أدب

الكتابة بوصفها إعادة اختراع للحياة

د. حمزة مولخنيف 

د. حمزة مولخنيف. المملكة المغربية

في قلب التجربة الإنسانية تقيم الكتابة بوصفها واحدةً من أبهى معجزات الروح وأشدّها التباساً؛ إذ لا تنهض مجردَ وسيلةٍ للإفصاح، ولا تستقر عند حدود البيان، بل تتجاوز ذلك إلى مرتبة الفعل الخلاق الذي يعيد للوجود صيغته الممكنة ويمنح العمر صورةً أصفى من مادته الأولى. فالإنسان لا يكتفي بأن يعبر في الزمن عبور الكائنات الصامتة ولا يرضى أن يسلّم أيامه إلى التبدد كما تُسلَّم الأشياء العابرة إلى النسيان وإنما يحمل في أعماقه توقاً دفيناً إلى أن يخلع على ما عاشه هيئةً قابلةً للفهم وأن ينتزع من فوضى الخبرة نظاماً يليق بكرامة الوعي. ومن هذا التوق العميق وُلدت الكتابة لا باعتبارها أثراً ثانوياً للحياة بل باعتبارها إحدى طرائقها العليا في الاكتمال ومسلكاً من مسالك الروح إلى استرداد ما يتفلت من قبضة العيش المباشر.

والحياة في مادتها الخام لا تمنح ذاتها على صورةٍ مكتملة؛ تتوزع في الشظايا وتتبدد في العابر وتختلط فيها الرغبات بالخيبات والذاكرة بالنسيان واليقين بالالتباس، حتى يغدو الإنسان في كثير من أحواله أقرب إلى من يعيش أكثر مما يفهم ويعبر أكثر مما يمتلك المعنى. وتكتسب الكتابة هنا منزلتها الرفيعة؛ لأنها لا تنقل الواقع كما هو بل تنقذه من عماه ولا تكرر العالم في صورته الجاهزة بل تعيد ترتيبه في أفق الرؤية ولا تحفظ التجربة في أرشيف الألفاظ بل تردها إلى جوهرها بعد أن تُمحِّصها نار التأمل وتُهذِّبها يد الصياغة وتُدخلها في نظام المعنى. بذلك تغدو الكتابة فعلاً من أفعال الخلق الرمزي، وصنعةً نبيلةً تتكفّل بإعادة بناء ما تهدمه الأيام في الداخل وتمنح الإنسان فرصةً ثانيةً لكي يسكن ذاته والعالم على نحوٍ أكثر وعياً وأشدّ صفاءً.

فما من كتابةٍ عظيمة إلا وفي باطنها رغبةٌ في إنقاذ شيءٍ من الضياع ، ذكرى مهددة بالمحو أو شعور يتعذر القبض عليه أو جرح يطلب لغةً تُخرجه من عماه أو معنىً يوشك أن يسقط في هوة الصمت. ومن ثمّ تغدو الكتابة ضرباً من مقاومة الفناء لا بالمغالبة الساذجة لقانون الزمن بل بتحويل الزائل إلى أثر والعابر إلى دلالة والخاص إلى خبرةٍ إنسانيةٍ مشتركة. وبقدر ما يتقدم الإنسان في هذا المسلك يكتشف أن الكلمات لا تُستعمل فقط لقول الحياة بل تُستدعى أيضاً لإعادة اختراعهاوصوغها في هيئةٍ أعمق من ظاهرها وأبقى من مادتها وأقدر على حمل ما يفيض فيها من قلقٍ وحنينٍ وتوقٍ إلى المعنى.

ويغدو النظر إلى الكتابة بوصفها إعادة اختراع للحياة مدخلاً إلى فهم وظيفتها الوجودية والجمالية معاً؛ إذ تتكشف بوصفها معملَ الذات وهي تعيد تركيب خبرتها ومختبرَ الوعي وهو يفتش عن صورةٍ أعدل للعالم وفضاءً تتصالح فيه الذاكرة مع جراحها والروح مع أسئلتها والإنسان مع هشاشته النبيلة. ومن هنا ينفتح هذا التأمل على مساءلة الكتابة لا باعتبارها حرفةً من حِرَف الثقافة بل باعتبارها فعلاً من أفعال السيادة الروحية على الفوضى ووجهاً من وجوه الخلاص الرمزي وطريقاً يبتكر به الإنسان حياةً أخرى داخل الحياة؛ حياةً أكثر قدرةً على الفهم وأكثر أهليةً للبقاء وأكثر استحقاقاً لأن تُعاش.

حين يضيق العالم بما فيه وتصير الحياة أقلَّ من أن تُحتمل في صورتها الخام، لا يجد الإنسان أمامه سوى أن يعيد ترتيب الفوضى وأن يمنح الوجود هيئةً أخرى أكثر قابليةً للفهم والاحتمال. ولم تكن الكتابة في عمقها مجرد أداة للتعبير ولا مجرد تقنية لغوية لتصريف المعنى، بل فعلاً وجودياً خالصاً وعملاً من أعمال الخلق الرمزي ومحاولة مستمرة لإعادة اختراع الحياة حين تعجز الحياة عن أن تُعطي نفسها معناها من تلقاء ذاتها. فالكتابة لا تنقل العالم كما هو وإنما تنقذه من خامته الأولى وتنتشله من عريه المادي وتعيد صوغه في صورة أخرى أكثر كثافةً وأكثر شفافيةً وأكثر قدرةً على احتضان ما يتعذر على الواقع المباشر أن يفصح عنه.

ولعل من أفدح الأوهام التي علقت بتاريخ النظر إلى الكتابة أن تُفهم بوصفها مرآةً تعكس الأشياء أو أرشيفاً يحفظ الوقائع أو لساناً ينوب عن الذات في لحظة الإفصاح. ذلك أن الكتابة في أرفع تجلياتها ليست انعكاساً بل إبداع، وليست نقلاً بل تحويل وليست تقريراً بل تأسيس. إنها لا تكتفي بأن تقول ما جرى بل تخلق ما لم يكن ليجري لولا أنها قالته. ولهذا لم يكن كبار الأدباء والمفكرين يكتبون لأنهم يملكون أجوبة نهائية، بل لأنهم كانوا عبر الكتابة يصنعون لأنفسهم إمكاناً جديداً للعيش ويبتكرون سبيلاً آخر للعبور في متاهة العالم. وقد أصاب مارسيل بروست حين جعل من الأدب لا وصفاً للحياة بل حياةً أخرى أكثر حقيقة من الحياة نفسها لأن الحقيقة عنده لا تُعثر عليها في ظاهر التجربة وإنما تُستخرج من طبقاتها الخفية عبر عمل الذاكرة واللغة. إن الحياة المعاشة في مباشرتها اليومية كثيراً ما تكون مبتورة مفككة ناقصة الدلالة، أما الحياة المكتوبة فهي حياة خضعت لامتحان التأمل وعبرت في مصفاة الحساسية واكتسبت من اللغة انتظاماً لا يتوافر لها في الطبيعة الأولى.

إن الإنسان لا يعيش مرة واحدة وإن بدا له ذلك؛ إنه يعيش مرات عديدة بقدر ما يستطيع أن يؤول وأن يتذكر وأن يحكي وأن يعيد بناء ما انكسر فيه وفي العالم. إن الكتابة ليست لاحقة على الحياة، بل هي أحد أشكال تحققها الأعمق. فالذي يكتب لا يصف عمره فقط بل يصنع عمره من جديد؛ والذي يدوّن الألم لا يحفظه فحسب بل يبدله من جرحٍ أعمى إلى معرفة؛ والذي يستعيد الحب في الكلمات لا يكرر عاطفةً انقضت بل يمنحها خلوداً لم يكن ممكناً لها في الزمن العابر. هنا تحديداً تكمن الوظيفة الوجودية للكتابة، إنها تحول الزائل إلى دلالة والعابر إلى أثر والصدفة إلى مصير والفوضى إلى شكل.

رولان بارت

وقد كان رولان بارت في غير موضع من كتاباته شديد الوعي بأن اللغة ليست وعاءً محايداً وأن الكتابة ليست قناة بريئة بل هي اختيار أنطولوجي وجمالي في آن واحد. فالكاتب لا يستعمل الكلمات كما يستعمل الحرفي أدواته الخارجية، بل يدخل في صراع معها ويخضع عبرها لاختبار داخلي لأن كل كتابة تتضمن رؤية للعالم وطريقةً في تقطيع الواقع وأسلوباً في توزيع الضوء والظل على الأشياء. ولذلك فإن إعادة اختراع الحياة تبدأ من إعادة اختراع اللغة نفسها. إن الحياة التي تُقال بلغة مستهلكة مكررة متداولة تظل حياةً مُعادَة فقيرة خاضعةً لموروث التعبير الجاهز؛ أما الحياة التي تُكتب بلغة متوترة يقظة مبدعة فإنها تُولد من جديد. ليست المسألة هنا ترفاً أسلوبياً ولا نزوة شكلية بل مسألة وجود. فاللغة الميتة لا يمكن أن تنتج حياةً جديدة، والعبارة المستنفدة لا يمكن أن تحمل تجربةً حيّة.

ولذلك كان فلوبير في هوسه بما سماه “الكلمة الدقيقة” يدرك أن الدقة ليست مطلباً بلاغياً فحسب بل شرطٌ من شروط العدالة تجاه العالم. فالشيء لا يُولد في الوعي إلا حين يجد اسمه اللائق، والوجدان لا يتجسد إلا حين يعثر على إيقاعه الملائم، والحياة لا تُستعاد إلا حين تُمنح العبارة التي توازي عمقها. إن الكاتب الحق لا يكتب لأنه يعرف سلفاً ما يريد أن يقول، بل لأنه يبحث في اللغة عمّا لم يكن يعرفه عن نفسه وعن العالم. من هنا كانت الكتابة شكلاً من أشكال الاكتشاف لا مجرد إعلان. إنها ليست عرضاً للمعنى بل مختبراً لتكوّنه.

وإذا كانت الحياة في صورتها المباشرة تُعاش تحت ضغط الضرورة، فإنها في الكتابة تُستعاد تحت أفق الحرية. ذلك أن الإنسان في الواقع محكوم بسلسلة من الشروط: الجسد والزمن والمجتمع والتاريخ والخسارات والقيود المادية والالتزامات اليومية. أما في الكتابة فإنه دون أن يُلغِي هذه الشروط يعيد توزيعها ويعيد تأويلها ويعيد بناء علاقته بها. قد لا يستطيع أن يردَّ الموت في الواقع، لكنه يستطيع أن يُبطئه في السرد وأن يحفظ الغائبين من محو النسيان وأن يجعل الفقد قابلاً للإقامة في الذاكرة بدل أن يكون مجرد انقطاعٍ مفجع. وقد لا يستطيع أن يغير ما وقع، لكنه يستطيع أن يغير معناه وأن يحرر نفسه من سطوة الحدث بتحويله إلى نص. ولهذا قال بول ريكور في سياق تأمله للعلاقة بين السرد والهوية، إن الإنسان يفهم نفسه عبر الحكاية التي يرويها عن نفسه. فالذات ليست معطىً نهائياً بل هي بناء سردي متجدد، والكتابة إحدى أخصب الأدوات التي يعيد بها الإنسان تشييد هذا البناء.

وليس معنى ذلك أن الكتابة تعزية رقيقة فحسب أو تعويض نفسي لطيف كما قد يتوهم بعض من ينظرون إليها بعينٍ نفعية أو سيكولوجية ضيقة؛ إنها قبل ذلك وبعده فعل مقاومة. فالكتابة تعارض العدم وتخاصم التلاشي وتنازع النسيان وتواجه تسلط الواقع بسلطة الرمز. حين يكتب الإنسان فإنه يعلن — ولو في صمت — أنه يرفض أن يكون مجرد رقم في إحصاء الزمن أو جسداً يمرّ ويضمحلّ دون أثر. الكتابة بهذا المعنى هي احتجاج الإنسان على هشاشته ومحاولته النبيلة لأن ينتزع من فنائه ما يصلح للبقاء. وما أجمل ما قاله ألبير كامو حين رأى أن الإبداع هو الشكل الأعلى للتمرد، لأن الفنان لا يكتفي برفض العالم كما هو بل يطالبه بأن يكون على صورةٍ أعدل وأشد انسجاماً وأكثر استحقاقاً للإنسان.

ومن هنا أيضاً نفهم لماذا كانت الكتابة الكبرى لا تُنتج من قلب الرضا الساذج، بل كثيراً ما تُولد من شرخٍ داخلي ومن نقصٍ ما ومن قلقٍ لا يهدأ ومن مسافة مؤلمة بين الإنسان وما يعيشه. فالذي يكتفي بالعالم كما هو لا يحتاج إلى أن يعيد اختراعه، أما الذي يشعر بأن العالم أقل من إمكانه أو أكثر قسوةً من احتماله أو أشد التباساً من أن يُسلَّم له بلا مساءلة فإنه يلوذ بالكتابة لا هرباً من الواقع بل سعياً إلى امتلاكه على نحو أعمق. إن الكتابة لا تنشأ دائماً من الوفرة بل كثيراً ما تنشأ من الفقد؛ لا تنشأ من الاكتمال بل من التصدع؛ لا تنشأ من اليقين، بل من الحاجة المُلِحّة إلى صياغة معنى لما لا يُحتمل. وقد سبق أن قال كافكا في عبارته الشهيرة التي صارت من علامات الوعي الحديث بالكتابة: “الكتاب يجب أن يكون الفأس التي تكسر البحر المتجمد في داخلنا”. وهذه العبارة على وجازتها تُلخّص جوهر الكتابة بوصفها إعادة اختراع للحياة لأنها لا تجعل الكتابة تزييناً للوجدان بل عملية كسرٍ داخلي وتحريرٍ للطاقات المكبوتة وفتحٍ لمسالك جديدة في الكينونة.

إن ما يفعله الكاتب في أعمق مستوياته هو أنه يُنقذ التجربة من سطحيتها. الحياة اليومية مهما كانت غنية معرضة لأن تُستهلك في التكرار وأن تتبدد في تفاصيلها الصغيرة وأن تضيع في زحمة العادة. لكن الكتابة تعيد منح اليومي هيبته وتكشف عن الميتافيزيقي الكامن في العابر وعن الفلسفي المتخفي في المألوف وعن الشعري المستتر في أكثر الأشياء اعتياداً. لقد كان بودلير مثلاً، من أوائل من اكتشفوا أن المدينة الحديثة — بما فيها من ضجيجٍ وقبحٍ وازدحام — ليست نقيض الشعر بل مادته الجديدة. لم ينتظر من العالم أن يكون جميلاً حتى يكتبه بل صنع من القبح نفسه مادةً للجمال ومن التفسخ الحضري منجماً للرؤيا. وهذه القدرة على تحويل المادة الخام مهما بدت مبتذلة أو قاسية إلى خبرة جمالية ومعرفية هي عين ما نعنيه بإعادة اختراع الحياة. فالكاتب لا يختار دوماً حياةً استثنائية ليكتبها بل يجعل من الكتابة نفسها الأداة التي تُضفي على الحياة طابعها الاستثنائي.

وإذا كانت الذاكرة خزّاناً للتجربة فإن الكتابة هي هندسة هذه الذاكرة. فالإنسان لا يتذكر كما وقع الأمر تماماً، بل كما صار قابلاً لأن يُروى. إن الذاكرة كما نعرف من تأملات برغسون وبروست معاً، ليست مستودعاً محايداً للوقائع بل هي فعل انتقاء وإعادة ترتيب وتشكيل باطني للزمن. والكتابة تُعمّق هذا الفعل لأنها لا تستعيد الماضي كما هو بل تستخرجه من ركامه وتعيد سبكه في بنية تمنحه معنىً لم يكن بادياً ساعة وقوعه. ما كان ألماً عارياً يصبح في الكتابة تجربةً مفهومة؛ وما كان فشلاً خاصاً قد يصير حكمةً إنسانية عامة؛ وما كان تفصيلاً منسياً قد يغدو مفتاحاً لقراءة عمرٍ كامل. إن الكاتب لا يكتب الماضي لكي يحنّ إليه فقط، بل لكي يُنقذه من عماه، ولكي يمنحه صورةً يمكن أن تُرى من خلالها الذات والعالم على نحوٍ أوضح.

ومن أجمل المفارقات أن الكتابة وهي تبدو فعلاً فردياً بامتياز، إنما تحقق في عمقها أكثر أشكال المشاركة الإنسانية نبلاً. فالكاتب حين يذهب بعيداً في خصوصيته لا ينغلق في عزلةٍ عقيمة، بل كثيراً ما يبلغ ما هو أعمق في المشترك الإنساني. ذلك أن التجربة الصادقة إذا كُتبت بصدقٍ جمالي ومعرفي تتحول من حادثة ذاتية إلى مرآة للآخرين. ومن هنا كانت الأعمال العظيمة لا تظل حبيسة سير أصحابها، بل تصير جزءاً من سيرة الإنسانية نفسها. لقد عاش دوستويفسكي قلقه الخاص وكتب جراحه الروحية والفكرية، لكنه لم يترك لنا مجرد اعترافات فردية بل منحنا مختبراً هائلاً للنفس البشرية، حيث تتصارع الحرية والإثم، الإيمان والشك، الكبرياء والانكسار. لقد أعاد اختراع حياته في النص فإذا بالنص يعيد اختراع قرائه أيضاً.

إن القارئ نفسه لا يخرج من الكتابة كما دخل إليها. فهو لا يستهلك نصا بل يمرّ عبر تجربة وجودية بديلة، ويجرّب شكلاً آخر من السكن في العالم. لهذا كان بورخيس يرى أن الجنة إن كانت موجودة فلا بد أن تكون على هيئة مكتبة. وليس في هذا القول مجرد احتفاء رومانسي بالكتب، بل إدراك عميق بأن المكتبة هي مستودع الحيوات الممكنة وأن القراءة — شأنها شأن الكتابة — ليست هروباً من الحياة بل توسعةٌ لحدودها. إن الإنسان الذي يقرأ كثيراً يعيش أكثر من عمر، والذي يكتب بحقّ يمنح الآخرين أعماراً إضافية لم يكونوا ليحظوا بها لولا النص.

ولذلك لا ينبغي أن تُفهم الكتابة بوصفها نشاطاً ثقافياً جانبياً، أو زينةً ذهنية تخصُّ النخبة بل بوصفها من أعمق الوسائط التي ابتكرها الإنسان لكي لا يسقط نهائياً تحت ثقل العالم. إنها ليست ترفاً في أزمنة القلق بل قد تكون ضرورةً قصوى. ففي اللحظات التي تتشظى فيها المعاني وتفقد اللغة العامة قدرتها على التفسير وتغدو الحياة نفسها مهددةً بالابتذال أو العنف أو العبث تظهر الكتابة بوصفها فعلاً من أفعال الإنقاذ. لا لأنها تقدّم حلولاً جاهزة بل لأنها تُعيد للإنسان قدرته على النظر وعلى التسمية وعلى المساءلة وعلى ترتيب الفوضى في صورة يمكن احتمالها.

ومن هنا أيضاً نفهم أن الكاتب الحقيقي ليس ناسخاً للحياة، بل شريكٌ في صنعها. إنه لا يقف عند حدود الواقع بل يتجاوزه إلى إمكانه. لا يرضى بما هو كائن بل يفتش عمّا ينبغي أن يكون أو عمّا كان يمكن أن يكون أو عمّا لا يُرى إلا إذا أضاءته العبارة من الداخل. وقد عبّر نيتشه بطريقته الصاعقة عن هذه الفكرة حين جعل من الفن “المهمة الميتافيزيقية الحقيقية لهذه الحياة”. وإذا كان الفن بهذا المعنى يبرر الوجود فإن الكتابة — بوصفها أحد أرقى أشكال الفن الروحي — تمنح الحياة فرصةً ثانية لكي تُفهم وفرصةً ثالثة لكي تُحتمل وربما فرصةً رابعة لكي تُحبّ.

غير أن هذه الفرصة لا تُنال بيسر، لأن الكتابة نفسها ليست طريقاً معبّداً بل محنة من نوع خاص. إنها تتطلب من صاحبها شجاعة النظر في العتمة والقدرة على احتمال الصمت والاستعداد لمواجهة الذات دون أقنعة والوفاء لما يسميه ريلكه “الضرورة الداخلية”. فالكتابة العظيمة لا تُنجز لأن الكاتب أراد أن يملأ فراغاً أو أن يراكم صفحات أو أن يستجيب لمطلب خارجي؛ إنها تُنجز حين تصبح الكتابة قدراً داخلياً وحين يغدو الصمت أشدَّ استحالةً من الكلام. ولهذا كان ريلكه ينصح الشاعر الشاب ألا يكتب إذا استطاع ألا يكتب؛ فإن وجد أنه لا يستطيع إلا أن يكتب فحينئذ فقط يكون قد اقترب من معنى الكتابة الحق. في هذه النقطة تبلغ الكتابة ذروتها الوجودية، إنها ليست قراراً مهنياً بل ضرورة كينونية.

وحين تبلغ الكتابة هذا المقام، لا تعود مجرد نصوص تُقرأ بل تصبح شكلاً من أشكال الحياة نفسها، بل ربما أرقى أشكالها. إذ يصير الإنسان عبرها أقلَّ خضوعاً لما فُرض عليه وأكثر قدرةً على أن يصوغ نفسه بنفسه وأن يبتكر من كسور أيامه بنيةً ذات معنى. وليس غريباً بعد ذلك أن يكون أعظم الكتّاب هم أولئك الذين لم يكتفوا بوصف العالم بل بدّلوه في وعينا وجعلونا نراه على نحوٍ لم نكن نراه من قبل.

وإذا كانت الكتابة في مبدئها الأول ضرباً من إعادة تشكيل الخبرة الإنسانية حتى لا تظلّ مبعثرةً في هوامش العيش اليومي، فإنها في مداها الأقصى ليست إلا محاولةً جليلةً لإعادة بناء الذات ذاتها لا بوصفها معطىً جاهزاً بل بوصفها مشروعاً مفتوحاً على التكوين والتجاوز. فالإنسان في عمق كينونته لا يُعطى لنفسه دفعةً واحدة ولا يمتلك صورته النهائية في لحظةٍ ما من لحظات العمر، وإنما يتشكّل على مهلٍ، عبر التجارب والانكسارات والخيبات والوعود المؤجلة، والذكريات التي لا تكفّ عن إعادة تأويل نفسها. ومن ثمّ كانت الكتابة في أحد أنبل معانيها ليست مجرد تدوينٍ لما نحن عليه، بل سعياً إلى أن نصير ما لم نكنه بعد. إنها لا تكتفي بأن تعكس الهوية بل تسهم في صنعها؛ لا تصف الكائن كما هو بل تفتحه على ممكناته المؤجلة.

لهذا السبب بالذات لا يجوز أن ننظر إلى النصّ بوصفه حصيلةً لغويةً مغلقة أو منتجاً نهائياً منفصلاً عن صاحبه لأن النصّ الحقّ هو ــ في حقيقته ــ أثرُ معركةٍ داخليةٍ طويلة بين الإنسان وصورته عن نفسه، بين ما عاشه وما عجز عن عيشه، بين ما عرفه وما ظلّ عصيّاً على القبض. وقد كان ميشيل دو مونتين في مقالاته الشهيرة، واعياً بهذا المعنى على نحوٍ مبكرٍ ولافت؛ فهو لم يكن يكتب ليقدّم نسقاً فلسفياً متماسكاً بالمعنى المدرسي ولا ليصوغ تعاليم نهائية تُعلّق على جدران الحكمة، بل كان يكتب ليختبر ذاته وهي تتكوّن وليصغي إلى تقلباتها وليمنح التناقض الإنساني شرعيةَ الظهور في النص. لذلك بدا مشروعه كله أقرب إلى سيرةٍ متفلسفةٍ للوعي وهو يتعرّف على نفسه في مرايا الكتابة. وهذا بالضبط ما يجعل الكتابة إعادة اختراع للحياة، لأنها لا تمنحنا فقط لغةً لوصف ما نحن عليه بل تهيّئ لنا شروطاً دقيقةً لكي نصير أكثر وعياً بما نحن عليه وأكثر قدرةً على تجاوزه.

ولعلّ أخطر ما في الحياة أنها تُعاش غالباً تحت ضغط العجلة فيغدو الإنسان أقلّ من أن يرى نفسه رؤيةً صافية. تتلاحق الأيام وتتزاحم الالتزامات وتتداخل الأصوات حتى يكاد المرء يفقد الصلة الداخلية بما يحدث له حقا. هنا تتدخل الكتابة بوصفها وقفةً أنطولوجيةً في وجه اندفاع الزمن. إنها لا توقف الساعة بطبيعة الحال لكنها توقف المعنى من أن يتبدّد. إنها تمنح الكائن فرصةً نادرةً لكي ينظر إلى نفسه لا من داخل الدوامة فحسب بل من نقطةٍ تأمليةٍ أعلى يرى منها ما غاب عنه وهو في صلب العيش. ولذلك كانت الكتابة في أصفى وجوهها ضرباً من ضروب الاستبطان الخلاق؛ فهي لا تحبس الذات داخل ذاتيتها الضيقة وإنما تحررها من عمى المباشرة وتعيدها إلى نفسها وقد اكتسبت مسافةً نقديةً ومعرفيةً لا تتوافر لها في صخب الحياة اليومية.

ومن هنا أيضاً يتّضح أن الكتابة ليست مجرد فعل تذكّر بل فعلُ انتقاءٍ وتأويلٍ وتركيب. فالذاكرة الخام لا تكفي لصنع نص كما أن التراكم الوقائعي لا يكفي لصنع حياةٍ ذات معنى. ليس المهم أن نتذكر كل شيء بل أن نهتدي وسط هذا الركام الهائل من الوقائع إلى ما يستحقّ أن يُستعاد وإلى الصيغة التي تجعل استعادته ذات جدوى إنسانية. ولذلك فإن الكاتب لا يسترجع الماضي كما يسترجع أمينُ محفوظاتٍ وثيقةً من أرشيف بل يستحضره كما يستدعي الخالقُ مادته الأولى قبل أن يهبها شكلاً جديداً. إن ما يقع في الكتابة ليس بعثاً ميكانيكياً للماضي بل إعادة خلقٍ له. فالطفولة التي نكتبها ليست هي الطفولة كما كانت في بساطتها الأولى بل الطفولة كما أضاءتها المسافة وكما نضجت في الوعي وكما صارت قابلةً لأن تُفهم في ضوء ما تلاها من حياة. والحبّ الذي نكتبه ليس هو الحبّ كما ارتجف في لحظته المباشرة فحسب، بل كما أعادت اللغة تهذيبه وتخليصه من فوضى الانفعال ليصير خبرةً قابلةً للتأمل والتقاسم.

وليس من قبيل المصادفة أن كثيراً من النصوص العظيمة قد كُتبت من تخوم الجرح ومن حوافّ الفقد ومن عمق الشعور بأن الحياة في صورتها المباشرة غير كافيةٍ لأن تُحتمل أو تُفهم أو تُغفر. فالكتابة في هذه الأحوال لا تكون ترفاً جمالياً بل تصبح ضرورةً وجوديةً لا غنى عنها. إنها بمثابة الصنعة التي يحوّل بها الإنسان ألمه من مجرّد نزيفٍ داخلي إلى بناءٍ دلالي ومن مجرد تجربةٍ خاصة إلى معرفةٍ قابلةٍ للتداول الإنساني. وهذا ما يفسّر لماذا ظلّ الأدب عبر العصور أقرب إلى مختبرٍ للآلام الإنسانية الكبرى منه إلى معرضٍ للزخارف الأسلوبية. فدوستويفسكي لم يكن يكتب لكي يُدهشنا بتعقيد الشخصيات وحسب، بل لكي يقتحم المناطق الأكثر عتمةً في النفس البشرية ويحوّل الصراع الداخلي إلى مادةٍ للفهم. وفرجينيا وولف لم تكن تُصغي إلى تيار الوعي لمجرد مغامرةٍ تقنية بل لأنها كانت تبحث في أعماق التصدّع النفسي والوجودي عن صيغةٍ جديدةٍ لقول الحياة من داخل هشاشتها.

ولعلّ هذا هو المعنى العميق لما قاله موريس بلانشو حين ربط الكتابة بما هو أقرب إلى منطقة الخطر، إذ رأى فيها اقتراباً من “الليل” الذي لا يُرى في وضح الواقع اليومي. فالكتابة لا تتحرك دائماً في منطقة الطمأنينة بل كثيراً ما تنبثق من تماسٍّ مقلقٍ مع ما لا يُقال بسهولة، مع الغياب ومع الموت ومع الفشل ومع اللامعنى ومع الصمت الذي يتجاوز الطاقة العادية للكلام. لكن عظمة الكتابة تكمن في أنها لا تستسلم لهذا الصمت بل تحاوره وتشق في جداره نافذةً وتحوّل الرهبة إلى بيان. إن الكاتب الحق لا يبدد الظلمة كلها لكنه يجعلها قابلةً للرؤية. ومن هنا كانت الكتابة ليست إنكاراً للمأساة بل صياغةً لها في مستوى أرفع بحيث لا تظلّ مجرد قسوةٍ عمياء بل تصير سؤالاً وتأملاً وربما حكمةً مُرّة.

ومن أخصب الزوايا التي تتجلّى فيها الكتابة بوصفها إعادة اختراع للحياة علاقتها بالموت لا باعتباره نهايةً بيولوجيةً فحسب، بل بوصفه أفقاً دائماً يحيط بكلّ معنى إنساني. فالحياة لولا قابليتها للزوال لما احتاجت إلى كل هذا الجهد الرمزي لكي تثبّت نفسها في الأثر. إن الكتابة في وجهٍ من وجوهها هي جواب الإنسان الحضاري عن حقيقة الفناء. ليست جواباً يُلغي الموت فذلك محال وإنما جوابٌ يحدّ من سطوته الرمزية. حين نكتب فإننا نُدخل ما هو فانٍ في مدار الأثر؛ نمنح اللحظة العابرة قابليةً للبقاء؛ ننتزع من النسيان بعضَ ما كان مرشّحاً لأن يذوب فيه. وقد كان جاك دريدا شديد الالتفات إلى هذا البعد حين نظر إلى الكتابة من زاوية الأثر والغياب، لأن النص يظل قادراً على الحضور بعد غياب صاحبه، بل إن حضوره أحياناً يزداد كثافةً بعد ذلك الغياب. وتغدو الكتابة هنا شكلاً من أشكال “النجاة الرمزية” إن صحّ التعبير؛ لا لأنها تمنح الخلود بالمعنى اللاهوتي بل لأنها تتيح للذات أن تتجاوز حدود وجودها الفيزيائي إلى فضاءٍ من الاستمرار الثقافي والوجداني.

ولذلك فإن كل كتابةٍ عظيمة تنطوي ضمناً أو تصريحاً على مقاومةٍ نبيلةٍ للاندثار. ليست مقاومةً صاخبة ولا استعراضاً بطولياً بل عملٌ هادئٌ وشاقٌّ ضدّ التلاشي. إن الكاتب وهو يُحكم بناء الجملة أو يفتّش عن الإيقاع الملائم أو يطارد صورةً استعصت عليه لا يمارس فقط مهارةً أسلوبية، بل يشارك ــ من حيث لا يبدو ــ في معركةٍ أعمق، معركة تثبيت ما يوشك أن يضيع وإنقاذ ما يوشك أن يُنسى وصون ما يوشك أن يبتلعه الصمت العام للعالم. وهذا ما يجعل الكتابة فعلاً أخلاقياً أيضاً لا بمعنى الوعظ أو التلقين بل بمعنى الوفاء للتجربة الإنسانية وعدم تركها تسقط في العدم دون أثر.

غير أن إعادة اختراع الحياة عبر الكتابة لا تعني قطّ تزييفها أو تجميلها على نحوٍ كاذب. فليس الكاتب من يضع على الجراح مساحيق البلاغة ولا من يحوّل القبح إلى زينةٍ لفظية ولا من يستبدل الحقيقة الحارقة بزخرفٍ مريح. إن الكتابة الحقيقية لا تخون الحياة حين تعيد اختراعها بل تنقذها من سطحها وتردّها إلى عمقها. إنها لا تصطنع عالماً بديلاً بالمعنى الهروبيّ الساذج، بل تصنع عالماً موازياً أكثر صدقاً من ظاهر الواقع لأنه يكشف بنيته الخفية ويظهر ما تخفيه الوقائع حين تُرى في عجالتها الأولى. وقد كان أوسكار وايلد على ما في أسلوبه من مفارقةٍ ولمعان، مدركاً أن الفنّ لا يكرّر الطبيعة بل يجعلها قابلةً للرؤية على نحوٍ جديد. والعبارة وإن بدت للوهلة الأولى استفزازية تحمل في عمقها قدراً كبيراً من الحقيقة، إننا كثيراً ما لا نرى العالم إلا بعد أن يعلّمنا الفنّ كيف نراه.

فالمدينة مثلاً قبل أن يكتبها الشعراء والروائيون، قد تكون مجرد عمرانٍ وأرصفةٍ ووجوهٍ متعجلة؛ لكنها بعد الكتابة تصير كائناً روحياً له ذاكرةٌ وطباعٌ ونبضٌ خفي. والطفولة قبل أن تُكتب قد تكون مرحلةً زمنيةً عابرة؛ لكنها بعد الكتابة تغدو طبقةً وجوديةً كثيفة تستمرّ في تشكيل الإنسان حتى بعد أن يبتعد عنها العمر. والمنفى قبل أن يصير نصّاً قد يكون مجرد انتقالٍ جغرافيٍّ قاسٍ؛ لكنه في الكتابة يتحول إلى استعارةٍ كبرى للإنسان الحديث وهو يفتّش عن بيتٍ لا يكتمل.

والكتابة لا تعيد اختراع الحياة لأنها تغيّر مادتها الأولى بل لأنها تكشف إمكاناتها التأويلية التي كانت كامنةً فيها دون أن تُرى.

وتكتسب الكتابة بعداً حضارياً هنا حين تتجاوز حدود الفرد. فالأمم نفسها لا تعيش فقط بما تنتجه من عمرانٍ واقتصادٍ ومؤسسات بل بما تكتبه عن ذاتها وبما تحفظه من سردياتها الكبرى وبما تصوغه من صورها الرمزية في التاريخ والذاكرة. إن الثقافة التي لا تكتب نفسها أو التي تكتفي بأن تُكتب من خارجها تظلّ معرّضةً للالتباس في وعيها بذاتها، وللنقص في امتلاك روايتها الداخلية. والكتابة هنا لا تعود فعلاً شخصياً محضاً بل تصبح جزءاً من بناء الوعي الجماعي وصناعة الذاكرة التاريخية وتحرير المعنى من هيمنة النسيان أو التشويه. وهذا ما يفسّر أن الكتابة كانت في لحظات التحول الحضاري الكبرى جزءاً من مشروع النهضة بقدر ما كانت جزءاً من مشروع الإبداع. فليس من قبيل العبث أن ترتبط النهضات الكبرى دائماً بإعادة كتابة الذات وإعادة تأويل التراث وإعادة تخيّل المستقبل.

وعلى هذا النحو يصبح الكاتب ــ إذا أخذنا الكلمة في معناها الأصيل ــ أكثر من مجرد صانع نصوص؛ إنه مهندسُ حساسية وباني أفق وموقظُ أسئلة. إنه لا يمنحنا عباراتٍ نردّدها بل يغيّر فينا طريقة النظر ويعيد ترتيب علاقتنا بالعالم ويعلّمنا أن ما نظنه مألوفاً قد يكون أكثر غموضاً وأن ما نظنه بسيطاً قد يكون أكثر عمقاً وأن ما نظنه منتهياً قد يكون مفتوحاً على احتمالاتٍ لم تخطر لنا. ولهذا كان الأدب لا يُقرأ ثم يُطوى بل يظلّ يعمل فينا بعد الفراغ منه، يبدّل نبرة وعينا ويترك في اللغة الداخلية للقارئ أثراً لا يُمحى بسهولة. إن النصّ الحقّ لا يملأ فراغاً زمنياً بل يضيف طبقةً جديدةً إلى خبرتنا بالعالم.

ولا ريب أن هذا المقام الرفيع للكتابة لا يتحقق لكلّ من أمسك القلم ولا لكلّ من راكم الجمل لأن الفرق بعيد بين من يكتب من أجل أن يضيف نصا إلى العالم ومن يكتب لأنه لا يجد سبيلاً آخر لكي يُنقذ العالم من تشتته في داخله. فالكتابة التي تعيد اختراع الحياة ليست هي الكتابة التي تستعرض قدرتها على الصياغة أو تتفاخر بمهارةٍ لغويةٍ مجردة أو تستسهل تكرار المعاني المستهلكة في ثوبٍ أنيق. إنها كتابةٌ تمتحن صاحبها قبل أن تمتحن قارئها وتطالبه بقدرٍ من الصدق الداخلي وبمقدارٍ من الشجاعة الفكرية وبمستوىً من الصبر الجمالي لا يُتاح لمن يطلب الثمرة قبل نضجها. ولعلّ هذا ما جعل كبار الكتّاب على اختلاف طبائعهم يتعاملون مع الكتابة كما لو كانت نسكاً من نوع خاص أو رياضةً للروح أو امتحاناً قاسياً للوفاء لما يقتضيه المعنى من دقةٍ ونزاهة.

إن الكتابة حين تبلغ هذا المستوى لا تعود مجرد قولٍ للحياة، بل تصبح حياةً أخرى داخل الحياة؛ حياةً أصفى وأشدّ وعياً وأكثر قدرةً على مواجهة الفوضى. إنها لا تمنحنا واقعاً بديلاً نهرب إليه بل تمنحنا وعياً بديلاً نعود به إلى الواقع فنراه بعينٍ أخرى. وهذا هو سرّ قوتها الباقية عبر العصور،أنها لا تنافس الزمن في سرعته بل تنافسه في المعنى؛ لا تصارع الموت في مادته بل تصارعه في أثره؛ لا تدّعي أنها تُلغي المأساة لكنها ترفض أن تتركها بلا لغة وبلا فهم وبلا شكل.

إن القول بأن الكتابة إعادة اختراع للحياة ليس مجازاً بلاغياً يُراد به الترفيع من شأن الأدب فحسب، بل هو وصفٌ دقيقٌ لوظيفتها الأعمق في التجربة الإنسانية. فالإنسان يكتب لأنه لا يكتفي بأن يعيش بل يريد أن يفهم ما عاش وأن يهب ما عاشه صورةً يمكن احتمالها وأن يخلع على فوضى الأيام نظاماً يليق بكرامة الوعي. يكتب لأن الواقع في صورته الخام أقلُّ من حاجته إلى المعنى؛ ولأن الزمن في اندفاعه الأعمى لا يترك للأشياء فرصةً كافيةً لكي تُفهم؛ ولأن الذاكرة من دون لغة تظلّ مجرد غبارٍ عاطفيٍّ مبعثر. يكتب لأن في داخله فائضاً لا يتسع له الصمت ونقصاً لا يداويه إلا التشكيل وقلقاً لا يسكن إلا إذا تحوّل إلى بناء.

والحقّ أن الحياة قبل أن تُكتب تكون قابلةً للضياع أكثر مما نتصور. إنها تمرّ بنا كما يمرّ الماء في مجراه، تُحدث أثرها ثم تمضي تاركةً وراءها التباساً كثيراً وفراغاتٍ كثيرة وأحاسيس لا تكتمل. لكن الكتابة حين تتدخل لا تمنع الجريان وإنما تمنح الماء هيئةً مرئيةً في المرآة؛ لا توقف العمر لكنها تجعل بعضه قابلاً للبقاء؛ لا تعيد الماضي كما كان لكنها تمنحه صورةً أصدق من عماه الأول. ومن هنا كان الكاتب في جوهر رسالته لا يضاعف عدد الكلمات في العالم بل يضاعف عدد الحيوات الممكنة فيه.

وإذا كان لكلّ عصرٍ أدواته في مقاومة التفاهة، فإن الكتابة تظلّ من أنبل هذه الأدوات وأعمقها أثراً لأنها لا تواجه الابتذال بالضجيج بل بالكثافة؛ ولا تقاوم النسيان بالصراخ بل بالأثر؛ ولا تُجابه العبث بالتبشير الساذج بل بصناعة معنى يستحقّ أن يُعاش. إن الحياة التي لا تمرّ عبر نار اللغة تظلّ ناقصةَ التشكّل والذات التي لا تجرؤ على أن تكتب نفسها ــ ولو في أفقها الداخلي ــ تظلّ أقلّ امتلاكاً لمصيرها. ولذلك كانت الكتابة في معناها الأسمى ليست مهنةً ولا هوايةً ولا ترفاً بل هي ضربٌ من ضروب السيادة الروحية على الفوضى.

ونخلص في هذه الأسطر إلى أن الكتابة ليست ملحقاً بالحياة بل أحد وجوهها العليا؛ ليست ظلا باهتاً للوجود، بل معمله السريّ؛ ليست وصفاً لما حدث فحسب، بل خلقاً لما كان يمكن أن يحدث في مستوى المعنى لو لم يُهمل. إنها الفعل الذي به يستردّ الإنسان بعضَ ما سُلب منه في زحمة الزمن وبعضَ ما تكسّر فيه تحت وطأة التجربة وبعضَ ما ضاع منه بين الذاكرة والنسيان. بها يتحول العابر إلى أثر والألم إلى معرفة والحنين إلى بناء والفقد إلى حضورٍ من نوع آخر والذات إلى مشروعٍ قابلٍ لإعادة الصوغ.

ولعلّ أعظم ما تمنحنا إياه الكتابة أنها تُعلّمنا أن الحياة مهما بدت مغلقةً في ظاهرها ليست نهائيةً كما نظنّ. فما دام الإنسان قادراً على أن يروي وأن يسمّي وأن يؤوّل وأن يُعيد بناء ما انكسر، فإن في الوجود دائماً فسحةً أخرى وشكلاً آخر وبدايةً مؤجّلة. ولهذا فإن الكتابة ليست فقط إعادة اختراع للحياة؛ إنها في أعمق جوهرها إعلانٌ مستمرٌّ بأن الإنسان أكبر من وقائعه وأوسع من جراحه وأبقى من عثراته وأن المعنى ــ مهما تراجع في العتمة ــ يمكن استدعاؤه من جديد متى وُجدت اللغة التي تستحقّه والروح التي تحتمل عبءَ قوله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى