دكتور حسين عبد البصير
في قلب القاهرة، وعلى ضفاف الزمن المصري الممتد من برديات الفراعنة إلى وثائق الدولة الحديثة، تقف الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية شامخة كأنها معبد للذاكرة الوطنية، وحارسة أمينة لروح مصر التي لا تموت. ليست دار الكتب مجرد مبنى يضم رفوفًا من الكتب الصامتة، ولا قاعات تحفظ أوراقًا صفراء أرهقها العمر، بل هي عقل مصر الذي يتذكر، وقلبها الذي لا يتوقف عن النبض بالحكايات والأسرار والوثائق والكنوز الإنسانية.
حين يدخل الباحث إلى هذا الصرح العريق، يشعر وكأنه يعبر بوابة خفية إلى أعماق التاريخ؛ هنا تسكن أصوات السلاطين والخلفاء، وهمسات العلماء والشعراء، وقرارات الحكام، ورسائل العشاق، وخرائط المدن القديمة، وسير الحروب والانتصارات والانكسارات. كل وثيقة داخل الدار تحمل روح عصرها، وكل مخطوط يشبه سفينة نجت من الغرق كي تصل إلينا حاملة ذاكرة القرون.
لقد أدركت مصر الحديثة مبكرًا قيمة الوثيقة والكتاب، حين أسس محمد علي باشا “الدفترخانة” لتكون ذاكرة الدولة الإدارية والسياسية، ثم جاء مشروع علي باشا مبارك التنويري ليؤسس دار الكتب المصرية في عصر الخديوي إسماعيل، مؤمنًا بأن الأمم العظيمة لا تُبنى بالسيف وحده، بل بالكتاب والعلم والمعرفة. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الدار واحدة من أهم خزائن التراث في العالم العربي والشرق الأوسط.
وفي أروقة هذا العالم الساحر، تستقر كنوز نادرة لا تُقدر بثمن؛ مخطوطات مذهبة، ومصاحف تاريخية، ووثائق سياسية، وخرائط قديمة، وكتب نادرة نجت من الحروب والحرائق وتقلبات الزمن. هناك تشعر أن الورق نفسه يتنفس، وأن الحبر القديم لا يزال يحتفظ بحرارته الأولى، وكأن الكُتّاب الذين خطوا هذه الكلمات لم يغادروا العالم بعد.
لكن عظمة دار الكتب والوثائق القومية لا تكمن فقط في حفظ الماضي، بل في قدرتها على منحه حياة جديدة. فعمليات الترميم الدقيقة التي تُجرى داخل معاملها تشبه جراحات معقدة تُنقذ ذاكرة الإنسانية من الفناء. المرممون هناك لا يعالجون أوراقًا تالفة فحسب، بل يرممون الزمن نفسه، ويمنحون التاريخ فرصة أخرى للبقاء.
ومع الثورة الرقمية، دخلت الدار عصرًا جديدًا من التحديث، فلم تعد الكنوز حبيسة الأدراج والخزائن المغلقة، بل أصبحت الرقمنة والأرشفة الإلكترونية جسرًا يصل الماضي بالمستقبل، ويجعل المعرفة أكثر قربًا من الباحثين والقراء في كل مكان. وهكذا تواصل المؤسسة دورها التاريخي، لكن بأدوات العصر الحديث، لتؤكد أن حماية التراث ليست رفاهية ثقافية، بل معركة وعي وهوية ووجود.
إن الأمم التي تفقد ذاكرتها، تفقد نفسها. ومن هنا، تبدو دار الكتب والوثائق القومية أشبه بحارس أبدي للروح المصرية، ذلك الحارس الذي يقف في مواجهة النسيان، ويحمي تاريخ مصر من الضياع والتشويه. فهي ليست مجرد مؤسسة ثقافية، بل واحدة من أعظم قلاع القوة الناعمة المصرية، ومرآة حضارة آمنت منذ فجر التاريخ بأن الكلمة أبقى من الحجر، وأن المعرفة هي الطريق الحقيقي إلى الخلود.





