
تستضيف قاعة الهناجر بدار الأوبرا المصرية في السادس عشر من أبريل 2026 معرضًا فنيًا للفنان التشكيلي عبدالرازق عكاشة تحت عنوان “غزة”، في إطار مبادرة ثقافية وإنسانية تحمل شعار “فلسطين في القلب”. ويأتي المعرض تعبيرًا عن موقف فني وإنساني من المأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، وبخاصة في قطاع غزة الذي يتعرض منذ سنوات لحرب مدمرة خلّفت خسائر بشرية ومادية جسيمة، وأوضاعًا إنسانية بالغة القسوة.
ينطلق المعرض من رؤية تعتبر القضية الفلسطينية قضية إنسانية في المقام الأول، تتجاوز التصنيفات الأيديولوجية أو الدينية. ويرى الفنان أن ما يحدث في غزة يمثل مأساة إنسانية يعيشها شعب يسعى إلى الحفاظ على حقه في الحياة والحرية والكرامة، وهو حق مشترك بين جميع البشر، بغض النظر عن معتقداتهم أو انتماءاتهم.
ويشير عكاشة إلى أن كثيرًا من الخطابات الإعلامية والفكرية سعت إلى تفسير الانتفاضات الشعبية في فلسطين باعتبارها صراعًا ذا طابع ديني، بينما يرى أن جوهر القضية يتمثل في مقاومة الظلم والقهر والحصار والتجويع، وهي قضايا إنسانية تتعلق بحقوق الشعوب في العيش بسلام وأمان.
ويستند الفنان في موقفه إلى تجربة شخصية طويلة في العمل الثقافي والفني الدولي، إذ شارك خلال مسيرته في معارض وفعاليات فنية ومحاضرات في أكثر من خمسين دولة، بصفته فنانًا ومحكمًا ومحاضرًا. وخلال تلك التجارب، يؤكد أنه ظل منحازًا دائمًا لقضايا الإنسان الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الحرية والتعليم والثقافة والعدالة الاجتماعية.
كما يروي الفنان أنه واجه خلال سنوات عمله في الخارج أشكالًا مختلفة من الضغوط والتمييز والعنصرية، وهي تجارب رسّخت لديه قناعة بأن الدفاع عن الكرامة الإنسانية مسؤولية أخلاقية لا يمكن التخلي عنها. وقد دفع تمسكه بهذه المبادئ إلى خسارة بعض المواقع والمناصب الفنية الدولية، من بينها مواقع بارزة في مؤسسات فنية مرتبطة باليونسكو وصالون الخريف الفني، الذي أشار مؤرخوه إلى أن مشاركات عكاشة كانت إضافة مهمة لمسيرته، لما حملته من أفكار مرتبطة بالحرية والثورة الفنية.
وتعود علاقة الفنان بالقضية الفلسطينية إلى سنوات طويلة؛ ففي عام 1996 أقام معرضًا في متحف طه حسين بالجيزة، أعقبه معرض آخر في حديقة “بارك منصوري” بباريس. كما قدّم استقالته عام 1997 من إحدى الجمعيات الثقافية المرتبطة باليونسكو في المغرب احتجاجًا على ما وصفه بقمع الانتفاضة الفلسطينية آنذاك.
ويؤكد عكاشة أن الفن بالنسبة له ليس مجرد ممارسة جمالية أو نشاط ترفيهي، بل رسالة إنسانية تسعى إلى التعبير عن القضايا الكبرى التي تواجه المجتمعات. ويستشهد في هذا السياق بتجارب فنانين كبار مثل يوجين دولاكروا، الذين ربطوا الفن بقضايا الحرية والعدالة، معتبرًا أن العمل الفني قادر على المساهمة في تشكيل الوعي الإنساني.
ويضم المعرض مجموعة من الأعمال الفنية الكبيرة التي تتناول معاناة غزة وصمود سكانها، ويأتي في مقدمتها جدارية ضخمة بعنوان “يوميات غزة” بطول ثلاثين مترًا، توثق من خلال رؤية تشكيلية أحداث الحرب الأخيرة وما خلّفته من آثار إنسانية عميقة. وتعكس الجدارية مشاهد من حياة الفلسطينيين اليومية، حيث يستمر التعليم رغم القصف، ويستمر الإبداع رغم الخطر، في مواجهة واقع تفرضه الحروب والحصار.
ويستلهم الفنان في هذه الجدارية تقاليد فنية كبرى في تاريخ الفن العالمي، من بينها أعمال يوجين دولاكروا وجوستاف كوربيه وسيزان، وصولًا إلى لوحة “غيرنيكا” لبيكاسو، التي أصبحت رمزًا عالميًا لمقاومة الحروب والعنف.
ويرى عكاشة أن كل حجر في أرض فلسطين، وفي غزة تحديدًا، يمثل شاهدًا على صمود شعب متمسك بأرضه وحقه في الحياة. ومن خلال أعماله يسعى إلى توثيق هذا الصمود وإبراز البعد الإنساني للقضية الفلسطينية.
ومن المقرر أن يفتح المعرض أبوابه للجمهور في قاعة الهناجر بدار الأوبرا المصرية يوم 16 أبريل 2026، حيث تُعرض الجدارية الرئيسية إلى جانب مجموعة من الأعمال الأخرى التي تتناول موضوع غزة، في محاولة فنية لتسجيل لحظة تاريخية يعيشها الشعب الفلسطيني، وتأكيد حقه في الحياة والحرية والسلام



