ليس من السهل أن يتحول كاتب إلى موضوع كتاب كامل من الشهادات والرؤى النقدية وهو في ذروة عطائه، لكن كتاب “رحّالة الأدب: أشرف أبو اليزيد.. شهادات ورؤى نقدية“ يبرهن أن تجربة الشاعر والروائي والرحالة والصحفي والمترجم المصري أشرف أبو اليزيد تجاوزت حدود الإنجاز الفردي لتصبح ظاهرة ثقافية عابرة للقارات. ويضم الكتاب عشرات الأصوات الأدبية والفكرية من العالم العربي وآسيا وأوروبا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، لتشكّل معًا بانوراما إنسانية وإبداعية واسعة عن صاحب “طريق الحرير” و”شارع في القاهرة” و”شماوس”.
يفتتح الكتاب الشاعر الكوري الكبير كو أون بكلمات مؤثرة يرى فيها أن روح أشرف أبو اليزيد تمتد بين مصر القديمة ومصر الحديثة، وأنه يجسد أخوّة الإنسان العابرة للحدود، مؤكداً أن تكريمه في حياته استحقاق نادر لمن كرّس عمره للكلمة والحوار الثقافي.
أما الشاعر الصيني تشاو شوي، قائد “حركة الشعر العظيم”، فيقدّم قراءة نقدية معمقة يعتبر فيها أبو اليزيد نموذجاً للشاعر الذي يحوّل تجربته في السفر والترجمة والكتابة إلى جسر بين الحضارات، ويرشحه بوصفه صوتاً عالمياً يجمع بين تراث النيل وقلق العصر الحديث، وبين المقدس واليومي في تجربة شعرية فريدة.
ومن مصر يكتب الروائي الكبير إبراهيم عبد المجيد عن “العابر للقارات”، مستعرضاً مسيرته في الرواية والشعر وأدب الطفل والترجمة والصحافة وأدب الرحلات، مؤكداً أن أشرف أبو اليزيد حالة إبداعية نادرة يصعب حصرها في مجال واحد.
ويصف الكاتب والرحالة الإسباني جوردي إستيفا أعماله بأنها جسر متين بين اللغات والثقافات، بينما تتوقف المخرجة والكاتبة فاطمة الزهراء حسن عند إسهاماته في النقد التشكيلي وعلم اجتماع الفن، مستعرضة كتبه وأبحاثه التي قاربت الفن من منظور ثقافي وإنساني واسع.
وفي شهادة لافتة، يقدّم الكاتب السوري هاني نديم صورة شخصية وإنسانية لأشرف أبو اليزيد، واصفاً إياه بأنه “آخر الموسوعات”، لما يجمعه من مواهب متعددة تشمل الشعر والرواية والرسم والترجمة والصحافة وأدب الرحلات، فضلاً عن حضوره الثقافي العربي والدولي.
ومن روسيا تأتي شهادات أولجا ميدفيدكو وإينّا ناتشاروفا؛ فالأولى ترى فيه “حامل الثقافة” الذي يكرّس جهده لبناء الجسور بين الشعوب، بينما تصفه الثانية بـ”السيد جسر الصداقة” الذي فتح أعمالها على القراء العرب من خلال الترجمة والتواصل الثقافي.
وتتحدث المترجمة الصربية د. آنا ستيليا عن تجربتها في نقل شعره إلى لغتها، معتبرة أن ترجمة أعماله كانت رحلة في المدن والأرواح معاً، فيما يستعيد الشاعر الأذربيجاني إلدار آخادوف ذكريات الصداقة والأسفار المشتركة بين باكو وموسكو، مؤكداً أن أبو اليزيد لا يجمع الناس كأصدقاء فحسب، بل كإخوة في الشعر والروح.
ومن فنزويلا تقدم الشاعرة مارييلا كورديرو قراءة تربط بين الشعر المصري القديم وتجربة أبو اليزيد المعاصرة، معتبرة أن قصائده تواصل تقليداً إنسانياً عريقاً يمتد من أناشيد الحب الفرعونية إلى القصيدة الحديثة.

ويتواصل الكتاب عبر شهادات متعددة الثقافات واللغات، يشارك فيها كل من د. حنان عواد، وإسماعيل ديادي حيدرة، ود. حسين عبد البصير، وعاطف محمد عبد المجيد، ومحمد عبد الرحيم، وإيهاب سيد أحمد، وفرجينيا فرنانديث كويلادو، ود. هيام المعمري، وسعاد الزامك، ود. هويدا صالح، ود. محمد سعيد، وطارق عمران، ومحمد علي عزب، وميسنا تشانو، ود.كيشاب سيجدال، وتغريد بومرعي، ولوشيانو سوما، وميخوش عبدالله، وجويا لوماستي، وإلمايا جباروفا، ود. حمزة مولخنيف، ود. سبينة ك.، وخالد سليمان، ود. إيمان بقاعي، ونهى سويد، وطارق العمراوي، ود. فايز الداية، ود.عبد الناظر كي بي، ود. ضياء الدين حلمي الفقي.
ورغم تنوع الخلفيات الثقافية والجغرافية للمشاركين، فإن خيطاً مشتركاً يجمع معظم النصوص: النظر إلى أشرف أبو اليزيد باعتباره نموذجاً للمثقف العربي المنفتح على العالم، الذي لم يكتف بالكتابة والإبداع، بل جعل من الترجمة والسفر والحوار الثقافي رسالة إنسانية. فهو في نظر البعض شاعر، وفي نظر آخرين رحالة أو مترجم أو صحفي، لكن الجميع يلتقون عند حقيقة واحدة: أنه صاحب مشروع ثقافي يتجاوز الحدود الوطنية إلى فضاء إنساني أوسع.
يخرج القارئ من صفحات “رحّالة الأدب“ بانطباع واضح مفاده أن الكتاب ليس مجرد تكريم لشخص، بل توثيق لشبكة واسعة من الصداقات والعلاقات الثقافية التي نسجها أشرف أبو اليزيد عبر عقود من العمل والإبداع. إنه كتاب عن كاتب، لكنه في الوقت نفسه كتاب عن قوة الأدب في بناء الجسور بين الشعوب، وعن الكلمة التي تستطيع أن تعبر القارات كما يعبرها الرحالة الحقيقيون.




