كتب : خالد سليمان – طريق الحرير اليوم ـ تونس
ـ شعور متجدد ينتابني كلما ذهبت إلى مدينة “دڨة” في الشمال الغربي التونسي، أو إلى مدينة “الجم” في الشمال الشرقي التونسي.. هو أنني أسافر في الزمن وكأن الحافلة التي تقلني هي آلة الزمن التي وردت في رواية “هيربرت جورج ويلز”، ففي هاتين المدينتين تشعر بالحضور القوي للحقبة الرومانية في تونس، وخاصة إذا كانت نهاية الرحلة إلى “الجم” هي المشهد المهيب “لكوليسيوم الجم” الذي يقول عنه المعماريون إنه تدارك الأخطاء التصميمية التي حدثت خلال تشييد “كوليسيوم روما” الشهير.. ويشتهر “كوليسيوم الجم” باسم “قصر الجم” أيضا، وهو الاسم الدارج حتى اليوم بين المواطنين، وكان لهذا المكان الرائع استخدامات عديدة عبر العصور، لعل أهمها استخدامه كحصن من قبل الكاهنة البربرية “ديهيا” خلال الحرب بينها وبين جيوش المسلمين..
ومن المفارقات الطريفة والغريبة تحول المكان من مكان للصراعات الدموية حتى الموت بين المقاتلين والوحوش المفترسة، أو لمبارزات بين المتنافسين حتى الموت أيضا.. إلى مكان للمسات الأنامل الرقيقة للآلات الموسيقية التي تصدح معها الأصوات الرائعة..
كان السبب الرئيس في هذا التحول الطريف والجميل.. السياسي التونسي البارز السيد “محمد الناصر” الذي كان آخر مناصبه رئيس الجمهورية التونسية السابق بالنيابة بعد رحيل الرئيس “الباجي قائد السبسي” رحمه الله.. والذي قام بتأسيس هذا المهرجان الرفيع المتخصص والمميز في 1985، وباشر نشاطه الفعلي في 1986 “مهرجان الموسيقى السيمفونية بالجم”، والذي يقام منذ ذلك التاريخ كل عام في “كوليسيوم الجم ـ قصر الجم”، ويأتي إليه كل عام جمهور عريض عاشق للموسيقى السيمفونية والغناء الأوبرالي المصاحب له.. من داخل تونس وخارجها، خاصة من الدول الأوروبية.. حيث يمكن لهذا الجمهور مشاهدة فرق شديدة التميز قد لا يستطيع مشاهدتها في بلاده في نفس الظروف والمحيط الاستثنائي، فضلا عن ارتفاع أسعارها بشكل مبالغ فيه عن الأسعار المنافسة بقوة والأفضل التي تقدمها تونس، رغم أنها تشمل تذكرة الطائرة وزيارة المعالم، مع عشاء تقليدي مميز، والمبيت في الفندق عقب انتهاء الحفل..
ويلعب “مهرجان الجم للموسيقى السيمفونية” دورا كبيرا في الترويج السياحي لآثار الجم الرومانية المميزة بشكل خاص، وولاية المهدية بوجه عام، وهو ما يترجم عمليا إلى رواج اقتصادي للمنطقة، كما يعطي انطباعا إيجابيا عن تونس.. بالإضافة لكونه مهرجانا موسيقيا متخصصا وفريدا من نوعه على المستويين الإقليمي والقاري..

ـ وقد قررت “جمعية مهرجان الجم للموسيقى السيمفونية” ولأول مرة أن يكون المؤتمر الصحفي الخاص بالمهرجان في دورته الـ 39 وسط الآثار الرومانية، والتماثيل الرخامية والفسيفساء البديعة في “متحف الجم”.. وقد انعقد المؤتمر بحضور محلي ودولي من وسائل الإعلام وضيوف الشرف، وممثلي الجهات الراعية للمهرجان.. حيث ألقت الرئيسة المديرة العامة لأحد البنوك الراعية للمهرجان كلمة ترحيبية.. أعقبها فاصل موسيقي كلاسيكي أنيق للعازفين “وسيم مقني” و”مهدي الطرابلسي”..
ـ برنامج المهرجان في دورته الـ 39:
عقب الفاصل الموسيقي كشف السيد “مبروك العيوني” المدير الفني لمهرجان الجم للموسيقى السيمفونية اللثام عن برنامج المهرجان في دورته الـ 39.. والتي تبدأ في 11 جويلية ـ يوليو المقبل، وتنتهي في 15 أوت ـ أغسطس 2026.. يقدم خلالها عشرة عروض، حيث ستكون سهرة الافتتاح تونسية كما اعتاد المهرجان في دوراته الأخيرة بعرض “ديدون وإينياس” تأليف الموسيقي البريطاني “هنري بيرسل”، والذي يعد من روائع “عصر الباروك”.. من إنتاج مسرح أوبرا تونس، والذي قامت “شبكة طريق الحرير اليوم” بتقديم قراءة له منذ أسابيع مع عرضه الأول على مسرح الأوبرا في مدينة الثقافة الشاذلي قليبي..
15 جويلية ـ يوليو يقدم الأوركسترا السيمفوني بسوسة سهرة تجمع بين الموسيقى الكلاسيكية والموسيقى الشرقية والأوبرا مع طربيات كلاسيكية تقدمها الفنانة “دُرصاف الحمداني”..
18 جويلية ـ يوليو.. فرقة كاميراتا برشلونة، ألوان من إسبانيا..
24 جويلية ـ يوليو.. أوركسترا الأورفيون، حفل مهدي “لمارسيل خليفة” في الجزء الأول، وفي الجزء الثاني مجموعة “مهدي الحدجري” مع مدينة أطفال 93، وأولاد “الجم”.. عرض مهدي إلى أغاني المنفى فرنسا..
25 جويلية ـ يوليو.. أوركسترا الأورفيون ـ بوليرو دو رافال، وموسيقى “شهرزاد” لـ “ريمسكي كورساكوف”..
1 أوت ـ أغسطس.. أوركسترا بال ـ أوبرا فيينا..
6 أوت ـ أغسطس.. OIDA موسيقى السينما CINECITTA هوليوود ـ إيطاليا..
8 أوت ـ أغسطس.. OIDA نابولي في المتوسط.. أجمل أغاني نابولي إيطاليا..
12 أوت ـ أغسطس.. الأوركسترا السيمفوني بقرطاج..
15 أوت ـ أغسطس.. يعود عازف الكمان الفذ “يوري غيفيتش” الذي اختتم دورة المهرجان الماضية مع الأوركسترا السيمفوني التونسي..

ـ اختتم المؤتمر الصحفي بعرض راقص كنا قد قمنا بتغطيته منذ سنوات خلال “أيام قرطاج الرومانية” بعنوان “أورفي وأيريديس” كوريجرافيا “جهاد شحيدر”..

وقبل رحلة العودة إلى تونس العاصمة أقيم حفل استقبال بسيط للحضور قدمت خلاله وصفات من المأكولات التي تعود لعصر الرومان حسب وصفاتها المدونة، والتي يقدمها أحد الأماكن المتخصصة في مدينة “الجم”، حيث يمكن تناول مأكولات من وصفات عصر الرومان، بالملابس الرومانية والجو الروماني المحيط الذي يستحضر هذا العصر، كأننا نعود إلى هذا الزمن دون الحاجة إلى آلة الزمن التي ابتدعها “هيربرت جورج ويلز”.






