جويا لوماستي تحاور الكاتب الإيطالي لويجي أنجيلينو ضمن مشروع «100 كتاب 100 مؤلف»

لويجي أنجيلينو

حاورته: جويا لوماستي

أشكر، مع خالص التقدير، لويجي أنجيلينو على قبوله هذا الحوار المخصص لإنتاجه الأدبي الواسع، الذي يمتد بين الدراسات الأدبية، والسرد، والفلسفة، واللاهوت، وأدب الرحلات، مقدمًا للقارئ مسارًا غنيًا بالتأملات والرموز والأسئلة والرؤى للعالم.

وُلد لويجي أنجيلينو في نابولي، وحصل على الثانوية الكلاسيكية ثم ليسانس الحقوق، وتأهل لممارسة مهنة المحاماة، كما حصل على درجتي ماجستير من المستوى الثاني في القانون الدولي. ويعمل ضابطًا في البحرية الإيطالية، ويحمل شهادة مستشار في الشؤون القانونية والمنازعات، كما مُنح وسام فارس الاستحقاق للجمهورية الإيطالية. وبحكم شغفه بالسفر والفلسفة واللاهوت، حصل كذلك على درجة الماجستير في العلوم الدينية، بالتوازي مع نشاطه في الكتابة.

وقد نشر 35 كتابًا، بين مجموعات من المقالات والدراسات والروايات، من بينها «ظلمات الروح» ونسخته الإنجليزية The Darkness of the Soul، وثلاثية «خلاص الشيطان»، و**«رحلة إلى أكثر الأماكن سحرًا في أوروبا»، و«الكتب المحرمة»، و«الحكايات وما تخفيه»، و«نسيج رؤيا نهاية العالم في أنجيه»، و«في عالم الأحلام»، و«أسرار رائعة»**. كما شارك بكتابه «القلب والعقل: تأملات في الأساطير اليونانية» في مشروع «100 كتاب لمؤلفين». وينشر أيضًا العديد من المقالات في مجلات إلكترونية مختلفة.

س: ما التيار الإبداعي الذي قادك في بناء مسار أدبي واسع إلى هذا الحد، يجمع بين الفلسفة واللاهوت والسرد والدراسات وأدب الرحلات؟

ج: أعتقد أنه من الصعب اليوم الحديث عن «تيارات إبداعية» بالمعنى الحقيقي للكلمة، ولا سيما في المجال الأدبي، حيث لم تعد هناك «مدارس» واضحة تحمل تسميات محددة، بل أصبحت الاتجاهات العامة شديدة التشتت والارتباط بالسياقات الاجتماعية التي تنشأ فيها.

وأعتقد أن مفهوم «ما بعد الحداثة» نفسه قد تجاوزه الزمن منذ فترة طويلة، كما أن القيم الأنثروبولوجية للإنسان العاقل Homo sapiens آخذة في التحول إلى شيء مختلف، في ظل الحضور المتزايد للتكنولوجيا وأحدث أنظمة الذكاء الاصطناعي.

في رواياتي، ولا سيما «ظلمات الروح» وثلاثية «خلاص الشيطان»، وبطريقة ما أيضًا في «رحلة إلى أكثر الأماكن سحرًا في أوروبا»، مزجت بين عناصر من الأنواع الأدبية الهجينة و«الغرابة الجديدة» (New Weird)، رابطًا بين أحداث من عصرنا المعاصر ومواقف خيالية أو سريالية أو ديستوبية، بهدف الحديث إلى القارئ عن المخاوف الكبرى في حاضرنا.

وحتى في أعمالي البحثية، مثل «عن نهاية الأزمنة» و**«أسرار رائعة»** وكتاب «القلب والعقل» نفسه، أضيف إلى الخصائص المميزة للبحث، كالتبسيط المعرفي والبحث التاريخي والنقدي، عناصر تهدف إلى إعادة صياغة الأساطير القديمة والنبوءات الغامضة في رؤية حديثة ومثيرة.

س: كيف أثرت دراستك للقانون ودورك في البحرية العسكرية في رؤيتك للعالم وفي كتابتك؟

ج: علّمتني دراسة القانون أن الأمور نادرًا ما تكون كما تبدو، وأن العالم لا ينقسم ببساطة إلى أبيض وأسود. كل حدث، كما هو الحال في الكتابة، ينبغي وضعه في سياقه وتحليله وتفسيره.

إن التعمق في النصوص القانونية يدرّب الإنسان على بناء النصوص، حتى الخيالية منها، بصورة متسلسلة ومنضبطة، مع الحرص على التمييز بوضوح بين الحقائق والآراء، وكذلك بين المقدمات والنتائج.

ولا شك أن مهنتي أثرت أيضًا في أسلوبي في الكتابة، ولا سيما فيما يتعلق بالدقة والتوازن واحترام القواعد، بالتوازي مع استخدام إيقاع متسارع ومكثف في وصف مشاهد الحركة.

س: تتناول كتبك كثيرًا موضوعات ترتبط بالغموض والروحانية والعالم الداخلي. ما نوع الحوار الذي تسعى إلى إقامته بين القلب والعقل والبحث عن المعنى؟

ج: في المجالين السردي والدراسي على السواء، تتناول كتبي غالبًا ما نختصره في كلمة «الغموض».

إن الحوار بين القلب والعقل والبحث عن المعنى يفرض نفسه بوصفه جوهرًا نبيلًا لأي رحلة في الاستكشاف الداخلي والروحي، وكذلك منهجًا مثمرًا لمراقبة ظواهر الواقع الخارجي.

لا أدّعي تقديم إجابات، بل إنني أتحفظ تجاه الذين يدّعون امتلاكها. هدفي هو تحفيز حوار متناغم بين «القلب»، باعتباره بوصلة عاطفية، و«العقل»، بوصفه أداة للتمييز، و«البحث عن المعنى» الذي يتحول تقريبًا إلى «جسر» يدفعنا إلى طرح الأسئلة حول ألغاز الحياة المختلفة.

ومن ثم فإن الطموح الأكبر هو الاقتراب قدر الإمكان من تركيب داخلي سعيد، قادر على تحويل الفضول الفكري إلى تجربة حياتية عميقة وحقيقية.

و**«القلب والعقل»** هو بالفعل عنوان الكتاب الذي أشارك به في مشروع «100 كتاب لمؤلفين». فالأسطورة، في هذا الكتاب، تُقدَّم بوصفها حكاية تخاطب العقل، أي الجانب العقلاني من شخصيتنا، لكنها مكتوبة بلغة القلب، أي جانبنا العاطفي، ذلك العضو الذي كان القدماء يعتقدون أنه مقر المشاعر.

س: تستكشف ثلاثية «خلاص الشيطان» وأعمال مثل «ظلمات الروح» مناطق معقدة من المخيال الديني والرمزي. ما التأمل الذي ترغب في إثارته لدى القارئ؟

ج: تهدف ثلاثية «خلاص الشيطان»، بأجزائها الثلاثة التي تحمل عناوين «الاسترداد» (Apocatastasi)، و«الردة» (Apostasia)، و«نهاية العالم» (Apocalisse)، أساسًا إلى إثارة تأمل أنطولوجي وفلسفي ولاهوتي في مفاهيم معقدة مثل طبيعة الشر، والرحمة الإلهية، ومصير الإنسان.

وفي قلب العمل، ومن خلال الحيلة السردية المتمثلة في العثور على مخطوط قديم، يجري استعادة عقيدة فلسفية ولاهوتية قديمة ومثيرة للجدل، هي الأبوكاستاسيس (Apocatastasis)، أي شمول الخلاص، الأمر الذي يدفع القارئ إلى التساؤل حول استعادة النظام الكوني في نهايته.

وتوحي الرواية، باستخدام عناصر رواية الفانتازيا والإثارة، بأن المشروع الإلهي لا يمكن اعتباره مكتملًا من دون مصالحة جميع الكائنات، بما فيها الشخصية التي تجسد الشر المطلق، أي الشيطان.

ومن خلال تشابك عصور تاريخية مختلفة ــ روما وبيزا في العصر الحالي، وفلورنسا في عصر آل ميديشي، والبندقية في القرن السادس عشر، ونابولي في عصر التنوير في عهد أمير سان سيفيرو ــ تدعو الثلاثية إلى التفكير في الزمن، لا بوصفه خطًا مستقيمًا، بل تصميمًا دائريًا أو حلزونيًا، يتفاعل فيه الماضي والحاضر والمستقبل باستمرار وصولًا إلى نهاية الأزمنة.

أما «ظلمات الروح»، بنسختها الإنجليزية The Darkness of the Soul، فتتكون من أربعة أجزاء: الهواء، الماء، النار، الأرض. وتنطلق من طفولة بطلها وصولًا إلى مرحلة النضج، لتتساءل عن الخط الدقيق والملتبس بين الخير والشر.

ومن خلال حبكة تجمع بين الغموض والفلسفة وعناصر ديستوبية عالمية، وتععيد تفسير وقائع تاريخية في صياغة خيالية تبدو قابلة للتصديق، تدفع الرواية القارئ إلى التفكير في موضوعات أساسية مثل نسبية الأخلاق، والأوهام الكثيرة التي يقدمها الواقع الراهن، وثقل المصادفات والقدر.

كما تركز الرواية على أحداث ذات مصادفة صادمة وتشابك بين مشروعات خفية، لتعيد طرح السؤال القديم حول مدى قدرة الإنسان الفعلية على التحكم في حياته وفي التاريخ الجماعي.

وتتحول الرحلات الاستبطانية للبطل ميركو والشخصيات الرئيسية الأخرى، مثل آريس ونيكوليتا وروسانا وإليزا وجاك، إلى تجربة إنسانية عامة، تصبح رمزًا للقلق الجماعي الذي لم يخمد، في لعبة من المرايا لا يبدو فيها شيء كما هو، حتى الفارق بين الخير والشر.

Oplus_131072

س: نشرت أيضًا كتبًا عن الرحلات والأماكن الأوروبية. ما العلاقة، بالنسبة إليك، بين الرحلة الجغرافية والرحلة الداخلية؟

ج: كتاب «رحلة إلى أكثر الأماكن سحرًا في أوروبا»، الصادر عام 2020، هو تحية إلى القارة العجوز، ينطلق من تجارب شخصية ومباشرة بهدف إعادة اكتشاف قيمنا الأصلية، والاعتزاز بالانتماء إلى مهد التاريخ، والدعوة إلى عدم نسيان جذورنا الجماعية.

السفر، بلا شك، من أجمل التجارب التي يمكن للإنسان أن يعيشها، إذا كان يسعى دائمًا إلى اكتشاف ما يختبئ وراء السطح، باعتباره تمرينًا فكريًا نابضًا، لا مجرد رغبة سياحية.

هناك علاقة متبادلة من التأمل والتحول بين الرحلة الجغرافية والرحلة الداخلية. فمنذ العصور القديمة، أشار الكتاب والفلاسفة، وفي العصر الحديث علماء النفس أيضًا، إلى أن حركة الإنسان في العالم الواقعي تتحول غالبًا إلى استعارة للتغير الداخلي.

فالابتعاد عن الروتين يدفع الإنسان إلى التخلي عن أنماطه المعتادة، ومواجهة وعيه الداخلي. كما تمثل الأماكن الجديدة محفزات حيوية للعقل، إذ تنجح في كثير من الأحيان في استحضار المشاعر والذكريات وحتى الرغبات الخفية.

وتتجسد الصورة الأوضح للمقارنة بين الرحلة الجغرافية والرحلة الداخلية، في المجال الملحمي والأدبي، في شخصية أوديسيوس، الذي دشّن النموذج الأنثروبولوجي الكلاسيكي لـ«رحلة البطل»: مغادرة الوطن ثم العودة إليه، بما يؤدي إلى تحول كامل في شخصيته.

وقد تناولت ذلك في كتابي «هوميروس وولادة أسطورة أوديسيوس» الصادر عام 2024.

س: ما الشعور أو الوعي أو السؤال الذي ترغب في أن يبقى لدى القارئ بعد أن يعبر عوالم أعمالك، المختلفة والمتكاملة في الوقت نفسه؟

ج: إنه سؤال أقدّره كثيرًا، لكنه في الوقت نفسه معقد جدًا.

عندما نكتب، نعبر أبعادًا متوازية، والنتائج التي نصل إليها أو يمكن أن نصل إليها ليست أبدًا أمرًا مسلمًا به.

في تجربتي الأدبية، التي تمتد، كما ذكرنا، من أدب الرعب والإثارة ذي الطابع الأخروي إلى الدراسات اللاهوتية والأسطورية والفلسفية، أسعى أولًا إلى تحفيز القارئ على مواصلة البحث، أي على إدراك أن الواقع الملموس والمادي ليس سوى حجاب، أو سطح، تختبئ وراءه حقائق روحية وأنثروبولوجية أعمق بكثير.

ومن خلال تحليل الأساطير اليونانية، على سبيل المثال، في كتابي المذكور «القلب والعقل»، أحاول إبراز كيف أن الإنسان يخوض، منذ الأزل، رحلة داخلية نحو معرفة ذاته.

ولا أستطيع أن أكتب عن بعض هذه الموضوعات ما لم أشعر شخصيًا بالدهشة، الممزوجة بالقلق، أمام المجهول والمقدس، عندما نواجه الألغاز الكبرى للتاريخ والكون والنفس البشرية.

ومن ثم لا تصبح الكتابة تمرينًا فكريًا نظريًا، ولا حتى مجرد تمرين «نظري» بالمعنى الفلسفي، وإنما تتحول إلى شكل من أشكال التواصل الوجودي.

وأعتقد أن الخيط الناظم بين هذه الأنواع المختلفة والمتكاملة يكمن أساسًا في الأسئلة الحتمية حول معنى الزمن والنهاية وما وراء الطبيعة؛ فلا أقدم ولا أتبنى إجابات دوغمائية فارغة، وإنما أحاول تحفيز القارئ على طرح أسئلة جوهرية حول موقعه الأخلاقي والروحي في العالم، وألا يبقى متفرجًا سلبيًا على وجوده.

المصدر: «Vetrina delle Emozioni»، حوار جويا لوماستي مع لويجي أنجيلينو، ضمن مشروع 100 Libri d’Autore.

  • Related Posts

    على خطى غوميليوف… الفن يستعيد رحلة الشاعر الروسي إلى إفريقيا

    الصور بعدسة ليونيد سليمنيف موسكو – 24 سبتمبر 2026 احتضن المتحف الأدبي في موسكو، يوم 24 سبتمبر، لقاءً من سلسلة «Livre d’artiste اليوم»، استعاد خلاله المشاركون أحد المشاريع الفنية والأدبية…

    السرد البصري بوصفه أداة لبناء الحياة: كيف تعيد حكايات الشاشة تشكيل الواقع

    تقديرًا لإسهامها في الحوار الثقافي والفكري الدولي، تلقت فاطمة الزهراء حسن شهادة تقدير من الجمعية العالمية للشعوب (World Peoples Assembly)، تقديرًا لمشاركتها متحدثة في أعمال الجمعية العالمية العامة الثانية التي…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *