شعر روسي طليعي في ساحة عربية أفريقية!

في إفريقيا، لا يُعدّ الأداء الشعري عنصرًا مكمّلًا للنص، بل هو جزء أصيل من ماهيته ووجوده؛ فالشعر الإفريقي وُلد في حضن المشافهة قبل أن يستقر على الورق، وتشكّل عبر قرون طويلة على ألسنة الرواة والمنشدين والحكماء في غرب القارة، أولئك الذين حملوا ذاكرة الجماعات وأحلامها وانكساراتها. لذلك فإن الشاعر الإفريقي، حين يقف على المنصة، لا يقرأ قصيدته بقدر ما يُجسّدها: بالصوت، والإيقاع، وحركة الجسد، ونبرات الصمت، والتفاعل المباشر مع الجمهور. تتداخل الكلمة مع الإيماءة، ويتجاور الإنشاد مع إيقاع الطبول أو مع الموسيقى الداخلية للغة، فيتحول النص إلى حدث حيّ لا يكتمل إلا بحضور المتلقي. وفي تجارب الشعر الأدائي المعاصر، ولا سيما “الـسْلام” المنتشر في مدن مثل داكار، وواجادوجو، ونيروبي، وكينشاسا، أصبح الأداء وسيلة جمالية وموقفًا اجتماعيًا في آنٍ واحد، يحمل قضايا الهوية، والعدالة، والذاكرة، والهجرة، والحرية، مستندًا إلى إرث الشفاهة الإفريقية العريق، ومجدّدًا له في فضاءات المدينة الحديثة.  

تذكرت ذلك كله وأنا أشاهد صديقتي الشاعرة والفنانة مارجريتا آل،رئيسة منظمة كتاب العالم، تلقي قصائدها، في ندوة شعرية نظمها لنا اتحاد الكتاب التونسيين بجناحه في معرض تونس الدولي للكتاب، خلال أيام جمعية شعوب العالم في تونس. وأتاحت لنا تلك الندوة أن نسمع شعرا بالعربية والإنجليزية والفرنسية والروسية. كانت مارجريتا بحماسها المعهود لا تحتاج ميكروفونا لتعلو بصوتها، وليتحول الجمهور إلى جوقة تردد بعض المقاطع وراءها. وهكذا بأداء شاعر أفريقي مزجت مارجريتا القصيدة الطليعية بالفضاء التونسي.

مارجريتا آل

حين قرأت قصائد مارجريتا آل المترجمة للعربية، والتي صدرت في القاهرة في سلسلة إبداعات طريق الحرير، أوضحت أن الشعر الطليعي يحتاج القراءة المتأنية، فمن الناحية اللغوية، تميل أسالي مارجريتا آل إلى التكثيف والإنشاد، حيث تنساب التراكيب غالبًا في جمل طويلة تشبه تدفّق الأنفاس، تتراكم فيها العبارات بدل أن تنتهي إلى خاتمة حاسمة. وهذا يخلق إحساسًا بالاستمرارية، كما لو أن القصيدة تقاوم الاكتمال أو ترفض الانغلاق. ولا يظهر اهتمام يُذكر بالبنية السردية التقليدية، بل يتولد المعنى عبر التكرار، والتجاوبات الصوتية، وتراكب الصور الشعرية. الكلمات تشتعل، والسنوات تنكشف، والساعات تقترب؛ حتى الزمن نفسه يغدو كائنًا حيًا نابضًا. وكثيرًا ما تُضفي القصائد صفات إنسانية على القوى المجرّدة، فتجعل الزمن، والذاكرة، والحنين أشياء ملموسة يمكن الإحساس بها.

والجميل أننا حين كا نعتقد الندوة لنا وحدنا، لكن شهية الشعراء تحركت، حتى من يكتب الرواية، فتش في أدراجه عن ديوان، أو في حقيبته عن قصيدة، ليشارك ذلك المحفل الشعري الدولي. والطريف أنه في بلد عرفته فرانكفونيا، تأتي اللغة الإنجليزية لتثبت حضورها، فتقرأ الشاعرة سهام الشريف قصيدتها بالإنجليزية، بينما قرأتُ قصيدتي (شارع في القاهرة) بالعربية، كما فعل الأدباء محمد سعد برغل، ومحمد الشارني، وهاجر منصوري (بقصائد ثورية نضجت في مطبخ الصور الاستعارية)، وابتسام الخميري، وغيرهم، باختيار لغتهم الأم، واستمعنا كذلك إلى قصائد بالفرنسية للشاعرة صفية سليمان، وسط حضور الجناح المتقد حماسا.

وهكذا لم تكن تلك الأمسية مجرد ندوة شعرية عابرة في أروقة معرض تونس الدولي للكتاب، بل بدت وكأنها مختبر حيّ لاختبار قدرة الشعر على عبور الحدود، وتجاوز اللغات، وإعادة تعريف الانتماء الجمالي. ففي تلك الساحة العربية الإفريقية، التقت الحساسية الروسية الطليعية بحرارة الأداء الإفريقي، وعانقت العربيةُ والإنجليزيةُ والفرنسيةُ والروسيةُ بعضها بعضًا دون حاجة إلى ترجمة كاملة، لأن الإيقاع كان اللغة الأولى، ولأن الحضور الإنساني كان النص الأعمق. هناك أدركنا أن القصيدة، مهما اختلفت جغرافيتها أو مرجعياتها الثقافية، تستطيع أن تجد موطئها في أي أرض تؤمن بالكلمة. وما قدمته مارجريتا آل لم يكن مجرد إلقاء لشعر روسي طليعي، بل كان إعادة بعث له داخل فضاء عربي إفريقي نابض، حيث اكتسبت القصيدة صوتًا جديدًا، وجسدًا جديدًا، وجمهورًا جديدًا. وربما في مثل هذه اللحظات تحديدًا، ندرك أن الشعر لا ينتمي إلى لغة بعينها، بل إلى تلك اللحظة النادرة التي يتحول فيها الصوت إلى جسر، والكلمة إلى وطن مشترك.

د. أشرف أبو اليزيد

 

 

 

  • Related Posts

    Avant-Garde Russian Poetry in an Arab-African Arena!

    In Africa, poetic performance is not considered a supplementary element to the text; rather, it is an essential part of its very nature and existence. African poetry was born in…

    اتحاد الكتاب التونسيين  والمعرض الدولي للكتاب… التأثيث النوعي والشركات الجادة

    طارق العمراوي   بعد تأثيثه عدة لقاءات شعرية بمقره تحت رعاية  ورئاسة الشاعر بوراوي بعرون  ها هو يغادر الجدران و الغرف المغلقة  ليدشن أولى لقاءاته  مع الكتاب ومحبي  فنون القول…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *