رؤية نقدية للدكتورة الهام العربي (دكتورة في علوم و تقنيات الفنون)

يمثل معرض الفنان المصري المقيم بباريس عبد الرازق عكاشة، الذي افتتح في منتصف شهر أفريل الجاري بقاعة آدم حنين بمركز الهناجر في دار الأوبرا بالقاهرة، موقفا تشكيليا حاسما، في لحظة تاريخية لم يعد فيها الفن قادرًا على الاكتفاء بتمثيل انحراف العالم وبتوثيقه.
يتمحور هذا المعرض حول جدارية أساسية تمتد نحو ثلاثين مترا، ترافقها جدارية ثانية يبلغ طولها نحو ستة عشر مترا، مقسمة إلى ثمانية مقاطع، منظمة كسلسلة من المشاهد طقوس جنائز متكرّرة مشاهد دمار واستشهاد، زفاف يعقبه ركام مستشفى، ثم لحظات تشرد وحداد وبقاء تحت وطأة المعاناة. هذا التسلسل البنيوي حاسم، لأن العمل لا يلخص الحرب، بل يكشف تكرارها.
وقد أكد الفنان في تصريحاته سعيه إلى جعل هذا العمل الضخم تجربة بصرية وإنسانية مكثفة في آن واحد، في وقت ما تزال فيه غزة تعيش تحت وطأة دمار مدني متواصل. وتشير تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في أفريل 2026 إلى أن معظم العائلات ما تزال نازحة، وتعتمد على المياه المنقولة بالشاحنات، وتفتقر إلى الحماية من العنف والمخاطر البيئية، بينما تستمر الضربات، وتتدهور الظروف الصحية أو تنعدم، وتنتشر الأمراض والمخاطر. أما على المستوى القانوني والحقوقي، فقد بلغ توصيف هذا العنف عتبة غير مسبوقة، إذ خلصت المقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيزي إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بوقوع إبادة جماعية، كما أعلنت منظمة العفو الدولية التوصيف ذاته، في حين تواصل محكمة العدل الدولية النظر في القضية واتخاذ تدابير تحفظية.
ينفرد عمل عبد الرازق عكاشة في كونه لا يقدم العنف الواقع على المدنيين الفلسطينيين كضربة واحدة، بل كما هو في الواقع عنفًا أصبح نظام عيش مدمّر. تظهر الأعمال أن الدمار، منذ بدايته في أكتوبر 2023 ، تجاوز زمن القصف ليشمل الجوع والعطش، وانهيار المنظومة الصحية، وانعدام العلاج، والتشرد تحت المطر والبرد والمرض. وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية وتقارير الأمن الغذائي إلى أن المجاعة تأكدت في بعض مناطق غزة، وأن مئات الآلاف يواجهون ظروفًا كارثية، بينما يُهدد عشرات آلاف الأطفال بسوء التغذية الحاد.
كما يتميّز هذا العمل الضخم بقدرته على امتصاص هذا الزمن المتآكل؛ فهو يرسم الاستنزاف، لا الدمار فقط. فكل الاختيارات في اللغة التشكيلية عند الفنان تنقل الألم بوصفه مادة. إن هيمنة الأسود والأبيض وتدرجات الرمادي لم تكن خيارًا جماليا بقدر ما كانت علامة حداد. وقد استغرق إنجاز الجدارية نحو عامين، كان خلالها الفنان يرسم تحت وطأة الأخبار، حتى صارت دموعه، كما يروي، جزءًا من مادة اللون.
تتشكل المشاهد المتتالية ضمن قيم ضوئية محايدة بين الأبيض والأسود، في حركية عنيفة تقوم على كتل لونية تجسد ضغوط الأشكال وتفككها. لا حدود واضحة لهذه الأشكال، بل تبدو كأنها تنبثق من العتمة، من مساحات سوداء كثيفة، ومن بياضات حادة كالأكفان أو الضمادات. تتداخل الأجساد تتكاثر العيون، وتبدو الأطراف مبتورة أو غير مكتملة، فيما يستحضر سيلان اللون النزف وامتداد الجرح نفسه.
ما يضرب بقوة في “غزة في القلب” هو مقياس الألم الذي تنفتح فيه. لا يملك النظر فرصة الاستقرار؛ إذ إذ يُساق من صورة إلى أخرى داخل تدفق مستمر من الأجساد الممزقة والوجوه المفتوحة اللوحة لا تكتفي بالتمثيل، بل تمارس فعلا، تؤثر وتزعزع.
في هذا المستوى تحديدًا، تنشأ مواجهة مباشرة مع غرنيكا لبابلو بيكاسو ، لا بوصفها إحالة سطحية، بل كنقطة تحول في تاريخ الصورة. كلا العملين يواجه استحالة تمثيل العنف المسلط على الأجساد المدنية، غير أن كلا منهما يقترح نظاما مختلفا للصورة.
يظهر التقاطع أولا في الاقتصاد اللوني، حيث يتم تقليص الألوان إلى حدها الأدنى، ورفض الإغواء البصري لصالح أخلاقية النظر. غير أن الاختلاف الجوهري يكمن في البنية. لدى بيكاسو، يظل التفكك منظما ضمن فضاء تركيبي يحافظ على قدر من البناء، رغم العنف. أما عند عكاشة، فتتخلى اللوحة عن المركز والتوازن، لتدخل في منطق فيضي تتكون فيه الأشكال وتذوب في الآن ذاته.
الإيماءة التشكيلية حاسمة هنا؛ فالفرشاة سريعة وقاطعة، وآثارها من سيول وتراكمات وخدوش ليست زخرفا، بل أثر زمن. لا يأتي الرسم بعد الحدث، بل يتكون في قلبه، كما لو أن الصورة تبنى وتتفكك في اللحظة نفسها. وهنا تكمن قوة العمل، في هذا التوتر بين القابل للرؤية والمتلاشي ، حيث ترى الأجساد وهي مهددة بالاختفاء، ويُجبر النظر على إعادة تركيبها.
كما أن الامتداد الجداري يحوّل التجربة إلى عبور فعلي؛ فعلى خلاف “غرنيكا” التي تبقى مواجهة رغم حجمها، تحاط الصورة هنا بالجسد، ويصبح المتلقي داخلها، مجبرا على التقدم على المتابعة، وعلى تحمل التكرار.
غير أن التحول الأعمق بين العملين لا يتجلى فقط في البنية أو الفضاء، بل في الزمن ذاته. فإذا كانت “غرنيكا” صورة للكارثة بعد وقوعها، فإن غزّة في القلب” هي صورة الكارثة وهي تحدث لدى بيكاسو ، يُثبت الحدث في صورة ويُحوّل إلى أيقونة؛ إنّه زمن مغلق. أما عند عكاشة، فالزمن مفتوح، ممتد، لا يكتمل. الكارثة لا تُختزل في لحظة، بل تستمر وتتكرر وتتسرب إلى نسيج الحياة اليومية.
وهنا يكمن التحوّل الجذري لا تمثيل لما بعد، بل انغماس في أثناء؛ لا صورة لصدمة، بل تجربة لمدة. الأجساد التي تظهر في اللوحة ليست جثنا، بل كائنات مستمرة في وجودها رغم الدمار. إنها إنسانية معلقة، لا تموت ولا تحيا بالكامل. وجوه بالكاد تتشكل، أجساد تنضغط، حشود تتداخل، كأنّ الوجود نفسه أصبح في حالة تردد الموت لا يأتي كنهاية، بل كاحتمال دائم يتسلّل من القصف، ومن الجوع، ومن المرض، ومن الخوف.
هذا الامتداد الزمني يغير منطق الرسم نفسه. فحيث يقدم بيكاسو صورة مستقرة للكارثة، يترك عكاشة اللوحة في حالة تفكك مستمر. الأشكال تظهر، تتشوّه، تختفي السيول اللونية تمتد كآثار نزف، والكتل الداكنة تبتلع، والبياضات تكشف ثم تخفي. لا شيء يُثبت، وكل شيء في حالة انحلال.
الإيماءة هنا ليست تعبيرية فقط، بل زمنية. كل أثر يحمل تعبا، تكرارًا، إنهاكا. لا نشعر بلحظة واحدة من العنف، بل بتراكمه واستمراره واستهلاكه للزمن ذاته.

هذا الامتداد الزمني يغير منطق الرسم نفسه. فحيث يقدم بيكاسو صورة مستقرة للكارثة، يترك عكاشة اللوحة في حالة تفكك مستمر. الأشكال تظهر، تتشوّه، تختفي السيول اللونية تمتد كآثار نزف، والكتل الداكنة تبتلع، والبياضات تكشف ثم تخفي. لا شيء يُثبت، وكل شيء في حالة انحلال.
وهكذا يتضح التحوّل عند بيكاسو، التفكك هو تفكك لحظة؛ أما عند عكاشة، فهو تفكك حياة في امتدادها.
ويملي امتداد الجدارية بدوره تجربة زمنية على المتلقي؛ فلا يمكن إدراكها دفعة واحدة، بل يجب السير والتتبع والتحمل. لا خروج سريع من الصورة، بل استمرارية ثقيلة تحاكي الواقع الذي تستحضره.
إذا كانت “غرنيكا” صورة للموت بعد الكارثة، فإن “غزة في القلب” هي لوحة للحياة الممزقة داخلها، حياة تستمر في الركام في الانتظار، وفي التعرض الدائم للزوال.
وفي هذا تحديدًا تكمن قوة العمل لا يكتفي بتمثيل العنف، بل يستعيد زمنه ويجعله محسوسًا، ويحوّل اللوحة إلى فضاء حي له. إنها لوحة لا تثبت الصرخة، بل تتركها تمتد، تتردّد، ولا تنتهي – لوحة لا تكتفي بأن تقول الألم، بل تجعل منه لغتها.






