعملُ الكاتبة في مساحات واسعة من الكتاب على تفكيك الدّاخل الإنسانيّ، فالنّصوص هنا لا تبحث عن تعقيدات فلسفيّة مُبْهَمَة، بل تغوصُ في البسيط العاديّ لترفعَه إلى مصافّ الدَّهشة. تقف الشّاعرة طويلًا أمام مفاهيم الذَّاكرة، وأسرار الصَّمت، وعلاقة الإنسان بالكَون وخالقه، تقول في إحدى ومضاتها معبّرة عن هذه الحالة من الصّفاء الدّاخليّ والتَّأمّل الهادئ، تقول في نص بعنوان (رحلة بحث):

(ما زالت أجزاء منّي في رحلةِ تَسابُقٍ وبَحث… ومعرفة… وتساؤل…
لا أبحث عمّا يبحثون…
ربّما هذا الكون مَن يبحثُ عمّا نكون… ونحن كحلقة حلزونيّة في دائرة المرور.
لا أستطيعُ إخبارَ نفسي بشيء من الظّنون… هذا الكون الغامض قد يمنحُنا بعض النّقاط وبعض الحروف…
وما زلتُ أُغَرِّدُ خارج سِربي عند منحدر الصّعود…
هناك سفر! وما مِن سفرٍ سوى ذبذبات ضبابيّة بين العصور… ما زلت بيقظة لحظات الجنون…
أقول ولا أقول…
رسالات تنتظر وقد لا تصل
حيث يجب أن تكون…
تلك الرّوح…)
يَتَّسمُ هذا النَّصّ بصدقٍ إنسانيّ مُطلق، تبتعد فيه الكاتبة عن تقمّص أدوار المِثاليّين، لتعلنَ أنها ما زالت تغرّد خارج السرب.

وفي قصيدة “بشائر إلهية” نجد الطُّمأنينة الّتي تعيشها لأنّ بشائر الله لا تغيب فهي تُربّت على أرواحنا المُتْعَبة:
(لمسة خفيّة…
تحملُ طُمَأنِينَةً تُشْعَرُ، ولا تُقال،
تُرَبِّتُ على أرواحِنا المُتْعَبة،
وتدلُّنا أنّ في العُلُوِّ رحمة،
وفي الغَيمِ حكمة،
وأنَّ بشائرَ الله لا تغيب،
حين تضيعُ خطواتنا)

وهنا نراها تُصلّي للنور وتبتهل للسلام وتغني للحرية وتفرح:
(ما زلت أصلّي للنُّور…
أبتهلُ للسَّلام…
وأَقَدِّرُ الحرّية…
ما زلتُ أغنّي وأغنّي…
عدتُ أفرح…
بحزني الدّفين…
عدتُ أرقص…
للأرز الأخضر…
وبحروفي للياسمين…
عادت أناشيد الحريّة…
عادت روحي تسمو وتسرح…)
تكلمت منى قيس في كتابها عن ضعف الإنسان، وقيمة العمل الشَّريف، والرّضا بالقليل، وقبول النقد بصدر رحب، ومصارحة القارئ بتناقضات النّفس البشريّة بلا تصنّع أو ادّعاء.

نبض الوطن.. جراح بيروت وأمل التَّجدد:

لا تستطيع الكاتبة، وهي ابنة لبنان، أن تنفصل عن واقعها العربيّ المأزوم، يحضر “الوطن” كلّه (لبنان، بيروت، وفلسطين) كخيطٍ ناظم يشدّ أجزاء الدّيوان بعضها إلى بعض. تتناول الشاعرة وجع الحروب والنزاعات لا بمنطق الخطابة الحماسيّة المباشرة التي تقتل الشّعور، بل عبر استنطاق مشاعر الصّمود الإنسانيّ اليومي. بيروت هنا ليست مجرّد جغرافيا عابرة، بل هي الرَّمز الحيّ الذي ينهض دائمًا من تحت رماد الأزمات ليثبت استمرارية الحياة.

تقول في قصيدة “يا بَحر”:

(يا بحرَ الأسرار
أنت تعرفُ كلَّ الحكايا والقِصَصِ والأخبار
أَخْبِرْني عن تلك الجميلة… أخبرني عن بيروت…
وكلّ الهمسات
وهل أهديتَها اللّؤلؤَ والمَرْجان؟
أخبِرْني عنها… عن لوعةِ العُشّاق
أخبرْني عن بيروتَ وعن الآهات
أخبرني عن بيروتَ الجريحة وكيف تنهضُ من مآسيها
أخبرني عن عدد أثوابها وعُطورِها… عن زِينتِها
أخبرني عن كُتُبِها… أوراقِها وشُموعِها
عن انتمائِها وشُموخِها
وعن سُجُودِها السَّرْمَديِّ
كيف هي! ومَن هي! ولماذا هي!)

لغة توازن بين رقّة الفصحى وعفويّة المَحْكيّة:

على الصّعيد الأسلوبيّ، تتميّز لغة الديوان بسلاسةٍ لافتة وابتعاد مقصود عن التّعقيد اللَّفظي والإنشاء الجاف، مما يعكس تمكّنًا لُغَويًّا وخبرة واسعة تمتلكُها الكاتبة نّفس البشرية، وقراءاتها المتعددة الموضوعات.

ولكن الملفت نقديًّا هو تلك الجرأة الأسلوبية في الانفتاح أحياناً على التعبير باللّهجة المحكية (العامية اللبنانية المعاصرة) في بعض المحطّات التعبيريّة؛ وهو خيار فني تلجأ إليه الكاتبة لتقريب المسافة الوجدانية مع القارئ، وكسر رتابة الفُصحى المطلقة في المواقف التي تتطلّب عفويّة مفرطة ودفئًا حياتيًّا مباشرًا.

تقول في قصيدة “تعي معي…”:
(تَعِي تا نروح…
محلّ ما بتردّ الرّوح…
ونبقى هَوْنيك محلّ بعيد… بعيد…
وننسى كلّ الجروح…
وننسى كلّ يلّي مَرّ وبِمِرّ، وبالأمل نعيش…
ونصفا… ونسما… وعن الأرض نرتفع ونطير…
هَونيك محلّ حلو… حلو كتير…
هَونيك انت… مش انت…
ويمكن انت… انت…
روح… روح...)

أخيرًا… يُقدم ديوان “نَثَراتٌ من نُور” تجربة أدبيّة ترفض الاستهلاك السّريع، وتدعو القارئ إلى إبطاء خطاه وتأمّل التفاصيل الصّغيرة التي يصنع منها الإنسان معناه اليومي. إنّه كتاب يجمع بين صفاء الرّوح وحرارة الموقف، ويَصلح لِمَن يبحث عن أدب يُلامِسُ الوجدان بلا تكلّف ولا تعقيد.

5

  • Related Posts

    100 CTFP: جوقة عالمية من أجل دمج الرياضيين البارالمبيين

    كيف تجمع مبادرة دولية بلا ميزانية أصوات قادة العالم والمشاهير والشخصيات الثقافية لتصل برسائلها إلى الرياضيين البارالمبيين في مختلف أنحاء العالم في عالم أصبحت فيه الرياضة، على نحو متزايد، لغة…

    100 CTFP: A Global Chorus of Inclusion for Para Athletes

    How a zero-budget international initiative is bringing the voices of world leaders, celebrities and cultural figures to para athletes around the world In a world where sport increasingly serves as…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *