متابعة: خالد سليمان – طريق الحرير اليوم ـ تونس
ـ لكي تصل إلى مرحلة مهرجان النسري، والذي يعني “مقطر زهرة النسرين الملكية الجميلة ذات الرائحة الزكية”، لا بد أن تبدأ من تاريخ مدينة زغوان العريق والبعيد، حيث بدأت تلك المنطقة كتجمع زراعي رعوي للقرطاجيين البونيين، وكانوا يزرعون الزيتون والحبوب. ولكن بحلول القرن الثاني الميلادي في العهد الروماني، اختار الرومان تلك المنطقة الخصبة الغنية بالمياه لتأسيس مدينة أطلقوا عليها اسم “زيكوا – Ziqua”، والذي طوعه اللسان العربي بعد قرون ليصبح اسمها “زغوان”.
وخلال العهد الروماني، وبالتحديد خلال فترة حكم الإمبراطور هادريان، ازدهرت مدينة زغوان وازدادت أهميتها لسبب طريف، حيث تعرضت العاصمة قرطاج ومناطق كثيرة من إفريقية الرومانية إلى جفاف شديد استمر خمس سنوات، الأمر الذي دفع الإمبراطور هادريان، الذي كان في زيارة لتلك الولاية التابعة لإمبراطوريته، إلى تأسيس “معبد المياه” تعظيمًا لإله الماء الروماني نيبتون وحوريات الماء حول نبع طبيعي غزير. كما نظم مرور المياه بعد تجميعها من المعبد عبر الحنايا التي أمر ببنائها بطول 132 كيلومترًا لتصل إلى خزانات المعلقة وقرطاج، وتغذي حمامات أنطونيوس.
ومنذ تأسيس معبد المياه والحنايا، التي عرفت فيما بعد بالحنايا الرومانية، ازدادت أهمية مدينة زغوان على مختلف الأصعدة، وخاصة في المجالين المائي والفلاحي، الأمر الذي عزز مكانتها كموقع استراتيجي مهم داخل الدولة التونسية.
ـ عودة زمان الوصل:
في القرن السابع عشر الميلادي، وتحديدًا عقب ما أطلق عليه القشتاليون “حروب الاسترداد”، حل الموريسكيون الأندلسيون الذين طردوا من الأندلس بالأراضي التونسية، حيث استقبلهم والي تونس العثماني عثمان داي، الذي قرر الاستفادة من خبراتهم لمصلحة البلاد، خاصة في مجال الزراعة والصناعات التي برعوا فيها.
وقام بتوطينهم في مناطق الشمال التي تشبه في تضاريسها وتربتها شبه الجزيرة الأيبيرية، وقد جلب الأندلسيون معهم أصنافًا جديدة من المحاصيل والنباتات والزهور العطرية، وما يعرف بالعود الرقيق، إضافة إلى صناعات مثل صناعة الأجبان والصناعات المرتبطة بالنسيج كالجبة والشاشية.
ـ الكعك المحشو بالذهب المعطر بالنسرين:
الأندلسيون الذين استوطنوا مدينة زغوان، والتي شهدت ازدهارها الكبير الثاني على أيديهم، جلبوا معهم عاداتهم وتقاليدهم وأنواعًا جديدة من الزراعة والصناعات المرتبطة بها. وكان من أهم ما جلبوه غرس نبات النسرين، الذي تُجنى أزهاره في موسمها ليتم تقطيرها واستخراج ناتج التقطير المعروف باسم “النسري” أو “ماء النسري”، وهو طيب الرائحة وله استخدامات متعددة في العطور وتعطير المأكولات والمياه والمشروبات والفاكهة، بالإضافة إلى الاستخدامات الطبية، ومن الشائع أنه مفيد لمرضى القلب.
لكن من أشهر استخدامات النسري ارتباطه بصنع وتعطير “كعك الورقة بالنسري”، وهو كعك زكي الرائحة يصنع من الدقيق المحشو بعجينة اللوز، ويتخذ شكلًا حلقيًا مفرغًا من الوسط، ولا يُطهى بدرجة حرارة مرتفعة حتى لا يفقد لونه الأبيض.
وقد اكتسب هذا النوع من الحلوى رواجًا كبيرًا، إذ ترتبط به قصة تاريخية تعود إلى إرغام المسلمين الأندلسيين على الخروج من الأندلس صفر اليدين بعد مصادرة ممتلكاتهم. وهنا تفتق ذكاء النساء عن فكرة بارعة، تمثلت في تهريب حليهن الذهبية وجواهرهن ومشغولاتهن الثمينة داخل هذا الكعك الذي صنع على اعتبار أنه زاد للطريق، فسمح الجنود القشتاليون بمروره دون أن يفطنوا لما يخفيه من ثروة كبيرة، الأمر الذي مكن الأندلسيين من إنقاذ جزء من ثرواتهم المصادرة.
لكن زهور النسرين التي جلبها الأندلسيون، ويستخرج منها النسري الذي يمثل كنزًا لمن يمتلكه، لا تزرع ولا تجنى بسهولة. لذا طور الأندلسيون طرق الزراعة والري التي لم تتطور كثيرًا منذ العصر الروماني. ولأن زهرة النسرين شديدة الحساسية، كما يصفها أهلها، فلا يتم جنيها إلا في وقت السحر قبيل الفجر، وتنتهي فترة جنيها مع الثامنة صباحًا. أما النوعية الممتازة من زهور النسرين، التي تنتج أجود أنواع النسري، فلها عدد محدد من الأوراق وتنبت في منطقة رأس العين بجبل زغوان.
ـ لقد حول حلول الأندلسيين بزغوان المدينة، بمرور الوقت، إلى مدينة أندلسية شكلًا ومضمونًا، فضلًا عن المسحة الرومانية القديمة المتمثلة في معبد المياه والحنايا الرومانية. وأصبح مظهر المدينة المتدرجة على مرتفعات جبل زغوان أندلسيًا بساحاته وجوامعه ودياره، حيث اتخذت المنازل الطراز الأندلسي المغلق من الخارج والمنفتح على الداخل عبر وسطية واسعة تطل عليها الغرف والشرفات، تتوسطها فسقية بديعة يسمع فيها خرير المياه المترقرقة، وتحيط بها أشجار القوارص والعود الرقيق، وربما كرمة عنب أو بعض النباتات المتسلقة.
ـ ولأهل زغوان ملامح وسمات أندلسية لا تخطئها العين، وقوام قوي ممشوق يرجع السبب فيه غالبًا لكثير من شوارع المدينة الصاعدة والهابطة التي لا يمكن ارتيادها إلا سيرًا على الأقدام بسبب وجود الدروج التي تعادل عدة أدوار في البنايات السكنية..
ـ النسري، الذي أثر في الحركة الاقتصادية لمدينة زغوان، امتد تأثيره تدريجيًا إلى الصناعات المرتبطة به، بما في ذلك صناعة المخبوزات كما ذكرنا سابقًا في كعك الورقة بالنسري، وبعض أصناف الحلوى الأخرى المرتبطة بالمناسبات، فضلًا عن مواد التجميل والعطور والاستخدامات الطبية، وصولًا إلى ارتباطه بالحركة السياحية في المدينة، وهو ما انعكس على الاقتصاد المحلي، ثم امتد ليصبح حالة احتفالية شاملة، بما في ذلك الجانب الديني، حيث تكثر الزيارات والاحتفالات في مقامات الأولياء الصالحين التي تزخر بها المدينة، وفي مقدمتها مقام الولي الصالح سيدي علي عزوز.
ـ ولعل هذا الازدهار ذي العبق الأندلسي هو الذي دفع أهل المدينة إلى إقامة مهرجان كبير يحمل اسمًا عطرًا هو “مهرجان النسري”، الذي تحول مع الوقت إلى مهرجان فني وثقافي وسياحي واقتصادي، حيث تزدهر المدينة تجاريًا من خلال تسويق منتجاتها الشهيرة من النباتات العطرية الجبلية المقطرة، وفي مقدمتها النسري الذي يحمل المهرجان اسمه، إلى جانب ماء الزهر والعطرشية، وأنواع الحلوى المختلفة التي تدخل فيها هذه المنتجات، وعلى رأسها كعك الورقة بالنسري والبقلاوة. كما تروج سائر المناطق المرتبطة بولاية زغوان عمومًا، مثل محطة جبل الوسط الاستشفائية، وحمام الزريبة، وقرية الزريبة العليا البربرية.
- مهرجان النسري:
ـ وقد قدمت الهيئة المنظمة للمهرجان، من خلال أعضائها وفي مقدمتهم مدير مهرجان النسري لهذه الدورة حمدي غلاب، وبرفقتهم مندوبة الثقافة بزغوان السيدة شيراز جداي، برنامج الدورة الأربعين للمهرجان، والذي يتضمن احتفالات كرنفالية في الافتتاح، وأمسيات فنية، وبرامج ثقافية مهمة، لعل أبرزها أنشطة وإرشادات حول السلامة المرورية للأطفال. وقد بدأت فعاليات المهرجان يوم 29 ماي، وتُختتم يوم 7 جوان.





