مع الفنانة التشكيلية رحاب فاروق
حاورها: طارق العمراوي
الفنان الذي ينغلق على تجربته يفقد تدريجيًا قدرته على اكتشاف آفاق جديدة
س1كيف تقدمين الفنانة التشكيلية رحاب فاروق ؟
أرى نفسي إنسانة تبحث عن الجمال في التفاصيل التي قد تمرّ أمام الآخرين دون أن يلتفتوا إليها ؛ فالفن بالنسبة لي ليس مجرد ألوان تُوضع على سطح ، بل طريقة في رؤية العالم وقراءته والتعبير عن مكنوناته . أنا فنانة تشكيلية ، ومعلمة لغة إسبانية ، وكاتبة لمقالات خاصة بأدب الرحلات وأؤمن بأن المعرفة والفن جناحان لروح واحدة ، وأن الفنان الحقيقي لا يتوقف عند حدود لوحته ، بل يمتد اهتمامه إلى الإنسان والثقافة والتراث وكل ما يمنح الحياة معناها .
أحمل شغفًا بالفنون والتراث والكتابة ، وأجد في أدب الرحلات مساحة لاكتشاف الإنسان والمكان والذاكرة. وربما لهذا لا أرى نفسي مجرد صانعة أعمال فنية ، بل إنسانة تحاول أن تترك أثرًا جميلًا ، وأن تجعل من الفن جسرًا يصل بين الماضي والحاضر ، وبين المعرفة والإحساس.
س2ما هي المدارس والرموز التشكيلية التي أثرت وساهمت في نحت رؤيتكم مصريا وعالميا
بخصوص تأثري بالمدارس لا أعتقد أن رؤية الفنان تُصنع من مدرسة واحدة ، بل تتشكل عبر تراكمات بصرية وإنسانية وفكرية. لقد استوقفتني قدرة الفن المصري القديم على اختزال المعنى في الرمز ، وتحويل المعتقد والذاكرة إلى صورة باقية عبر آلاف السنين ، كما يستهويني ما في الفن الإسلامي من إيقاع هندسي وزخرفي وأعشق تفاصيل الفنون بالعصرالإسلامي بالأندلس ، وما تحمله الفنون من صدق وثراء بصري هائل
س3هل تواكبين التجارب التشكيلية الأخرى والمتابعة النقدية لما يُعرض في الأروقة؟ بالتأكيد ، فالفنان الذي ينغلق على تجربته يفقد تدريجيًا قدرته على اكتشاف آفاق جديدة. متابعة المعارض والتجارب المختلفة تمنحني فرصة للتأمل والمقارنة والتعلّم ، و لفهم التحولات التي يشهدها الفن ، وكيف تتغير لغة التعبير من جيل إلى آخر. وأتمنى أن تتسع المساحة الممنوحة للنقد الجاد في حياتنا الفنية، وأن يصبح الحوار حول الأعمال أكثر حضورًا ؛ لأن المعرض لا يكتمل في رأيي بمجرد تعليق اللوحات على الجدران ، بل يبدأ جزء مهم من رحلته حين يلتقي العمل بعين واعية وعقل متأمل.
س4 كيف تعلقون على حضور بعض الرموز التاريخية والأثرية في لوحاتكِ ، كالمعبودات المصرية القديمة ورموز الأسرة العلوية وغيرها؟
أتعامل مع الرمز التاريخي باعتباره كيانًا حيًا في الذاكرة، لا مجرد عنصر زخرفي أو استدعاء لزمن مضى. فالمعبودات المصرية القديمة، وما ارتبط بها من دلالات كونية وروحية، تحمل خلفها منظومة كاملة من التصورات عن الحياة والموت والطبيعة والخلود. وكذلك فإن رموز الأسرة العلوية وما يرتبط بها من مقتنيات وزخارف وفنون تعكس جانبًا من تاريخ المجتمع المصري وتحولاته وذائقته البصرية. ما يجذبني في هذه العناصر هو قدرتها على اختزال زمن كامل داخل تفصيلة صغيرة؛ فقد تحمل وحدة زخرفية واحدة حكاية عصر، وقد يتحول أثر مادي إلى نافذة نطل منها على حياة أشخاص عاشوا قبلنا بقرون. وأحب أن أتعامل مع هذه الرموز بوعي واحترام لمرجعيتها التاريخية، ثم أعيد قراءتها فنيًا بما يمنحها حضورًا معاصرًا. فالماضي بالنسبة لي ليس مكانًا نعود إليه هربًا من الحاضر، بل ذاكرة نستمد منها أسئلتنا ونبني بها رؤيتنا للمستقبل.
حضرتك طبعا اختصر وانتقي حسب المساحة المتاحة
تخير الخلفية الافضل للطبع
س5هل توجد حركة نقدية تواكب الكم التشكيلي المعروض في الأروقة وغيرها من الأماكن؟
أعتقد أن لدينا تجارب تشكيلية تستحق القراءة والتوثيق والحوار، لكن كثرة المعارض والأعمال لا تعني بالضرورة وجود حركة نقدية توازيها بالقدر الكافي. نحتاج إلى نقد يتجاوز الانطباعات العابرة وعبارات الإعجاب العامة، ويقدم قراءة حقيقية للتجارب، ويتتبع تطورها، ويضعها في سياقها الثقافي والفني. كما نحتاج إلى مزيد من الدراسات المنشورة والتوثيق الجاد للمعارض والفنانين، حتى لا تضيع تجارب مهمة بانتهاء موعد عرضها.
س6كيف تقيمين تجربتكِ في مرافقة الأطفال في الورش الفنية التي تنفذينها؟
هذه من التجارب التي تمنحني سعادة إنسانية خاصة؛ لأنني حين أعمل مع الأطفال لا أشعر أنني أعلّمهم الرسم فقط، بل أتعلم منهم أيضًا كيف يمكن للخيال أن يكون حرًا قبل أن تحاصره الأحكام والتوقعات. أحرص على أن تكون الورشة مساحة للاكتشاف والتجربة، لا مجرد نشاط ينتهي بعمل متشابه لدى الجميع. أحب أن أمنح الطفل فرصة للتعبير عن نفسه، وأن أساعده على اكتشاف التفاصيل المحيطة به وتحويلها إلى أفكار وصور. ومن التجارب التي أعتز بها اصطحاب الأطفال للرسم في قلعة قايتباي بالإسكندرية، حيث امتزج الفن بالتاريخ والمكان، واستلهم الأطفال معالم المدينة في رسوماتهم. كانت التجربة فرصة ليروا تراثهم بعين الفنان، وأن يفهموا أن المكان ليس حجارة صامتة، بل حكاية وهوية وذاكرة. أؤمن أن الورشة الفنية الناجحة لا تُقاس بجمال الأعمال وحده، بل بما تتركه في الطفل من ثقة بالنفس وفضول واحترام للبيئة والتراث. وربما يكون أحد أحلامي أن تتسع هذه التجارب لتصبح الفن وسيلة حقيقية لبناء الوعي لدى الأجيال الجديدة.
س7ما الموضوعات التي اشتغلتِ عليها، وما الموضوعات التي تتطلعين إلى تناولها مستقبلًا؟
تتنوع اهتماماتي بين العناصر الزخرفية والتراثية، والتفاصيل التي تحمل قيمة جمالية أو تاريخية، إلى جانب الموضوعات المرتبطة بالإنسان والمكان والطبيعة. وأجد متعة خاصة في اكتشاف الجمال الكامن في الأشياء ، حتى تلك التي قد تبدو بسيطة أو مألوفة، ثم إعادة تقديمها بصريًا بطريقة تكشف عن وجه آخر لها. وأهتم بالصلة بين الفن والكتابة؛ فممارسة أدب الرحلات منحتني حساسية خاصة تجاه الأمكنة وطبائع البشر وتفاصيل الثقافات. أما مستقبلًا، فأطمح إلى التوسع في الأعمال التي تربط الذاكرة التاريخية بقضايا الإنسان المعاصر، وإلى تقديم موضوعات تمس البيئة والبحر والهوية الثقافية، بحيث لا يكون العمل الفني جميلًا فحسب، بل قادرًا أيضًا على إثارة سؤال أو إيقاظ وعي أو فتح باب للتأمل. أحلم بفن لا يكتفي بأن يلفت النظر، بل يستحق أن يبقى في الذاكرة.
س8هل ستقودكِ التجربة إلى تغيير المنحى الفني والاتجاه إلى الخزف والنحت أو غيرهما؟
لكل خامة لغتها وطاقتها التعبيرية. أرحب بفكرة استكشاف الخزف والنحت وغيرهما من المجالات، ليس لمجرد التنويع، وإنما لاكتشاف ما يمكن أن تضيفه هذه الوسائط إلى أفكاري. فهناك معانٍ قد يعبّر عنها اللون والخط بعمق، بينما تحتاج معانٍ أخرى إلى الكتلة والملمس والفراغ. ومع ذلك، لا أؤمن بالتغيير من أجل التغيير؛ فأنا أريد لأي تجربة جديدة أن تنبع من حاجة داخلية ومن فكرة تستحق أن تُمنح شكلًا مختلفًا. المهم بالنسبة لي أن تتطور أدواتي،وبالفعل لا التزم بقيود عند الحاجة لإختلاف وغرابة شيء استطيع ادخاله لصالح العمل ولتوضيح معني.
س9فن الجرافيتي كيف ترونه كفنانة تشكيلية
أرى فن الجرافيتي لغةً بصريةً متمردة، تحوّل الجدران إلى مساحات تنبض بالفكر والحرية، وتمنح الشارع صوتًا لا يُمكن تجاهله. إنه فنّ يلتقي فيه الإبداع بالواقع، وتصبح فيه الألوان رسائل تحمل نبض المجتمع وروح المكان.
قد اكون ماجاربته …لاني اري ف الحياة فنونا أخري ..وخاصة حاليا كلها تلامس الواقع وتنضح به..كالكولاچ..والكينوسايجا والنحت البارز والخامات الحديثة…





