تتقدّم الكتابة السردية في الأزمنة المعاصرة داخل عالم متشظٍّ تتكاثر فيه الكسور الدقيقة في الروح أكثر مما تتكاثر فيه صور التماسك، وتتسع فيه هوّة القلق كلما ازدادت مظاهر السيطرة والسرعة والوفرة. وقد غدا الإنسان في قلب هذا المشهد كائنا مثقلا بأعباء لا تُرى دائما محمولا على أعصابٍ منهكة وذاكرةٍ متعبة وعلاقاتٍ تتآكلها العزلة الصامتة، وأفقٍ يضيق تحت ضغط الخوف من الغد ومن الفراغ ومن المعنى الذي يتسرب من بين الأصابع كما يتسرّب الماء من الكفّ المرتجفة. ومن هنا اكتسب السرد المعاصر قيمته الأعمق؛ لأنّه انصرف إلى التقاط هذا الارتجاج الداخلي وراح ينقّب في طبقات النفس المرتبكة ويمنح الصوت لمن يعيشون على الحافة، أولئك الذين لا تصنعهم الملاحم، بل تصوغهم الندوبولا ترفعهم أمجاد الانتصار بل تكشفهم مرارة الاحتمال وطول المكابدة.
تبدّلت صورة البطولة تبدّلا جذريا، فغادرت فضاء القوة الصلبة والإرادة القاهرة والحضور الصاخب واتجهت إلى مناطق أكثر خفاءً وأشد عمقا، حيث يقيم الإنسان المعرض للكسر المتردد المتعب القَلِق المثقل بأعباء الداخل والخارج معا. ولم تعد العظمة السردية حكرا على الفاتحين وصنّاع الأحداث الكبرى، بل صارت تنبض في تفاصيل الكائن الذي يواصل العبور وسط عالم يجرّده كلّ يوم من شيءٍ من طمأنينته ويطالبه رغم ذلك بأن يبدو متماسكا ناجحا وقادرا على إخفاء جراحه تحت أقنعة اللياقة الاجتماعية. وقد برزت في الرواية والقصة الحديثة ملامح بطل جديد، بطل لا يملك سطوة الأسطورة لكنه يملك شجاعة البقاء، ولا يعتلي منابر المجد لكنه يصارع انهياره بصمتٍ كثيف ويمنح التجربة الإنسانية بعدا أكثر صدقا وأشد التصاقا بجوهر الوجود.
ومن هذا المنعطف الجمالي والأنطولوجي معا يتبدى “الإنسان الهش” بوصفه إحدى أخصب الشخصيات التي أنجبها السرد المعاصر، لا باعتباره صورة عابرة للضعف بل باعتباره مرآة دقيقة لشرط الإنسان في زمن القلق وزمن اهتزاز المعاييروتصدّع اليقينات وتراجع المعاني الجامعة. فالهشاشة هنا لا تُقرأ على جهة النقص بل على جهة الكشف؛ لأنّ الأرواح القابلة للجرح أكثر قدرة على فضح قسوة العالم والذوات المتعبة أكثر صدقا في التعبير عن ثقل الحياة والوجوه التي عبرتها الخيبة حيث تحمل من المعرفة الوجودية ما تعجز عن حمله الوجوه المصقولة ببلاغة القوة وادعاء الاتزان. ومن ثمّ يغدو الحديث عن بطولة الضعفاء حديثا عن تحوّل عميق في بنية الحساسية الأدبية نفسها، وعن انتقال مركز القيمة من صخب الفعل إلى كثافة المعاناة ومن صورة البطل المنيع إلى صورة الإنسان الذي ينجو من التفتت بقدر ما يحتفظ في داخله ببقية نار وبقايا معنى وأثر رجفةٍ يؤكّد أنّ الروح ما تزال حية رغم كلّ ما يحيط بها من برد العالم.
ولم يعد الإنسان في السرد المعاصر ذلك الكائن المتماسك الذي كان الأدب الكلاسيكي يقدمه في هيئة البطل المنيع، صاحب الإرادة الصلبة والوعي الواضح والمصير الذي يُبنى على يقين أخلاقي أو تاريخي. لقد انكسرت صورة البطولة القديمة تحت وطأة تحولات العالم وتداعي المراكز الكبرى للمعنى وانهيار السرديات الشاملة التي كانت تمنح الوجود انتظامه الرمزي. ومن قلب هذا الانكسار خرج إلى الواجهة كائن آخر، إنسان هشّ مرتبك متردد مهدّد في صميمه، يجرّ وراءه قلقه كظلّ ثقيلويعبر الحياة لا بوصفه فاتحا للمصائر، بل بوصفه ناجيا من كثافة العالم. هكذا أصبح الضعف في السرد المعاصر ليس عيبا في البناء الفني ولا نقصا في النسيج البطولي، بل جوهرا أنطولوجيا وجماليا معا ومصدرا جديدا للمعنى، ومفتاحا لقراءة الإنسان في زمن تتكاثر فيه الشقوق أكثر مما تتكاثر فيه اليقينات.
إنالسرد المعاصر في أكثر تجلياته عمقا لا يكتب عن الإنسان من حيث هو سيد العالم، بل من حيث هو كائن مهدَّد بالعالم؛ لا من حيث هو مركز الأشياء بل من حيث هو ممرّ هشّ تتقاطع فيه الضغوط النفسية والاختلالات الاجتماعيةوالعطب الوجودي وارتباك الهوية وخراب اللغة نفسها. وهذا التحول ليس مجرد تبدّل في تقنيات الحكي أو في ملامح الشخصيات، بل هو انقلاب في مفهوم الإنسان ذاته. فحين قال دوستويفسكي في ما يشبه النبوءة الروائية المبكرة، إنّ “الإنسان يحب أحيانا أن يعاني”، لم يكن يصف نزوة فردية عابرة، بل كان يفتح بابا عظيما لفهم تلك الأعماق الملتبسة التي لا تُختزل في العقلانية ولا تُفسَّر بمنطق المنفعة. وفي هذا الباب دخلت الرواية الحديثة ثم المعاصرة فصارت تُعلي من شأن التشقق الداخلي وتُصغي إلى الكسر الخفي في النفس وتمنح المنبوذين والمرهقين والمرتابين والمهزومين موقعا مركزيا في التمثيل السردي.لقد كانت البطولة في صورها القديمة تقترن بالقوة والحسم والانتصار أو على الأقل بالمقاومة النبيلة الواضحة المعالم. أما في السرد المعاصر فإنّ البطولة نفسها أعيد تعريفها على نحو جذري. لم تعد البطولة هي القدرة على قهر العالم، بل القدرة على تحمّله. ولم تعد هي صناعة المجد بل النجاة من التفتت. ولم تعد هي الصعود إلى القمم بل البقاء واقفا وسط الانهيار. وهذا التحول بالغ الدلالة؛ لأنه يكشف أن الأدب لم يعد يطلب من الإنسان أن يكون استثناءً أسطوريا، بل أن يكون صادقا في ضعفه وأن يعترف بعجزه وأن يحوّل هشاشته إلى شكل من أشكال الشهادة الوجودية. وتكتسبهنا الشخصيات “الضعيفة” في السرد المعاصر قيمة أخلاقية وجمالية خاصة، لأنها لا تُبنى بوصفها أدوات للحبكة فحسب بل بوصفها مرايا دقيقة لشرطنا الإنساني الراهن.
كيركغارد
وليس من المصادفة أن تتزامن هذه المركزية الجديدة للهشاشة مع ما يمكن تسميته بزمن القلق؛ ذلك الزمن الذي لم يعد فيه القلق عرضا نفسيا منفصلا، بل صار بنية عميقة للحياة الحديثة. القلق هنا ليس مجرد خوف من مجهول بل هو اهتزاز في علاقة الإنسان بذاته وبالآخر وبالزمنوبالمستقبل وبالجسد وبالمؤسسات وباللغة. لقد تنبّه كيركغارد مبكرا إلى أن القلق “دوار الحرية”، أي تلك الرجفة التي تصيب الكائن حين يواجه إمكاناته المفتوحة بلا ضمانات. غير أن القلق في عالمنا المعاصر تجاوز هذا البعد الوجودي الفلسفي إلى أفق أكثر تعقيدا، صار قلقا اجتماعيا واقتصادياوتكنولوجيا وهوياتيا وبيئيا وعاطفيا. صار الإنسان محاطا بفيض من المعلومات، لكنه محروم من الطمأنينة؛ محاطا بشبكات الاتصال لكنه يزداد عزلة؛ قادرا على الكلام بلا حدود، لكنه يفقد المعنى في زحام الأصوات.
وهنا نفهم لماذا لم يعد السرد المعاصر يثق في الشخصية “المكتملة”. الشخصية المكتملة تبدو اليوم مشبوهةأو على الأقل غير مقنعة فنيا. ذلك أن اكتمالها يوحي بانسجام لم يعد العالم يتيحه وبوحدة داخلية لم تعد الذات قادرة على ادعائها. لقد صارت الشخصية المعاصرة تُكتب من خلال تصدعاتها، نوبات الصمت واضطراب الذاكرة وتعثّر الجسد والارتباك العاطفي والشعور بالفقدوالإحساس الدائم بعدم الكفاية. إن الهشاشة ليست مجرد سمة من سمات الشخصية، بل هي منطق بنائي يحكم الرؤية السردية كلها. إننا أمام كتابة لا تبحث عن الإنسان كما ينبغي أن يكون بل كما يتداعى فعلا تحت ضغط العالم.ولعل أحد أبرز وجوه هذا التحول يتمثل في أن السرد المعاصر لم يعد يفتن بالعظمة الخارجية، بل بالكثافة الداخلية. فالشخصية التي لا تفعل الكثير قد تكون أكثر حضورا من الشخصية التي تغير مصائر الأمم إذا كانت أعماقها مشحونة بما يكفي من التوتر والوعي والارتباك والجرح. إن بطولات الضعفاء لا تُقاس بحجم الأفعال، بل بدرجة المقاومة الصامتة التي يمارسها الكائن في مواجهة ما يهدده من الداخل والخارج. ولذلك فإن شخصيات كثيرة في الرواية المعاصرة تبدو للوهلة الأولى عادية هامشية شبه شفافة، لكنها في الحقيقة تنطوي على دراما هائلة؛ دراما أن تبقى إنسانا فيما تتآكل شروط الإنسانية ذاتها.وقد عبر فرانز كافكا على نحو بالغ الكثافة، عن هذه الحقيقة حين جعل من أبطاله كائنات مهددة بلا سبب واضح متهمة بلا جريمة محددة ومسحوقة أمام أجهزة لا مرئية من السلطة واللامعنى. لم يكن أبطال كافكا ضعفاء بالمعنى الأخلاقي، بل كانوا ضعفاء لأن العالم نفسه صار بنية معادية للفهم. وفي هذا يكمن عمق الرؤية الحديثة التي ورثها السرد المعاصر ووسع أفقها،ليس الضعف دائما خاصية ذاتية، بل قد يكون أثرا من آثار عالم مصمَّم على إضعاف الإنسان. إن هشاشة الفرد هنا ليست مجرد خلل في الإرادة، بل نتيجة لآليات اجتماعية وسياسية ورمزية تسلبه مركزهوتحوّله إلى كائن يختبر غربته في قلب اليومي.
إن البطولة الجديدة التي يقدمها السرد المعاصر ليست بطولة المنتصرين، بل بطولة الذين يواصلون العيش رغم استحالة العيش السهل. هي بطولة من يتعثرون ثم ينهضون دون ضجيج، من يخسرون كثيرا لكنهم لا يفقدون القدرة على الإحساسمن يواجهون هشاشتهم لا باعتبارها فضيحة ينبغي سترها، بل باعتبارها حقيقة وجودية ينبغي الاعتراف بها. ولعل هذا ما يجعل بعض النصوص المعاصرة أشد تأثيرا من الروايات ذات الأحداث الكبرى؛ لأنها لا تدهشنا بما يقع بل بما ينكشف في الداخل الإنساني حين يلامس حافته القصوى.وليس بعيدا عن هذا المعنى ما كتبه ميلان كونديرا حين رأى أن الرواية هي “فحص للوجود”، وأنها تكشف إمكانات الإنسان في عالم فقد بساطته القديمة. فالرواية المعاصرة لا تذهب إلى الإنسان لتصدر عليه حكما، بل لتصغي إلى التباسه. إنها لا تطلب منه أن يكون نموذجا بل أن يكون سؤالا. ومن ثمّ فإن الشخصية الهشة ليست موضوعا للرثاء السطحي ولا مادة للشفقة العاطفية السهلة، بل موضعا للتأمل الفلسفي والأخلاقي. إنّ هشاشتها تفضح أوهام الصلابة التي بنتها الحداثة حول الذات المستقلة والعقل المتحكم والتقدم المطمئن والهوية المتماسكة. إن السرد المعاصر يشتغل ضد البلاغة الزائفة للقوة ويكشف أن كثيرا مما يسمى قوة ليس إلا قناعا كثيفا للخوف.
إنّ من أخطر ما أنجزه هذا السرد أنه أعاد الاعتبار لما كان يُقصى من دائرة البطولي: التعب، الاكتئاب، التردد، العجز، الفشل، الانكسار، الوحدة، الخوف، الشعور بالنقص، هشاشة الذاكرة، قلق الجسد واختلال العلاقة باللغة. وهذه كلها لم تعد تُعامل باعتبارها هوامش نفسية، بل باعتبارها مفاتيح لفهم الإنسان المعاصر. إن الأدب هنا لا يزخرف الضعفولا يحوّله إلى موضة شعورية بل يكشف بفضله ما تعجز الخطابات الصلبة عن قوله. فالكائن الضعيف حين يُكتب بصدق فني عالٍ يصبح أكثر قدرة على كشف العالم من الكائن القوي؛ لأنّ الشق هو الذي يسمح للرؤية أن تمرّ.
رولان بارت
وقد نبّه رولان بارت من زاوية أخرى إلى أن الأدب هو ما يظل يقاوم التصلّب الدلالي، أي ذلك الميل الذي يجعل اللغة تُعيد إنتاج السلطة والمعنى الجاهز. وإذا أسقطنا هذه الفكرة على موضوعنا، أمكن القول إن الإنسان الهش في السرد المعاصر هو أيضا شكل من أشكال مقاومة القوالب؛ لأنه يربك التوقعات ويفلت من التصنيفات الحاسمة ويقاوم الاختزال. إنه لا يقدم نفسه بصفته “شخصية ناجحة” أو “فاشلة” فحسب، بل بوصفه كيانا متوترا بين الرغبة والعجز، بين الحاجة إلى الحب والخوف منه وبين الحنين إلى المعنى والعجز عن الإمساك به. ومن ثمّ فإنّ هشاشته ليست نقصا في التكوين بل غنى في التركيب.لقد صار من اللافت أن كثيرا من السرديات المعاصرة تنقل مركز الثقل من الحدث إلى الإحساس ومن الفعل إلى الأثر ومن البطولة الظاهرة إلى الاهتزاز الباطني. فبدل أن تسأل: ماذا فعل البطل؟ صارت تسأل: ماذا جرى لروحه؟ بدل أن تُعنى بانتصاراته صارت تُعنى بقدرته على النجاة من التشظي. وهذا التحول عميق الدلالة؛ لأنه يشير إلى أن الإنسان لم يعد يُقاس بمقدار ما يملك من سلطة، بل بمقدار ما يحتفظ به من إنسانية في عالم يستنزف هذه الإنسانية يوميا. وهنا يصبح الضعيف على نحو مغاير أقرب إلى جوهر الإنسان من القوي؛ لأنّ القوة كثيرا ما تُخفي بينما الضعف يكشف.
ولا ينبغي أن نفهم هذه البطولة الجديدة على أنها تمجيد للعجز أو دعوة إلى الاستسلام. فالسردالمعاصر في نماذجه الكبرى لا يحتفل بالهزيمة لذاتها ولا يقدّس الانكسار باعتباره قيمة في ذاته. إنه فقط يعيد النظر في مفهوم المقاومة. فالمقاومة ليست دائما صراخا وقد لا تكون ثورة صاخبة وقد لا تُترجم إلى انتصار اجتماعي أو تاريخي واضح. أحيانا تكون المقاومة مجرد إصرار على عدم التحول إلى حجر. أن تبقى قادرا على الحزن، على الحب، على الندم، على التذكر، على الاعتراف، على الانكسار النبيل، فهذا في حدّ ذاته فعل مقاومة في عالم يسعى إلى تحويل البشر إلى وظائف وأرقاموأقنعة اجتماعيةووحدات إنتاج، وواجهات رقمية.
وهنا أيضا تتخذ اللغة السردية نفسها طابعا مختلفا حين تكتب الإنسان الهش. فهي تميل إلى الاقتصاد أحيانا وإلى التقطيع وإلى الصمت الدال وإلى الالتفات إلى التفاصيل الصغيرة وإلى التقاط النبرات الخافتة التي كانت البلاغة التقليدية تهملها. فالهشاشة لا تُكتب دائما بجمل ضخمة؛ بل كثيرا ما تحتاج إلى لغة قادرة على الإصغاء لا على الاستعراض. ولهذا تبدو بعض الروايات المعاصرة كأنها تبني عظمتها من الهمس لا من الضجيج؛ من التوترات الدقيقة، لا من الانفجارات الكبرى؛ من لحظة ارتعاش في اليد أو صمت على طاولة عشاء أو نظرة لا تكتمل أو رسالة لا تُرسل أو ذاكرة تنقطع في منتصف استعادتها. في هذه التفاصيل يختبئ الإنسان كله.
ولعلّ ما يمنح هذا الموضوع راهنيته القصوى هو أنّ السرد المعاصر لا يكتب الهشاشة من الخارج، بل من داخل تجربة عالمية يكاد الجميع يكونون فيها معنيين بدرجات متفاوتة. فالهشاشة لم تعد تخصّ الفئات المستضعفة وحدها وإن كانت تتجلى فيها على نحو أفدح؛ بل صارت قاسما وجوديا عاما في حضارة تسارع فيها الزمن حتى صار الإنسان متأخرا عن نفسهوتكاثرت فيها صور النجاح حتى صار الفرد محاصرا بشعور مزمن بالنقص وتضخّمت فيها آليات المقارنة حتى فقد كثيرون القدرة على السكن في ذواتهم. لقد أصبح الإنسان كما لو أنّه يعيش تحت امتحان دائم: امتحان الكفاءة، امتحان الجاذبية، امتحان الحضور، امتحان الإنجاز وامتحان السعادة نفسها. وفي ظل هذا الضغط المتواصل يغدو الأدب ملاذا لا لأنه يهرب من العالم بل لأنه يكشف ما يفعله العالم بأرواحنا.
إنّ “بطولة الضعفاء” ليست عبارة شاعرية فحسب، بل مفهوم نقدي يصلح لقراءة جانب كبير من السرد المعاصر. إنها تشير إلى انتقال مركز القيمة من القوة إلى الصدق ومن الإنجاز إلى الاحتمال ومن الحسم إلى المعاناة الواعية ومن السيطرة إلى القابلية للجرح. وإذا كان نيتشه قد مجّد القوة بوصفها طاقة خلق وتجاوز، فإنّ السرد المعاصر يذكّرنا من جهة أخرى بأنّ ثمة أشكالا من العظمة لا تُرى إلا في الكائنات المكسورة؛ لا لأن الكسر جميل في ذاته، بل لأن ما يبقى حيا بعد الكسر أصدق من كل الادعاءات السابقة. إن الإنسان الذي يعرف هشاشته ولا يتهرب منها، قد يكون أكثر نبلا من الإنسان الذي يتدثر بأوهام الصلابة.
إن الرواية والقصة في زمننا لا تنحاز إلى الضعفاء من باب الشفقة الأخلاقية وحدها، بل لأنها وجدت فيهم الحقيقة الجمالية الأعمق لعصرنا. فالعصر الذي تتفكك فيه الروابط وتتراجع فيه المرجعيات وتتصدع فيه صورة الذات، لا يمكن أن ينتج إلا بطولات متعبة وبشرا يعبرون الحياة بأجساد مثقلة وأرواح قلقة. لكنّ الأدب في أعظم لحظاته لا يكتفي بتسجيل هذا الانكسار؛ إنه يحوله إلى معرفة ويستخرج من الهشاشة بصيرة ومن الضعف قدرة على التسمية ومن القلق شكلا من أشكال الوعي. وكما قال ألبير كامو: “في عمق الشتاء، أدركت أن في داخلي صيفا لا يُقهر.” وليس المقصود هنا صيف الانتصار السهل، بل ذلك البصيص العنيد الذي يجعل الإنسان رغم كل شيء قادرا على مواصلة العبور.
ولا يكون الإنسان الهش في السرد المعاصر مجرد شخصية من شخصيات الحكاية، بل يصبح استعارة كبرى لزمن كامل؛ زمن لا يملك يقينا نهائيا، لكنه يملك شجاعة الاعتراف بالشرخ. وهذا الاعتراف في ذاتههو بداية كل أدب عظيم.
وإذا كان السرد المعاصر قد أعاد ترتيب سلّم القيم الجمالية والوجودية، فإنّ من أبرز ما انكشف في هذا التحوّل أنّ الإنسان لم يعد يُقرأ من جهة ما يقدر عليه فقط، بل من جهة ما يعجز عنه أيضا. ذلك أنّ العجز نفسه لم يعد علامة سلبية محضة ولا مجرّد فراغ في البنية النفسية أو ضعف في الإرادة، بل صار في كثير من النصوص الحديثة والمعاصرة موضعا للتأمل العميق، لأنّه يكشف من طبقات الكينونة ما لا تكشفه حالات الامتلاء والاقتدار. فالإنسان حين يتعثر وحين يخفق وحين يضيق به العالم وحين لا يجد في اللغة ما يسع اضطرابه، يكون أقرب إلى حقيقته العارية وأبعد عن الأقنعة التي تصنعها الأعراف الاجتماعية أو أوهام النجاح أو البلاغات الجاهزة للتماسك.
إنّ السرد المعاصر لم يعد يشتغل على الإنسان بوصفه مشروعا مكتملا، بل بوصفه كائنا في طور الانكسار المستمر، كائنا لا يسكن ذاته إلا على سبيل التعثّر ولا يلتقي العالم إلا عبر أشكال من الفقد ولا يبلغ المعنى إلا بعد أن يختبر هشاشة المعنى ذاته. ولعلّ هذه الرؤية هي التي جعلت الرواية الحديثة ثم الرواية المعاصرة على وجه الخصوص أقرب الفنون إلى تشريح القلق الإنساني لأنّها لا تبحث عن المثال بل عن الجرح؛ لا تفتش عن اليقين بل عن التصدع الذي يجعل اليقين نفسه محل مساءلة.
إن ما نسميه اليوم “بطولة الضعفاء” ليس انقلابا عارضا في الذائقة، بل هو نتيجة مباشرة لتحوّل عميق في وعي الإنسان بنفسه وبالعالم. فقد كان البطل القديم يستمد مشروعيته من قدرته على الفعل، من حضوره الصارخ، من أثره في مجرى الأحداث ومن قوته الرمزية أو الجسدية أو الأخلاقية. أما البطل الجديد إن صح التعبير، فإنه كثيرا ما يكاد يختفي تحت ثقل يوميتهويتوارى داخل عادته ويتكسر تحت وطأة التفاصيل الصغيرة، لكنه يكتسب مشروعيته من أمر آخر أكثر خفاءً وأشد كثافة أي من قدرته على الاحتمال. وهذه القدرة على تواضعها الظاهر هي من أعسر ما يُمنح للإنسان في الأزمنة القلقة. إنّ احتمال العالم واحتمال الذات واحتمال الذاكرة واحتمال الآخرين واحتمال الغد حين لا يحمل وعدا واضحا، كلّ ذلك صار في ذاته فعلا بطوليا لا يقل عمقا عن بطولات التاريخ الكبرى.
ولذلك لم يعد غريبا أن يصبح الصمتفي كثير من السرديات المعاصرةأبلغ من الخطابة؛ وأن يصبح التردد أصدق من الحسم؛ وأن يصبح الفشل أحيانا أكثر كشفا من النجاح؛ وأن يغدو التمزّق الداخلي أكثر ثراءً فنيا من الانسجام السطحي. إن الشخصية التي تنهار من الداخل قد تقول عن العالم أكثر مما تقوله شخصية تنتصر خارجيا. فالهزيمة حين تُكتب بعين فاحصة وروح نافذة ليست دائما سقوطا بل قد تكون شكلا من أشكال المعرفة الموجعة. وليس عبثا أن قال صامويل بيكيت: “جرّب ثانية. افشل ثانية. افشل بشكل أفضل.” وهي عبارة على قصرها تلخص روحا كاملة من أرواح السرد المعاصر؛ إذ لا يعود الفشل نهاية مطلقة بل يصير جزءا من مسار الكائن في اكتشاف حدوده وفي إعادة تعريف ذاته خارج مقاييس الإنجاز الصاخبة.
إنّ الإنسان الهش في هذا السرد لا يُبنى بوصفه نموذجا لليأس، بل بوصفه نموذجا للوعي المأزوم. والفرق بين الأمرين دقيق لكنه حاسم. فاليائس قد يستسلم للعدم بوصفه خاتمة نهائية، أمّا الكائن الهشّ الذي تصوغه الرواية المعاصرة فيظلّرغم كلّ شيء معلقا بين الرغبة في النجاة واستحالة النجاة الكاملة. إنه لا يملك خلاصا ناجزا لكنه لا يتخلى تماما عن توقه إلى المعنى. إنه يعيش في منطقة وسطى بين الانهيار والمقاومة، بين التلاشي والتشبث وبين التعب والرغبة في الاستمرار. وهذه المنطقة الوسطى بما فيها من توتر هي أكثر مناطق الوجود إنسانيةً؛ لأن الإنسان في الغالب لا يعيش في أقصى اليأس ولا في أقصى الخلاصبل في هذا البرزخ الرمادي الذي تلتبس فيه الحدود وتتشابك فيه الأحاسيس وتغدو الحياة نفسها نوعا من المفاوضة اليومية مع الألم.
وإذا تأملنا كثيرا من النماذج السردية العربية المعاصرة وجدنا أن هذا الإنسان الهش قد صار حاضرا بقوة، لا باعتباره مستوردا من قلق الحداثة الغربية وحدها، بل بوصفه ثمرة لتحولاتنا نحن أيضا، تحولات المدينة العربية وضغط الذاكرة السياسية وتصدع البنيات العائلية وانكسار الأحلام الجماعية وتقلّص الأفق وارتباك الهوية بين ماضٍ مثقل ورغبات حديثة لم تكتمل. لقد خرجت الشخصية العربية المعاصرة من عباءة المثاليات الكبرى وتخلّت تدريجيا عن دورها التمثيلي المباشر لتدخل في مناطق أكثر التباسا وتعقيدا، منطقة الفرد الجريح والذات الملتبسة والروح المرهقة والجسد الذي صار مسرحا للقلق والذاكرة التي لم تعد مخزنا مطمئنا للمعنى بل حقلا للأشباح والندوب.
لقد كان السرد العربي في أطوار سابقة ميالا إلى أن يحمل على كتفيه هموم الجماعة الكبرى،الاستعمار، التحرر، العدالة، النهضة، الانبعاث، الهوية، الصراع الاجتماعي وما إلى ذلك من القضايا التي تمنح الشخصية وظيفة رمزية تتجاوز فرديتها. غير أنّ التحوّلات اللاحقة بما فيها من خيباتسياسية وتفكك اجتماعي واهتزاز قيمي، دفعت كثيرا من الكتّاب إلى الالتفات نحو الداخل الإنساني بوصفه ساحة الخراب الأكثر صدقا. فبدل البطل الذي يحمل خطابا، ظهر الإنسان الذي يحمل جرحا. وبدل الشخصية التي تمثّل قضية برزت الشخصية التي تمثّل هشاشة الوجود نفسه. وهذا التحول لم يكن نكوصا عن الشأن العام كما قد يتوهّم بعض القرّاء، بل كان إعادة صياغة له في مستوى أعمق؛ لأنّ الشأن العام لا يظهر فقط في الشعارات والصراعات الكبرى، بل يظهر أيضا في كيفية تحطيمه للأرواحوفي أثره الدقيق على العلاقات وعلى اللغة وعلى الإحساس بالزمن وعلى صورة الإنسان في مرآة نفسه.
إنّ السرد المعاصر حين يمنح الهشاشة هذه المركزية لا يكتب فقط عن الضحايا، بل يعيد مساءلة مفهوم الضحية ذاته. فالضعيف في النصوص الكبرى ليس مجرد كائن مسلوب الإرادة تماما بل هو كائن ما يزال يحتفظ في أضيق المساحاتبنوع من الحرية الدقيقة. وقد تكون هذه الحرية مجرّد رفض صامت أو قدرة على التذكّر أو تمسكا بعاطفة صغيرة أو عجزا عن التكيف مع القبح العام، أو إخفاقا في أن يصبح نسخة ناجحة من العنف السائد، وقد يكون الضعف نفسه احتجاجا. فالإنسان الذي لا ينسجم مع العالم المختل ليس بالضرورة ناقصا، بل قد يكون شاهدا على اختلال العالم. والروح التي لا تتقن قسوة العصر قد تكون على نحو مختلف أكثر أخلاقية من أرواح كثيرة نجحت في التكيّف مع الرداءة.
وهنا تبرز مفارقة بالغة العمق،إن السرد الذي يكتب الضعف لا يُضعف الأدب، بل يمنحه إحدى أقوى طاقاته الكشفية. لأنّ الأدب في جوهره لا يُقاس بقدرته على تمجيد المنتصرين بل بقدرته على إنطاق المسكوت عنه وكشف المناطق التي تعجز اللغة اليومية عن تسميتها. وقد كان والتر بنيامين يرى أن مهمة الراوي ليست أن ينقل الوقائع فقط بل أن يمنح الخبرة الإنسانية شكلا قابلا للانتقال. وإذا طبقنا هذا على موضوعنا هذا، أمكننا أن نقول إن السرد المعاصر ينجز إحدى أعقد مهماته حين ينقل إلينا خبرة الهشاشة لا بوصفها عرضا فرديا، بل بوصفها خبرة حضارية شاملة. إنه لا يحكي لنا عن شخص متعب فحسب، بل عن عالم يصنع التعب؛ لا عن ذات قلقة فحسب، بل عن بنية وجودية تُنتج القلق؛ لا عن فرد معزول فحسب، بل عن زمنٍ جعل العزلة قدرا جماعيا حتى في أشد لحظات الاتصال كثافة.
ولعل من أجمل ما في هذه الكتابة أنّها لا تكتفي بتصوير الانكسار بل تبحث في أخلاقه الخفية. فالإنسان الهشفي كثير من الأعمال الرفيعة لا يكون مهما لأنه يتألم فقط، بل لأنه يتألم بطريقة تكشف قيمة ما فُقد. الألم في ذاته ليس فضيلة، ولكنّه يصبح دالا حين يشير إلى عمق العلاقة بالحياة. فالكائن الذي يتألم لفقدان الحب أو لانكسار الثقة أو لخذلان الذاكرة أو لامتهان الكرامة، إنما يكشف بهذا الألم أن ثمة معنى كان قائما ثم جُرح. ومن ثمّ فإنّ الهشاشة ليست دوما علامة فراغ، بل قد تكون علامة امتلاء سابق تحطّم أو علامة حساسية مفرطة تجاه العالم أو علامة بقاء إنساني في زمن التبلّد. ولهذا يبدو الضعفاء في كثير من النصوص أكثر قدرة على الحزن، وأكثر قابلية للرحمة وأكثر احتفاظا بما يسميه الفلاسفة “القابلية للتأثر”، وهي خاصية ليست نقصا في الإنسان بل منبعا من منابع أخلاقه.
إنّ السرد المعاصر يردّ الاعتبار إلى ما حاولت الحضارة التقنية أن تخفيه،أي إلى الإنسان بما هو كائن قابل للكسر. فالعالم الحديث في وجوهه الأكثر صلابة يريد من الفرد أن يكون دائم الجهوزية، دائم الكفاءة، دائم التكيّف، دائم الحضور ودائم النجاح. وحين يعجز عن ذلكيشعر كما لو أنه فقد شرعيته الوجودية. غير أن الأدب يتدخل هنا لا ليمحو العجز بل ليمنحه لغة، وهذه من أرفع وظائفه. لأنّ ما لا لغة له يتحوّل سريعا إلى قهر صامت. أما حين يُسمّى وحين يُروى وحين يُصاغ في شكل فني فإنه يغدو قابلا للفهم، وربما قابلا للمشاركة ومن ثم قابلا لأن يتحوّل من عبء فردي إلى وعي جمعي. ولهذا كان الأدب في أزمنة كثيرة أكثر رحمة من المؤسسات وأكثر عدلا من الخطابات الرسمية لأنه يمنح الهامشيين والمكسورين حق الظهور، لا بوصفهم حالات مرضيةبل بوصفهم تجليات أصيلة من التجربة الإنسانية.
وقد يكون من اللافت أيضا أن هذا السرد لا يقدم الضعفاء دائما في صورة نبيلة خالصة. فهو لا يقع في نماذجه الكبرى في مثالية ساذجة تجعل الهشاشة مرادفة للطهر المطلق. فالإنسان الهش قد يكون مرتبكا، أنانيا أحيانا متناقضاعاجزا عن الحب كما ينبغي قاسيا في لحظات بعينها مُرهقا إلى حدّ الإساءة. لكنه مع ذلك يظلّ إنسانا مكتنزا بالدلالة، لأنّ الأدب الحقيقي لا يصنع قدّيسين بل يصنع كائنات قابلة للفهم. وهذا الفهم لا يعني التبرير الأخلاقي بل يعني التوغل في التعقيد البشري حيث لا تعود الأحكام الثنائية كافية. وهنا بالضبط يتجلى نضج السرد المعاصر أي في قدرته على أن يجعلنا نرى المكسورين لا كرموز بريئة فقط بل كذوات متشعبة يتجاور فيها النبل والعطب، الحنان والانسحاب، الحاجة إلى الآخر والخوف منه والرغبة في الخلاص والميل إلى خراب الذات.
إنّ “بطولة الضعفاء” ليست بطولة أخلاقية بسيطة بل هي بطولة مركّبة متوترةيختلط فيها الجمال بالألم والكرامة بالانكسار والوعي بالعجز. إنها بطولة لا تُرفع على المنابرولا تُخلَّد في أناشيد النصر، لكنها تبقىعلى نحو ماأكثر قربا من لحم الحياة. فالحياة لا تُعاش في الغالب كملحمةبل كتعاقب مرهق من التفاصيل والخيبات والآمال الصغيرة والتنازلات والندوب واللحظات التي لا ننتصر فيها إلا بمجرد ألا نسقط بالكامل. ولهذا فإن السرد المعاصر حين يختار الإنسان الهشّ موضوعا له لا يختار استثناء، بل يختار القاعدة الخفية للوجود الإنساني التي طالما غطتها أقنعة البطولة الصاخبة.
ولعلّ هذا هو السرّ في أنّ القارئ المعاصر يجد نفسهفي كثير من الأحيان، أقرب إلى شخصيات متعبة مكسورة قلقة غير مكتملة، أكثر من قربه إلى الشخصيات الخارقة أو الصلبة أكثر مما ينبغي. إنه يرى فيها شيئا من زمنه وشيئا من روحهوشيئا من ارتباكه الخاص. بل لعلّ هذا التماهي نفسه يكشف أنّ الأدب لم يعد فقط فضاء للمتعة أو الحكاية، بل صار أيضا موضع اعتراف خفي. نقرأ الضعفاء لأننا في طبقات ما من وعينا نعرف أننا ننتمي إليهم أكثر مما نعترف. نقرأ هشاشتهم لنرى هشاشتنا وقد اكتسبت شكلا ومعنى. نقرأ قلقهم لنفهم أن ما ينهشنا ليس دائما جنونا فرديا، بل قد يكون اسما آخر لزمن كامل.
وليس الإنسان الهش في السرد المعاصر مجرّد تبدّل في بناء الشخصية، ولا مجرّد ميل فني إلى تصوير الفشل والانكسار، بل هو انعطاف حضاري في فهم الإنسان نفسه. لقد تهاوت صورة البطل المكتمل لأنّ العالم لم يعد يسمح بمثل هذا الاكتمال إلا على سبيل الزيف. وصعد بدلا منها كائن متشقق متوترمرتبك، لكنه أكثر صدقا وأكثر كثافة وأكثر تمثيلا للحقيقة المعاصرة. إنّ الأدب لم يهبط حين انحاز إلى الضعفاء بل ارتفع؛ لأنه اقترب من المنطقة التي يسكنها الإنسان فعلا، لا من المنطقة التي تتمنّى الأيديولوجيات أن يسكنها.إنّ بطولة الضعفاء في جوهرها هي بطولة البقاء الإنساني وسط عالم يتآكل فيه الإنسان من الداخل. هي بطولة من لا يملكون أسلحة كثيرة، لكنهم يملكون حساسية لا تزال تقاوم التخشّب. هي بطولة من ينهزمون ظاهريا لكنهم لا يسمحون للعدم أن يبتلع كل شيء فيهم. هي بطولة من يعبرون الخراب وهم يحملون في داخلهم ولو في الحدّ الأدنى بقايا معنى أو رغبة في معنى أو وفاءً خافتا لما كان ينبغي أن يكون.
ولعل الأدبلا يفعل شيئا أعظم من هذا،أي أنه يعلمنا أن الضعف ليس دائما نقصا وأن الكسر ليس دائما نهايةوأن القلق ليس دائما مرضا، بل قد يكون في أحيان كثيرة صيغة من صيغ الوعي الحادّ بالعالم. إن الإنسان الذي يتألّم لأنه يرىويهتزّ لأنه يشعر ويتردّد لأنه يفكّر وينكسر لأنه لم يفقد بعد قابلية الانفعال، ليس إنسانا ناقصا بالضرورة، بل قد يكون أكثر اكتمالا في نقصه من أولئك الذين تحوّلوا إلى آلات ناجحة بلا رجفة داخلية.
ويظلّ السرد المعاصر في أعمق تجلياته شاهدا على هذا التحوّل الكبير، من تمجيد القوة إلى فهم الهشاشة، من صناعة الأبطال إلى كشف البشر ومن صخب الملحمة إلى همس الندبة. وفي هذا الهمس تحديدا حيث يبدو كلّ شيء خافتا، يولد أحيانا أكثر أشكال الحقيقة سطوعا.