تُولَدُ النصوصُ الأدبيةُ الكبرى في تلك المسافة الدقيقة التي يعجز فيها اليقين عن إغلاق أبواب المعنى وتتعذّر فيها الأجوبة الجاهزة على احتواء التجربة الإنسانية في كثافتها وارتباكها وتعدّد وجوهها. فالأدب في أرفع تجلّياته لا يُشيَّد على الطمأنينة الساذجةولا يستمدّ سطوته من قدرة العبارة على الحسم، بل من طاقتها على خلخلة البداهات وتعميق الإحساس بالغموض وإيقاظ ذلك القلق المعرفي والوجداني الذي يجعل الإنسان أكثر التصاقا بأسئلته وأكثر وعيا بحدود لغته وإدراكه ومصيره. وتغدو الحيرة في النص الأدبي مقاما جماليا ومعرفيا بالغ الرفعة إذ تتجاوز كونها انفعالا نفسيا عابرا أو أثرا من آثار الالتباس لتغدو بنيةً من بنيات الرؤية، ومكوّنا من مكوّنات الكتابة العميقة وشرطا من شروط الإبداع الذي يرفض أن يختزل الوجود في صيغٍ نهائية أو معانٍ مستهلكة.
ذلك أنّ السؤال في الأدب لا يتحرّك داخل أفق الجواب وحده، بل يكتسب في كثير من المواضع استقلاله الجمالي فيصير قيمةً في ذاتهومجالا لتوليد المعنى ووسيلةً لاختبار هشاشة الإنسان أمام العالم والزمن والذاكرة والآخر. فالنصوص التي تستقرّ سريعا على خلاصاتها كثيرا ما تفقد شيئا من وهجها، أما النصوص التي تُبقي في نسيجها قدرا من التردّد الخلّاقوتمنح القارئ نصيبا من القلق والتأويل والمشاركة فإنها تحتفظ بحيويّتها وتظلّ قادرةً على العودة في كلّ قراءةٍ جديدة بصيغةٍ مغايرة وكأنّها تُستأنف مع كلّ قارئ وتُبعث مع كلّ سؤال. وقد صدق ريلكه في وصيته البليغة الداعية إلى الإقامة في جوار الأسئلة الكبرى إذ إنّ بعض الحقائق لا تُنال دفعةً واحدة، وبعض التجارب لا تُفهم إلا عبر المعاناة الطويلة مع ما يكتنفها من غموضٍ وتمنّع.
وعلى هذا الأساس تكتسب بلاغة الحيرة مشروعيتها في صلب النظر الأدبي، لأنّها تُعيد الاعتبار إلى ما يظلّ منفلتا من القبضوإلى ما يتعذّر استنفاده في عبارةٍ واحدة وإلى ما يظلّ في الإنسان عصيا على التسمية الكاملة. فالأدب العظيم لا يقدّم المعنى كما يُقدَّم الخبر ولا يضع القارئ أمام نتائج مكتملة كما تُعرض القضايا المحسومةبل يجرّه إلى تخوم التجربة ويتركه في مواجهة ما يوقظه من أسئلةٍ لا تنطفئ سريعا. وفي هذا المقام تتعانق البلاغة بالفلسفة ويتجاور الجمال مع القلق وتغدو الكتابة أفقا للكشف لا من خلال الامتلاك بل عبر الاقتراب المتدرّج من أعماق النفس والعالم.
إنّ الحديث عن بلاغة الحيرة ليس حديثا عن الغموض بوصفه زينةً شكلية ولا عن الالتباس باعتباره حيلةً أسلوبية، وإنّما هو نظرٌ في أحد أخصب المقامات التي يتجلّى فيها الأدب بوصفه فعلا من أفعال المعرفة الرفيعة ومعراجا من معارج الحساسية الإنسانية العليا. ذلك ما يسعى هذا المقال المتواضع إلى استجلائه من خلال مساءلة الكيفية التي تصير بها الأسئلة في النص الأدبي أعمق من الأجوبة، وأبقى أثرا منها وأشدّ قدرةً على صون سرّ الإنسان من الابتذال وردّ اللغة إلى وظيفتها النبيلة، أن تقولوأن تلمّح وأن تترك في القلب والعقل معا فسحةً لما لا يُستنفد.
ليست الحيرة في النص الأدبي علامةَ عجزٍ عن القول ولا هي أثرُ قصورٍ في القبض على المعنى، بل لعلّها في كثير من تجليات الكتابة الكبرى أرقى درجات الوعي باللغة والوجود معا. ذلك أنّ النصوص العظيمة لا تُقاس بما تمنحه من أجوبةٍ جاهزة، بل بما تفتحه من مهاوٍ تأويلية وما تثيره من قلقٍ معرفيّ وروحيّ يظلّ يتردّد في القارئ بعد الفراغ من القراءة كما يتردّد الصدى في الكهوف العتيقة. وحين تصبح الأسئلة أعمق من الأجوبة لا يعود الأدبُ فنا للإخبار، بل يغدو فنا للإيقاظ؛ لا يقدّم لك العالم كما هو وإنما يعيدك إلى العالم كما ينبغي أن يُسأل.
إنّ النص الأدبي لا يعيش في منطقة اليقين المستقرّبل في منطقة التوتّر بين الممكن والممتنع، بين المعلوم والمجهول، بين ما يُقال وما يستعصي على القول. ومن هنا كانت الحيرةُ ليست عرضا طارئا في الأدب، بل بنيةً من بنياته العميقة، وشرطا من شروط خصوبته. فالأدب الذي يطمئنّ سريعا إلى أجوبته يفقد كثيرا من سحره، لأنّه يتحوّل إلى تقريرٍ معرفيّ أو خطابٍ تعليميّ أو بيانٍ مباشر، بينما الأدب الحقّ هو الذي يعرف كيف يجعل من السؤال طاقةً جماليةومن التردّد قيمةً دلاليةومن الغموض المحسوب أفقا للمعنى لا قيدا عليه.
ولعلّ من أعمق ما يميّز السؤال الأدبي عن السؤال الفلسفي أو العلمي أنّه لا يُطرح طلبا للحسم فقط، بل يُطرح أحيانا لكي يظلّ مفتوحا. فالسؤال في الفلسفة قد يُراد له أن يفضي إلى بناءٍ مفهومي وفي العلم يُراد له أن ينتهي إلى فرضيةٍ قابلة للاختبار، أما في الأدب فإنّ السؤال كثيرا ما يكون غايةً في ذاته لأنّ قيمته لا تكمن في الوصول إلى جوابٍ نهائيّ، بل في قدرته على توسيع التجربة الإنسانيةوتعميق الإحساس بالمأساة والدهشة والالتباس والحنين والانكسار. ولذلك فإنّنا حين نقرأ نصا أدبيا رفيعا لا نسأل غالباماذا أراد أن يجيب؟ بل نسأل ما الذي جعلنا نعجز عن الاكتفاء بما نعرف؟.
وليس من قبيل المصادفة أن تكون النصوص التي حفرت مجاريها العميقة في الذاكرة الإنسانية هي النصوص التي احتفظت بشيءٍ من التمنّع وشيءٍ من الأسرار وشيءٍ من التردّد المضيء. إنّ مأساة هاملت مثلا، لا تستمد عظمتها من قرار الانتقام فحسب، بل من ذلك السؤال الذي يسبق كلّ فعل ويؤخّره في الآن نفسه، أن تكون أو لا تكون. هذه العبارة التي جاوزت حدود المسرح لتصير سؤالا أنطولوجيا لا تزال حيّةً لأنّها لا تمنحنا خلاصا، بل تضعنا في صميم التمزق الإنساني بين الوجود والعدم، بين الواجب والرغبة، بين الفعل والتفكير. وقد أدرك شكسبير بعبقريةٍ نادرة أنّ الإنسان لا يسقط فقط حين يخطئ في الجواب، بل أيضا حين يغرق في السؤال حتى يصير السؤالُ مصيره.
وهذا ما يجعل الحيرة الأدبية أرقى من مجرّد التباسٍ دلاليّ أو غموضٍ شكليّ. فليس كلّ غموضٍ حيرةًكما أنّ ليس كلّ التباسٍ عمقا. ثمّة غموضٌ ناتجٌ عن عجز الكاتب عن الصياغة وغموضٌ آخر ناتجٌ عن امتلاء التجربة بما يفوق اللغة. الأوّل نقص والثاني فائض. والأدب العظيم لا يشتغل على النقصبل على الفائض؛ فائض المعنى، فائض الإحساس، فائض التناقض وفائض التجربة التي لا تستقيم في خطٍّ مستقيم. وهنا كانت الحيرة البلاغية ليست عيبا في البيان، بل شكلا من أشكال البيان نفسه؛ بيانا لا يكتفي بالإيضاح، بل يكشف أن الإيضاح الكامل وهمٌ وأنّ اللغة مهما اتّسعت تبقى أقلّ من الوجود.
نيتشه
لقد قال نيتشه في ما معناه، إن من يملك “لماذا” يستطيع أن يحتمل أيّ “كيف”، غير أنّ الأدب كثيرا ما يذهب أبعد من ذلك، إذ يعلّمنا أنّ الإنسان قد يعيش عمره كلّه باحثا عن “لماذا” دون أن يظفر بها، وأنّ هذا النقص ليس دائما هزيمة، بل قد يكون أصل المعنى ذاته. إنّ الشخصيات الأدبية الكبرى ليست تلك التي تعثر على تفسيرٍ كاملٍ لما يجري لها، بل تلك التي تظلّ معلّقةً بين التأويلات فتغدو أكثر شبها بنا. فالبشرلا يعيشون بالمعارف المحسومة وحدها، بل يعيشون أيضا بالشكوك التي ترافقهم، بالأسئلة التي لا يملكون لها لغةً كافية، بالفراغات التي تتركها الفواجع وبالندوب التي لا يشرحها المنطق.
ولذلك فإنّ بلاغة الحيرة تتجلّى أوّل ما تتجلّى في قدرة النص على جعل القارئ شريكا في إنتاج المعنى، لا متلقيا سلبيا له. فحين يقدّم الكاتب جوابا مكتملا فإنّه يغلق دائرة القراءة، أما حين يزرع في النص أسئلةً مشروعةً وتوتّراتٍ محسوبةً وصمتا دالا فإنّه يفتح المجال أمام القارئ كي يشارك في إعادة بناء العالم النصّي. وهنا تتحوّل القراءة من استهلاكٍ للمعنى إلى مجاهدةٍ في طلبه ومن تلقٍّ إلى مكابدة. وقد تنبّه رولان بارت إلى شيءٍ من هذا حين ميّز في أفقٍ تأويليّ معروف بين النصّ الذي يُقرأ بسهولة، والنصّ الذي يُنتج لذّته من مقاومته للقارئ، من تمنّعه ومن قدرته على أن يجعل الفهم فعلا لا معطى. فالنصّ الذي لا يقاوم قارئه قليلا بنظري نصٌّ لا يمنحه لذّة الاكتشاف.
إنّ السؤال في الأدب ليس أداةً نحويةً فحسب، بل هو بنيةٌ رؤيوية. قد يرد بصيغة الاستفهام الصريح وقد يتسرّب في هيئة صورة أو مفارقة أو حوارٍ مبتور أو نهايةٍ معلّقة أو شخصيةٍ متشظّية أو زمنٍ منكسر أو راوٍ غير موثوق أو ضميرٍ يتردّد بين الاعتراف والإنكار. وقد تكون الرواية كلّها سؤالا ممتدا عن العدالة أو الذاكرة أو الهويةأو الموت أو الخيانة أو الله أو الوطن أو الحبّ، دون أن تتلفظ بذلك السؤال مرةً واحدة. وهذا من أدقّ وجوه البلاغة؛ أن يُصاغ السؤال من غير أن يُعلَن وأن يُستشعر في نسيج النص قبل أن يُقرأ في جمله.
ولعلّ الشعر هو الحقل الأخصب لهذه البلاغة، لأنّه الفنّ الذي يعرف كيف يجعل من الإيحاء أوسع من التصريح ومن الصمت أبلغ من الإفصاح. فالشاعر الكبير لا يقول لك المعنى كأنّه يسلّمه من يدٍ إلى يدبل يتركه يتشكل في مسافة التوتّر بين اللفظ وظلاله. وقد كان كثيرٌ من الشعر العظيم قائما على الإنصات إلى ما لا يُقال بقدر قيامه على ما يُقال. والمتنبي على سطوعه البيانيّ لم يكن شاعرَ أجوبةٍ نهائية، بل كان في كثيرٍ من لحظاته شاعرَ مأزقٍ وجوديّ وشاعرَ ذاتٍ تتجاوز نفسها ثم ترتدّ عليها. وأبو العلاء المعري على نحوٍ أصرح، جعل من الحيرة مذهبا في النظر حتى بدا شعره كأنّه وقوفٌ طويلٌ على حافّة اليقين لا ليهدمه دائما بل ليختبره. وليس عبثا أن تكون نبرةُ الشكّ والقلق والأسئلة المعلّقة من أبرز ما يمنح شعره ذلك الوهج العقليّ الممزوج بالمرارة.
وفي السرد الحديث تزداد بلاغة الحيرة تعقيدا واتّساعا، لأنّ الرواية الحديثة بخلاف كثيرٍ من الأشكال الكلاسيكية لم تعد معنيّةً بترتيب العالم وفق منطقٍ أخلاقيّ واضح، بل غدت معنيةً بكشف هشاشته. ولم تعد الشخصيةُ بالضرورة نموذجا أخلاقيا أو درسا في العبرة، بل صارت كائنا ملتبسا لا يعرف نفسه إلا بقدر ما يضيع عنها. ولهذا كانت أعمال دوستويفسكي مثلا من أكثر النصوص احتشادا بالحيرة؛ شخصياته لا تتحرّك داخل عالمٍ مطمئنّ، بل داخل مختبرٍ روحيّ ونفسيّ وأخلاقيّ شديد الاضطراب. إنّ راسكولنيكوف لا يربكنا لأنه قتل فقط، بل لأنّه يفتح فينا سؤال الجريمة والضمير والحرية والعدالةويجعل الجواب الأخلاقيّ البسيط غير كافٍ لفهم المأساة. إنّ الأدب هنا لا يبرّر الشرّ لكنه يرفض أن يختزله.
تبرز الحيرة كشكل من أشكال النزاهة الفنية في هذا الامنحى. فالنصّ الذي يختزل الإنسان في معادلاتٍ بسيطة أو يوزّع الخير والشرّ توزيعا مدرسياقد يكون نافعا من جهةٍ تعليمية، لكنه نادرا ما يكون أدبا عظيما. ذلك أنّ الإنسان أكثر تعقيدا من أن يُحسم في تعريف وأكثر اضطرابا من أن يُختصر في موقف وأكثر كثافةً من أن يُفسَّر من زاويةٍ واحدة. إنّ الكاتب الجادّ الذي خبر هشاشة النفس البشرية لا يتعجل الإدانة ولا يفرط في التبرير، بل يترك لشخصياته حقّها في التناقض وللعالم حقّه في الالتباس وللقارئ حقّه في القلق. وهذا كلّه من صميم البلاغة لأنّ البلاغة ليست فنّ الإقناع وحده بل فنّ الإنصاف أيضا.
وقد يُظنّ أنّ الحيرة تناقض الجمال، والحال أنّها كثيرا ما تكون منبعا له. فالجمال الأدبيّ لا يقوم دائما على التناغم، بل قد يقوم على الكسر، على الفجوة وعلى الشعور بأنّ شيئا ما يفلت من القبض. نحن نُفتن بالنصّ لا لأنه يفسّر لنا العالم كلّه، بل لأنه يوقظ فينا الإحساس بأنّ العالم أوسع من كلّ تفسير. وهذا ما جعل كافكا مثلا كاتبا عصيا على الترويض؛ نصوصه لا تمنحك مفاتيحها بسهولة، بل تُدخلك في متاهةٍ وجوديةٍ وقانونيةٍ وأخلاقيةٍ خانقة، حتى تشعر أنّ السؤال نفسه قد صار قدرا. في “المحاكمة” لا نبحث فقط عمّن يحاكم البطل، بل نبحث عمّا إذا كان الوجود ذاته محكمةً غامضةً لا تُفصح عن قانونها. هنا تبلغ الحيرة ذروتها، لا لأنّ النصّ مبهمٌ اعتباطا بل لأنّه يلامس بنيةً من بنيات الوجود الحديث حيث يغدو الإنسان محاصرا بأنظمةٍ لا يفهمها، وبسلطاتٍ لا يرى وجهها وبذنبٍ لا يعرف على وجه التحديد كيف وُلد فيه.
ومن أخصب وجوه هذه البلاغة أيضا أنّها تجعل من الصمت عنصرا فاعلا في تشكيل الدلالة. فليس الكلام وحده هو الذي ينتج المعنى بل ما يُحذف منه وما يُرجأ وما يُلمَّح إليه دون أن يُستكمل. إنّ الفراغ في النص ليس دائما نقصا، بل قد يكون حيّزا للتأويل. وربما كان هذا ما جعل بعض النقاد ينظرون إلى البياضات السرديةوإلى الانقطاعات وإلى النهايات المفتوحة بوصفها مناطق اشتغالٍ قصوى للمعنى. فحين ينتهي النصّ دون أن يغلق كلّ منافذه فإنّه لا يخذل قارئهبل يثق في ذكائهويعترف بأنّ الحقيقة الإنسانية لا تُختتم كما تُختتم التقارير.
بل إنّ بلاغة الحيرة هي احتجاجٌ على وهم الامتلاك الكامل للمعنى. إنها مقاومةٌ أدبية لكلّ سلطةٍ تريد أن تجعل العالم بسيطا أكثر مما هو أو تجعل الإنسان مفهوما أكثر مما يحتمل أو تجعل اللغة مرآةً شفافةً لا عتمة فيها. والكتابة الرفيعة حين تختار السؤال بدل الشعار والالتباس الخلاق بدل التقريرية، إنما تدافع عن كرامة التجربة الإنسانية في وجه كلّ اختزال. ولعلّ هذا ما قصده بعض المفكرين حين رأوا أنّ الأدب لا يقدّم “حقائق” بالمعنى الصارم، لكنه يقدّم ما هو أثمن من كثيرٍ من الحقائق،يقدم إمكان العيش داخل السؤال دون أن ينهار الإنسان.
ولهذا فإنّ الحيرة ليست دائما ضعفا في اليقين، بل قد تكون قوةً في الوعي. فالذي يسأل بعمقٍ ليس أقلّ من الذي يجيب بسرعة، بل قد يكون أكثر نفاذا منه، لأنّه أدرك حدود اللغة وحدود العقل وحدود التجربة. وكما أنّ الفيلسوف الكبير لا يبدأ من ادعاء المعرفة بل من مساءلتها، فإنّ الأديب الكبير لا يبدأ من امتلاك العالم بل من الإنصات إلى شقوقه. وتتعانق هنا الفلسفة والأدب في منطقةٍ نادرة، منطقة الاعتراف بأنّ الإنسان كائنٌ ناقص وأنّ هذا النقص ليس عارا بل أصلُ سعيهوأصلُ إبداعه وأصلُ حاجته إلى الحكاية والقصيدة والمأساة.
إنّ السؤال الأدبيّ حين يُصاغ ببلاغةٍ عالية لا يُربك العقل وحده، بل يهزّ الوجدان أيضا. إنّه لا يسألك ماذا تعرف؟ فقط، بل يسألك من أنت؟ ماذا فقدت؟ ماذا تخفي؟ ماذا تخشى أن تعرف؟ ولهذا كانت بعض الجمل الأدبية أقوى من كتبٍ كاملةلأنها لا تشرح لك العالم بل تكشفك أمام نفسك. وحين يبلغ النص هذه الدرجة من النفاذ يصبح السؤال فيه أكثر من أداةٍ بلاغية؛ يصبح مرآةً وجودية بل ربما جرحا معرفيا لا يلتئم سريعا.
إنّ عظمة النص الأدبي لا تُقاس بقدرته على تبديد الحيرة دائما، بل بقدرته على تهذيبها، على تحويلها من اضطرابٍ خام إلى وعيٍ مركّب ومن قلقٍ معتم إلى بصيرةٍ مؤلمة. فالأدب لا يَعِدُنا بأن يرفع عنا غموض الوجود، لكنه يمنحنا لغةً أكرم لمواجهتهوحساسيةً أعمق لتحمله، وخيالا أوسع للعيش فيه. وهذا في ذاته جوابٌ من نوعٍ آخر، ليس جوابا يغلق السؤال، بل جوابٌ يجعل السؤال أخصب وأشدّ إنسانية وأبقى أثرا.
وحين تبلغ الحيرة في النص الأدبي هذا المقام الرفيع فإنها تكف عن أن تكون مجرد موضوع يُكتب عنه وتصير طريقةً في الكتابة نفسها ومبدأً في تشكّل العبارة ونظاما خفيا في توزيع الضوء والظل داخل المعنى. فالنص الذي يفلح في صناعة الحيرة لا يضع القارئ أمام فراغٍ عدميّ ولا يدفعه إلى متاهةٍ عبثيةٍ فاقدةٍ للاتجاه، وإنما يُدخله في تجربةٍ جمالية وفكرية يكون فيها التردّد جزءا من الحقيقة ويغدو فيها الالتباس أحد وجوه العمق. وهنا تكتسب بلاغة الحيرة منزلتها الدقيقة إذ تشتغل في منطقةٍ حرجة بين الإظهار والإخفاء، بين الإشراق والانحجاب، بين البيان الذي يمنح والسكوت الذي يؤجّل فينشأ من هذا التوتر معنى أكثر خصوبةً وأشدّ مقاومةً للاستهلاك السريع.
إنّ من أظهر الآليات التي تصنع هذه البلاغة حضورُ الاستفهام، غير أنّ الاستفهام الأدبي لا يُفهم على ظاهره النحوي وحده. فقد يرد السؤال في صورة جملةٍ استفهامية صريحة وقد يتشكّل في صورة مشهدٍ ناقص أو اعترافٍ مبتور أو حوارٍ ينقطع عند اللحظة التي ننتظر فيها الحسم. وقد يصير السؤال موزّعا في البنية كلها بحيث لا نلقاه في لفظة “كيف” أو “لماذا” أو “أين”، وإنما نحسّه في تعاقب الصور وفي تشظّي الضمائر وفي انكسار الزمن وفي ارتباك الراوي أمام ما يرويه. ولذلك كانت بعض النصوص تترك في النفس أثر السؤال حتى حين لا يصرّح به، كأنّ اللغة نفسها قد أصبحت في حالة مساءلة وكأنّ الجملة تسير وهي تنظر إلى الوراء تشكّ في قدرتها على أن تقول ما تريد قوله.
وفي هذا المقام تتجلّى براعة الكاتب الحقّ في هندسة الغموض. والغموض هنا ليس غلالةً كثيفةً تُلقى على النص لتمنحه مهابةً مصطنعة وإنما هو اقتصادٌ فنيّ في الكشف وضبطٌ لجرعة المعنى بحيث يبقى متوتّرا متحفّزا قابلاً للتوليد. إنّ النص الرديء يختبئ خلف الإبهام لأنه عاجزٌ عن الإحكام، أمّا النص الكبير فيستثمر الإبهام لأنه يعرف أنّ بعض المعاني تفقد طاقتها متى وُضعت تحت ضوءٍ كامل. فالمشاعر المعقدة والانكسارات العميقة والأسئلة الوجودية والتجارب الحدية التي تمسّ الموت والذنب والعزلة والندم والحنين والقدَر، لا تُقال كما تُقال المعلومات. إنها تحتاج إلى لغةٍ تعرف كيف تقترب دون أن تقتحم وكيف تُلمّح دون أن تبتذل وكيف تترك في المعنى ظلا يكمل ضوءه.
وقد كان الصمت في الأدب واحدا من أكثر الأدوات بلاغةً، لأنّ الصمت ليس غيابا للكلام وإنما هو شكلٌ آخر من حضوره. إنّ الجملة التي تتوقّف عند حدٍّ معيّن، والعبارة التي تنكسر قبل تمامها والمشهد الذي يُترك ناقصا والنهاية التي تمتنع عن الإغلاق الكامل، كلّها صورٌ من صور البلاغة الصامتة التي تجعل القارئ يُتمّ النصّ من أعماقه الخاصة. وقد أدرك كبار الساردين والشعراء أنّ ما يقال كاملا يشيخ سريعا، أمّا ما يظلّ مفتوحا على المشاركة الوجدانية والتأويلية فيحتفظ بقدرته على العيش. ولذلك فإنّ البياضات التي تتركها الكتابة ليست فراغاتٍ ميتة وإنما هي مناطق تنفّسٍ للمعنى ومساحاتٌ يدخل منها القارئ إلى النصّ حاملاً معه ذاكرته وجراحه وخبرته بالعالم.
وتكتسب النهاية المفتوحة مكانتها بوصفها ذروةً من ذرى بلاغة الحيرة. فالنهاية التي تُغلق كلّ شيء قد تُرضي الميل النفسيّ إلى الاطمئنان، غير أنّها كثيرا ما تُفقر النص لأنها تُحول التجربة إلى نتيجة والرحلة إلى خلاصة والتوتّر إلى درس. أمّا النهاية التي تُبقي شيئا معلّقا وتترك في الروح رجفةً لم تستقر فإنها تضمن للنص حياةً أطول. ليست غاية الرواية العظيمة أن تقول لك ماذا حدث فقط وإنما أن تتركك تتساءل عمّا كان يمكن أن يحدث، عمّا كان ينبغي أن يحدث وعمّا لم يُفهم بعدُ من الذي حدث. ولهذا السبب ظلّت بعض النهايات الأدبية أكثر حضورا من أحداثٍ كاملة، لأنها تنتهي وتبدأ في آنٍ واحد وتغلق الصفحة وتفتح في القارئ كتابا آخر.
ويتجلّى هذا على نحوٍ جليّ في الرواية الحديثة، حيث لم يعد السردُ معنيا بإعادة ترتيب العالم وفق منطقٍ سببيّ مريح، وإنما صار معنيا بتمثيل تكسّره الداخليّ. فالرواية الحديثة منذ تحوّلاتها الكبرى في القرن التاسع عشر وما بعده، أخذت تقترب من الإنسان في هشاشته، في تناقضه، في التباس دوافعه وفي اضطراب علاقته بذاته وبالآخرين وبالمصير. ومن هنا كثرت الشخصيات التي لا تعرف نفسها معرفةً مستقرة، والرواة الذين لا يُوثق بكلّ ما يقولون والأزمنة التي تتشظّى بين استرجاعٍ وتوقّعٍ واستيهام والأمكنة التي تتحوّل إلى مرايا نفسية. وفي مثل هذا البناء تصير الحيرة مكوّنا بنيويا في العمل لأن العالم الممثَّل نفسه لم يعد عالما متجانسا. لقد انكسر الإيقاع القديم الذي كانت فيه الحكاية تمضي من سببٍ إلى نتيجةٍ في خطٍّ شبه أخلاقي، وصارت الكتابة أشبه بمحاولة القبض على الارتباك الإنساني في صورته الحيّة.
الكاتب الفرنسي مارسيل بروست
إنّ دوستويفسكي وكافكا وبروست وفيرجينيا وولف وكثير من كبار الساردين قد جعلوا من الحيرة مادةً سرديةً خصبة. ففي أعمال دوستويفسكي تشتبك الضمائر في صراعٍ يلتهمها من الداخل حتى يبدو الإنسان حقلا تتنازع فيه قوى الخير والشرّ والإيمان والتمرّد والرغبة والعقاب. وفي عوالم كافكا يُلقى الإنسان في بنيةٍ غامضةٍ لا يعرف قانونها، فتغدو الحياة نفسها محاكمةً بلا ملفٍّ واضح أو قصرا لا يُفتح بابه أبدا. أمّا بروست فيحوّل الذاكرة إلى متاهةٍ من الاسترجاعات التي تكشف أنّ الزمن لا يُعاش خطا مستقيما، وإنما يُستعاد عبر الشظايا والروائح والارتجافات الخفية. وفي تيار الوعي عند فيرجينيا وولف تتشظى الذات حتى يغدو إدراك العالم متداخلا متردّدا غائما كما لو أنّ الوعي نفسه مرآةٌ مكسورة تعكس الوجود في صورٍ متجاورة.
وفي الأدب العربي الحديث حضرت هذه البلاغة بدرجاتٍ متفاوتة، واتخذت أشكالا مخصوصة بحساسية التجربة العربية وتاريخها الثقيل. ففي بعض الروايات الكبرى عند نجيب محفوظ خاصةً حين يقترب من أسئلة القدر والعدالة والسلطة والزمن، لا نجد شخصياتٍ تتحرّك في فضاءٍ بسيط وإنما نلقى كائناتٍ مشدودةً بين إرثٍ اجتماعيّ يضغط عليها، ورغباتٍ داخليةٍ تستعصي على الضبط وأسئلةٍ أخلاقيةٍ تزداد التباسا كلّما بدا ظاهرُها واضحا. وفي نصوص الطيب صالح يكتسب السؤال بعدا حضاريا ووجوديا في آن، حيث تتصارع الهويات وتتداخل الرغبات ويتحوّل الفرد إلى ساحةٍ للتجاذب بين ثقافتين وذاكرتين وعنفين. وفي بعض نصوص جبرا إبراهيم جبرا وإدوار الخراط وعبد الرحمن منيف تتخذ الحيرة شكلا بنائيا عميقا عبر التقطيع وتعدد الأصوات وارتجاج السرد والتوتّر بين الواقعيّ والرمزيّ.
وفي الشعر العربي الحديث تبلغ بلاغة الحيرة مرتبةً أكثر شفافيةً وتعقيدًا، لأنّ القصيدة بطبيعتها أقرب إلى اقتصاد اللغةوإلى الإيحاء وإلى تفعيل الظلال. فالشعراء الكبار حين يكتبون من عمق التجربة لا يقدّمون تقريرا وجدانيا، وإنما يبنون فضاءً لغويا يتيح للقلق أن يتنفس. عند بدر شاكر السيّاب مثلا، تلتقي الذات الجريحة بأسئلة المطر والمنفى والمرض والموت، فيتحوّل الرمز إلى أفقٍ مفتوحٍ لا يكتمل عند معنى واحد. وعند أدونيس تتشظّى اللغة لتوازي تشظّي الوجود ويغدو السؤال قائما في صلب الصورة والتركيب في العلاقة بين التراث والانفجار، بين الاسم وتحطيم الاسم. وعند محمود درويش تأخذ الحيرة أحيانا هيئةَ حوارٍ بين الذات وصورتها، بين الأرض ومنفاها، بين الحضور والغياب، بين الحياة التي تُراد والزمن الذي يجرّدها من يقينها. ولذلك ظلّت قصائده الكبرى قابلةً لقراءاتٍ متجدّدة، لأنها لم تُختزل في موقفٍ سياسيّ أو وجدانيّ واحد، بل احتفظت بتعدّد الطبقات وبالقدرة على الجمع بين الجرح الشخصي والسؤال الكوني.
ولعلّ من أجمل ما يكشف عن بلاغة الحيرة أنّها تُعيد الاعتبار إلى القارئ بوصفه شريكا في خلق النص. فالقارئ أمام نصٍّ مكتمل الإغلاق يكتفي بالتلقّي ثم يمضي. أمّا أمام نص يُحسن توزيع الغموض ويعرف كيف يزرع الأسئلة ويُبقي في العبارة ما يستدعي الرجوع إليها فإنه يُستدرج إلى عملٍ تأويليّ حقيقيّ. وهنا تتحوّل القراءة من عبورٍ سطحيّ إلى إقامة ومن استهلاكٍ سريع إلى معاشرةٍ طويلة. وليس من المصادفة أن تكون النصوص التي نعود إليها مرارا هي النصوص التي لم تُسلّمنا معناها دفعةً واحدة والتي احتفظت في أعماقها بشيءٍ من العتمة اللامعة. إنّ النصّ العظيم لا يُقرأ مرّةً واحدة؛ لأنه لا يُستنفد مرّةً واحدة.
وهنا أيضا تتبدّى الصلة العميقة بين بلاغة الحيرة والصدق الفني. فالكاتب الذي يعرف الإنسان معرفةً نافذةً لا يجرؤ غالبا على تبسيطه. إنه يدرك أنّ النفس البشرية لا تسير على خطٍّ أخلاقيّ مستقيم، وأنّ المشاعر تختلطوأنّ الدوافع تتعارض وأنّ الخير قد يتلوّث بالرغبة وأنّ الشرّ قد يمرّ عبر الجرح وأنّ الضحية قد تحمل شيئا من عنف جلادها وأنّ الندم قد يتأخّر وأنّ الحب قد يُفسد من حيث أراد النجاة. مثل هذا الوعي لا يطيق الكتابة الخطابية ولا الشخصيات الكرتونية لأنّه يعلم أنّ الأدب متى خان تعقيد الإنسان فقد كثيرا من شرعيته. والحيرة هنا ليست زينةً أسلوبية وإنما أثرٌ من آثار احترام الحقيقة الإنسانية في كثافتها وارتباكها.
وقد قال الجاحظ في سياقٍ مختلف إنّ المعاني مطروحةٌ في الطريق، وإن الشأن في إقامة الوزن وتخيّر اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء وهذه الإشارة البعيدة يمكن أن تُفهم في ضوء حديثنا على نحوٍ آخر،فالقضايا الكبرى معروفةٌ في ظاهرها؛ الحب، الموت، الزمن، الغربة، الخيانة، الذاكرة، المصير. غير أن القيمة الأدبية لا تقوم في تسمية هذه المعاني، وإنما في الكيفية التي تُجعل بها حيّةً من جديد، وفي الطاقة البلاغية التي تحوّل المألوف إلى سؤال والمعروف إلى دهشة والمجرَّب إلى اكتشاف. وقد كانت الحيرة أحد أسرار هذه الولادة الثانية للمعنى، لأنّها تُحرّر التجربة من التقريرية وتعيد إليها قلقها الأول.
وقد عبّر ريلكهفي وصيته الشهيرة إلى الشاعر الشاب عن معنى بالغ الصلة بهذا المقام حين دعا إلى “محبة الأسئلة نفسها”، لأنّ الأسئلة في نظره ليست عجزا مؤقتا، وإنما شكلٌ من أشكال النضج الروحي الذي يتعلّم أن يسكن المجهول. وهذه العبارة على ما فيها من إشراقٍ تأمّليّ تكاد تصلح مفتاحا لبلاغة الحيرة في الأدب، فالنصوص الكبرى لا تتعجّل امتلاك الحقيقةوإنما تُقيم في جوارها، تدور حولها، تختبر ظلالها، تُصغي إلى صمتها وتُدرك أنّ بعض الحقائق لا تُمنح في صورة جواب وإنما تُعاش في صورة سؤال طويل.
ولذلك فإنّ الحيرة حين تبلغ مرتبتها الفنية العليا تتحوّل من قلقٍ إلى معرفةومن اضطرابٍ إلى بصيرة ومن ارتباكٍ إلى حساسيةٍ أكثر رهافةً تجاه العالم. إنّها لا تُلغي اليقين كلّه، لكنها تُهذّبه، تُنقّيه من الغرور وتُذكّرنا بأنّ ما نعرفه أقلّ ممّا نحتاج إليه، وأنّ اللغةمهما سمت تبقى تحوم حول أشياء يستحيل القبض عليها نهائيّا. وفي هذا المعنى يكون الأدب مدرسةً في التواضع المعرفي لأنه يعلّمنا أنّ الإنسان ليس سيّد المعنى المطلق وإنما كائنٌ يقترب، يلمس، يتأمّل، يتعثر ويعود إلى السؤال من جديد.
وإذا كانت بعض العصور تميل إلى تمجيد الخطابات الحاسمة والشعارات الجاهزة والتفسيرات السريعة، فإنّ الأدب الرفيع يظلّ مقاومةً لهذه العجلة الروحية. إنه يذكّرنا بأنّ الوجود لا يُختصر في جواب وأنّ النفس لا تُقرأ كما تُقرأ اللوائح وأنّ الألم لا يُحلّ بمعادلة وأنّ الحبّ لا يُفسَّر بحدٍّ منطقي وأنّ الموت يظل مهما كثرت حوله الكلمات جدارا من الغيب يقف أمامه الإنسان صامتا مذهولامتسائلا. ومن أجل ذلك تبقى الحيرة في الأدب علامةَ حياة لأن السؤال لا ينبثق إلا من ذاتٍ ما تزال تنبض وما تزال ترفض أن تختزل العالم في قوالب مريحة.
يظهر أنّ بلاغة الحيرة ليست منزلةً ثانويةً في النص الأدبي وإنما هي من أخصّ خصائصه حين يسمو إلى مرتبة الإبداع الحقّ. فهي التي تحفظ للمعنى حركته وللقارئ دوره وللشخصية تعقيدها وللّغة كثافتها وللتجربة الإنسانية كرامتها. وهي التي تجعل الأدب أكثر من حكايةٍ تُروى وأكثر من فكرةٍ تُشرح وأكثر من موقفٍ يُعلن. إنها تجعل منه فضاءً يُختبر فيه الإنسان على حقيقتهكائنا يسأل أكثر مما يجيب ويعاني أكثر ممّا يفسر ويشعر أكثر ممّا يعرّف ويعيش بين ما يدركه وما يعجز عن تسميته.
إنّ النصوص التي تُنسى سريعا هي غالبا تلك التي تُسلّم قارئها كلّ شيء في أوّل لقاء، أمّا النصوص التي تسكن الذاكرة فغالبا ما تكون قد تركت فيها شوكةً من سؤال ورجفةً من معنى وندبةً من تأويلٍ لم يكتمل. فالأدب في ذروته لا يطفئ الحيرة وإنما يمنحها شكلا أجمل ولغةً أعمق وإيقاعا أرحم. يُحوّلها من فوضى داخلية إلى بناءٍ روحي ومن غموضٍ خانق إلى عتمةٍ مضيئة ومن قلقٍ مبعثر إلى تجربةٍ يمكن احتمالها لأنّها صارت قابلةً للقول ولو على نحوٍ ناقص.
ويغدو السؤال في النص الأدبي أعمق من الجواب لأنّ الجواب ينتهي عند حدوده، أمّا السؤال الحق فيتجاوز نفسه ويمتدّ في القارئ ويواصل عمله في الوجدان والذاكرة والضمير. وحين ينجح الكاتب في أن يجعل قارئه يخرج من النص وفي نفسه شيءٌ لم يُحسم وشيءٌ لم يُفهم كلّيا وشيءٌ لم يعد كما كان قبل القراءة فإنّه يكون قد بلغ غايةً من أرفع غايات الأدب. هناك في تلك المنطقة المعلّقة بين الفهم والدهشة، بين القرب والاستعصاء وبين البيان والسكوت تولد بلاغة الحيرة في أنقى صورها فنا يصون سرّ الإنسان من الابتذال ويجعل من الأسئلة مقاما من مقامات الجمال ومن عدم الاكتمال صورةً من صور الكمال الممكن في الكتابة.