عندما كان أ. ذاكر حسين من جامعة مدراس يبحث عن شخص يؤدي ترجمته العربية لتهويدة للشاعر التاميلي الشهير بهاراتيداسان، أخبره بعض طلابه الفلسطينيين عن وجود مواهب في وطنهم. وبالفعل، تمكّن حسين من التواصل مع المغنية ريم أحمد من غزة للمشاركة في المشروع، إلا أنها فُقدت لاحقًا.
قبل عام، كان حسين، رئيس قسم اللغة العربية والفارسية والأردية في جامعة مدراس، يبحث عن صوت يؤدي ترجمته العربية لتهويدة معروفة. حينها، لفت طلابه الفلسطينيون انتباهه إلى وجود مواهب فنية في غزة. يقول حسين إنه تواصل بعد ذلك مع استوديو موسيقي في غزة يُدعى «ترانيم».
لكن الرد الأول لم يكن مشجعًا. يتذكر حسين: «أخبروني أنهم في وضع مأساوي، ينتقلون من مكان إلى آخر بسبب الحرب المستمرة. قالوا: لا طعام، لا مأوى، حياتنا دُمِّرت».
وتعيش غزة، وهي جزء من الأراضي الفلسطينية، أزمة مستمرة منذ هجوم حركة حماس عام 2023 على إسرائيل، والذي أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص وأسر 251 آخرين، وفق تقارير. ومنذ ذلك الحين، أسفرت العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة عن مقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين.
ورغم ذلك، واصل حسين التواصل مع استوديو «ترانيم»، وأسفر تواصل ثانٍ بعد عدة أشهر عن نتائج أفضل، إذ ربطه الاستوديو بالمغنية ريم أحمد.
لكن التحديات لم تنتهِ عند هذا الحد. ففي ظل الحرب الدائرة، رفضت أحمد في البداية عرض الغناء، غير أن محاولة ثانية لإقناعها نجحت.
الأغنية، بعنوان «نم يا عزيزي»، وهي الترجمة العربية للتهويدة التاميلية الشهيرة «كاراروم فاناتثيل كانوم موزهو نيلافه»، تم إعدادها وإرسالها إلى أحمد عبر الاستوديو. قامت بأدائها وأعادتها بصوت مليء بالعاطفة والإحساس. ورغم معاناتها من النزوح والدمار في منطقة تعصف بها الحرب، جاء صوتها نقيًا وحيويًا.
يقول حسين، الذي أخرج أيضًا العمل:
«على الرغم من أدائها العاطفي الرائع، أردنا إعادة تسجيل بعض الكلمات بسبب نطقها. لكن في ذلك الوقت، تبيّن أنها فُقدت في غزة».
ولم تسفر محاولات الاستفسار عبر الاستوديو عن نتائج. وأضاف حسين: «قالوا إن هذه كانت المرة الأولى التي تغني فيها معهم. كل ما عرفوه أن عائلتها نزحت، ولا أحد يعرف مكانهم الآن».
وقد أُطلقت الأغنية الشهر الماضي بمشاركة الممثل التاميلي المعروف إم. ناصر، ولاقت منذ ذلك الحين تفاعلًا واسعًا.
وقال ناصر عقب الإطلاق: «إن نقل الأدب التاميلي، القديم والحديث، إلى اللغة العربية عمل عظيم. نحن بحاجة إلى المزيد من مثل هذه الترجمات. مبادرات مثل “نم يا عزيزي” تعزز وعينا الثقافي بشكل أعمق».
ويرى خبراء أن توقيت إصدار الفيديو الغنائي يحمل دلالة خاصة، إذ يأتي في ظل استمرار الصراعات في فلسطين. كما أن التصعيد الأخير في التوترات الدولية، بما في ذلك المواجهات بين إيران والولايات المتحدة، والتي انخرطت فيها إسرائيل دعمًا لواشنطن، زاد من تعقيد المشهد الجيوسياسي العالمي.
ترجمة قصائد بهاراتيداسان إلى العربية ليست سوى بُعدٍ واحد من الموضوع. فهناك أيضًا حكايات عن النزوح والصراع والاختفاء مرتبطة بهذا المشروع. فالمغنية التي أدّت التهويدة لا يُعرف لها أثر في غزة. ما هو وضعها الحالي؟ لعلّ هذه الأغنية تكون تحيةً لها»، يقول إس. كيه. مينون، المعلّق الثقافي المقيم في كويمباتور.
وقد حظيت الأغنية في الوقت نفسه بتفاعل واسع في الأوساط الأدبية التاميلية والعربية، حيث تجاوز عدد مشاهداتها خمسمئة ألف خلال الأسبوع الأول من إطلاقها. وهذا ما دفع أ. ذاكر حسين لمحاولة التواصل مجددًا مع ريم أحمد لإبلاغها بهذه الأخبار السارة. ويقول:
«قبل أيام، أخبرني أحد العاملين في الاستوديو أنها (أحمد) وعائلتها نزحوا إلى مكان غير معلوم بعد إصابة شقيقها بجروح خطيرة في الحرب. وهذا آخر ما سمعته عنها».
الأغنية من إنتاج غلادي جيرارد تحت مظلة Drums Jerry Entertainment، وقد وضع موسيقاها عبيد كونّاكّافو، وهو ملحن وعازف أورغ وهارمونيوم. ويقول: «تم إنجاز العمل في الشارقة. قمت بتأليف اللحن وأرسلت المقطوعة إلى استوديو في غزة. لم أكن أعرف هوية المغنية، لكنها أدّت التهويدة بإحساس عالٍ. هذه هي المرة الأولى التي أؤلف فيها أغنية دون أن أعرف المغني». ويُعرف عبيد أيضًا بعزفه في حفلات الغزل والقوّالي.
ويضيف أن الموسيقى جاءت نتيجة مزج بين التقاليد العربية والتاميلية: «عند مشاهدة العمل مع الصورة، يتضح أنه يمثل اندماجًا بين الثقافتين. كان الصوت مميزًا بنقائه وانتعاشه. أنا سعيد لأن الأغنية حصدت مئات الآلاف من المشاهدات خلال أسبوع، لكنني أشعر بالحزن لفقدان التواصل مع المغنية بسبب الصراع المستمر في المنطقة».
كان حسين قد خطط في البداية لاختيار امرأة عربية لتمثيل الفيديو، لكنه لم يتمكن من ذلك. ويقول: «لذا قررت استخدام الذكاء الاصطناعي. كان صوت ريم استثنائيًا ويحمل عمقًا في الموسيقى العربية التقليدية. أعتقد أن نجاح الأغنية عالميًا يعود بدرجة كبيرة إلى أسلوبها في الغناء».
المشاعر الإنسانية لا تعترف بالحدود الجغرافية. سواء وُلدت في خيال شاعر مثل بهاراتيداسان، أو أُعيدت صياغتها برؤية جاهير حسين، فإنها تعبر بحرية بين اللغات والثقافات والتواريخ.
وهكذا، فإن التهويدة — التي تعبّر عن مشاعر الأم تجاه طفلها بوصفه حلمها المتحقق — تخاطب الناس عبر الثقافات المختلفة. ويُظهر الفيديو توازيًا بين صورة امرأة ترتدي عباءة وغطاء رأس مع طفلها، وأخرى ترتدي الساري وتزين شعرها بالزهور، رابطًا بين الجذور التاميلية للأغنية وتجسيدها العربي.
ويقول الدكتور أشرف أبو اليزيد، الشاعر والصحفي المصري والأمين العام لمؤتمر الصحفيين الأفارقة:
«هذا العمل ليس مجرد ترجمة أو اقتباس، بل هو جسر. تهويدة نشأت في الأدب التاميلي تتحول في العربية إلى همسة إنسانية كونية. الرقة الكامنة في النص الأصلي تظل حاضرة، مما يثبت أن الفن والأدب من أقوى وسائل التعبير الإنساني المشترك. إنها لا تحتاج إلى جواز سفر، بل تنتقل عبر القلوب».
الدكتور أشرف أبو اليزيد
ويضيف: «ما يمنح هذا المشروع قيمته الخاصة هو صدقه. فالأغنية تتجاوز الجماليات لتصل إلى عمق إنساني، تخاطب من يعانون، ومن يأملون، ومن يبحثون عن العزاء، بغضّ النظر عن مكانهم. بهذا المعنى، تصبح “نم يا عزيزي” أكثر من مجرد أغنية؛ إنها تذكير بأن الألم المشترك يوحّد البشر أكثر مما تفرّقهم الحدود. ومن خلال الشعر والموسيقى والأداء، يمدّ الشاعر والمؤدون يدًا حانية لكل من يكابدون الصعاب، مؤكدين أن التعبير الفني يظل لغة عالمية للتعاطف».
وبالنسبة لحسين، فليس هذا أول مشروع ثقافي من هذا النوع. فقد سبق له في عام 2013 ترجمة الملحمة التاميلية «تيروكورال» إلى العربية، وكان أول من أقدم على هذه الخطوة. كما قام بجولة في الدول العربية ضمن مبادرة للتبادل الثقافي حاملاً نسخته المترجمة.
وفي عام 2015، ترجم «آثيتشودي» للشاعرة التاميلية أففايار، وهو عمل يتضمن 109 حكم قصيرة تهدف إلى تعزيز القيم الأخلاقية. كما عرّف الأدب العربي بأعمال شعراء مثل سوبرا مانيا بهاراتي وبهاراتيداسان. وفي عام 2022 ترجم 30 قصيدة لبهاراتي، وفي 2024 ترجم 50 قصيدة لبهاراتيداسان، وقد نُشرت هذه الأعمال بدعم من حكومة تاميل نادو. وتُعد «نم يا عزيزي» ثالث أغنية فيديو له بعد عملين سابقين حول «آثيتشودي» وأعمال بهاراتي.
ويقول حسين: «اليوم تنتشر مقاطع الفيديو بسرعة وتحقق تفاعلًا كبيرًا. ألبوماتي السابقة لاقت نجاحًا واسعًا، أما “نم يا عزيزي” فقد تجاوز ذلك. هناك رابط ثقافي بين التاميل والعرب، ولهذا لاقت ترجماتي قبولًا في العالم العربي». وقد حصل على عدة جوائز، منها جائزة «أفضل مترجم» من حكومة تاميل نادو عام 2016.
ويرى طلاب وباحثون أن التبادل الثقافي عبر الأدب أصبح ضرورة في ظل الصراعات التي تشهدها مناطق الشرق الأوسط وغرب آسيا. ويقول أحد طلاب الدراسات العليا في العربية بجامعة مدراس: «الأدب العربي غني كالأدب التاميلي، وقد ربطت بين العرب والتاميل علاقات تجارية بحرية لقرون. إن التبادل الثقافي عبر الأدب ضروري في هذا الوقت».
أما بالنسبة لحسين، فقد أصبحت «نم يا عزيزي» مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بلغز المغنية المفقودة. ورغم إدراكه صعوبة السفر إلى غزة حاليًا، فإنه يؤكد أنه سيواصل البحث عن ريم أحمد، على أمل أن «تقوده التهويدة التي غنّتها إليها يومًا ما».