
في مشهدٍ يجسد انتصار الكلمة على الحدود، صدح صوت اللغة الطاجيكية في أثير إذاعة أسترالية، حاملاً قصيدة وشذرات من السيرة الأدبية لشاعرٍ من طاجيكستان إلى جمهورٍ عالمي متعدد الثقافات. فقد بثّت إذاعة 4ZZZ الأسترالية، ضمن برنامج Balkan Beats، حلقة خاصة من فقرة “ركن الشعر العالمي”، خُصِّصت للشعر الطاجيكي، حيث قُرئت قصيدة “أرض أجنبية” للشاعر عبدُكَخور كوسيم باللغة الطاجيكية.
البرنامج جاء بتنظيم مشترك بين مبادرة Balkan Beats، والرابطة الدولية للشعر RTANJ & THE MOON’S POETIC CIRCLE، ومجلة الأدب الإبداعي والثقافة الإلكترونية AREA FELIX، في إطار جهود متواصلة لتعزيز الدبلوماسية الثقافية، وفتح نوافذ للحوار بين اللغات والآداب.

وقد وجّه القائمون على الفعالية شكرًا خاصًا للشاعرة العالمية Maja Milojkovic، المعروفة بمبادراتها في مجال “شعر القمر”، تقديرًا لإسهامها في بناء جسور ثقافية عابرة للقارات، وإيمانها بأن الشعر لغةٌ كونية تتجاوز الاختلافات السياسية والجغرافية.
القصيدة التي حملت عنوان “Foreign Land” بالإنجليزية و“Tierra Extranjera” بالإسبانية، قُرئت هذه المرة بالطاجيكية، لتُسمِع العالم نبرةً من آسيا الوسطى، وتعيد التذكير بثراء اللغة الطاجيكية، وامتدادها الحضاري العميق. إن بثّ القصيدة بلغة الشاعر الأم لم يكن مجرد ترجمة صوتية، بل كان احتفاءً بالهوية، وتأكيدًا على أن اللغات الصغيرة عدديًا قادرة على أن تجد مكانها في الفضاء الإعلامي العالمي.
تحمل “أرض أجنبية” وجع المنفى، وثقل الغربة، وحنينًا جارحًا إلى الوطن. إنها قصيدة تتكئ على صورٍ حادة: ريحٌ غريبة تعصف بالجسد، وازدراء يتحول إلى سكينٍ في أيدٍ كثيرة، وزهورٌ تفوح منها رائحة الغربة. لكن القصيدة، رغم سوداويتها، تنتهي بنداءٍ صريح إلى الوطن، بوصفه المعنى الوحيد للحياة.
هذا الحدث الإذاعي ليس مجرد بثٍّ أدبي عابر، بل هو محطة في مسار أوسع من الحراك الثقافي العالمي، الذي يسعى إلى كسر العزلة عن اللغات الأقل انتشارًا، وإعادة الاعتبار للأدب بوصفه أداة للتقارب الإنساني. فحين يستمع مستمعٌ في أستراليا إلى قصيدة طاجيكية، فإن العالم يصبح أقل اتساعًا، وأكثر ألفة.
أرضٌ أجنبية
لعبدُكَخور كوسيم – طاجيكستان
بشفتين يابستين،
وقلبٍ جفّفه الحزن،
أجرّ قدميّ المثقلتين
في أَسْرٍ طويل.
تعوي رياحُ الأرضِ الغريبة
فوق مصيرٍ لم يُنصِفْه القدر…
والازدراءُ
سكينٌ في مئاتِ الآلاف من الأيدي.
خِلسةً
تحاول الكلماتُ والنظراتُ
مداواةَ الروح،
حتى أكادُ أرغب في الصمم…
حتى الزهور
تفوحُ منها رائحةُ الغربة،
وجوهري
مُشبَعٌ بأصواتِ الآخرين.
في داخلي
بيتٌ كئيبٌ بلا نوافذ،
أشتهي أن تبلّل ريحُ الوطن شفتيّ،
وأن تُبرّد ريحُ الوطن قلبي.
لوّحتُ بعبير خصلاتٍ سوداءَ أحببتها،
كي أشمَّ رائحةَ الأم
لا في الأحلام…
لكن كلَّ ذلك
يبقى في الأحلام.
ثمّ
تخترق الريحُ الشريرةُ الجسدَ
كأنها مئاتُ الآلاف من السهام.
أفتح عينيّ،
وأستنجد بذئبٍ جريح.
تندفع الريحُ إلى صدري—
كذئبٍ ماهرٍ
تخدش روحي…
لا أستطيع…
لا أملك الشجاعة الآن
لأقول
إنه من دون الوطن
يصعب حتى أن نموت…
آهٍ يا وطني—
إنني لا أعيشُ
إلا لك.
أرضٌ أجنبية


