الإفتاء بين سلطة النص وحركة التاريخ: قراءة في كتاب “الإفتاء والتاريخ” لأحمد التوفيق

 

د. حمزة مولخنيف

تنتمي العلاقة بين النص والتاريخ إلى أعقد القضايا التي شغلت الفكر الإسلامي، ذلك أنها تجمع في آن واحد أسئلة المرجعية والاجتهاد والتأويل ومساءلة الواقع. فعندها يتحدد موقع النص من توجيه الحياة الاجتماعية وعندها أيضا يقاس أثر التحولات التاريخية في إعادة صياغة الفهم الديني وتوجيه مساراته. ولذلك ظلت هذه العلاقة موضع جدل علمي عريض، تراوحت فيه المواقف بين تيار يمنح النص سلطة تفسيرية تكاد تكون مطلقة، وتيار يجعل من التاريخ الإطار الحاكم الذي يفسر الخطاب الديني وتحولاته في ضوئه.

في هذا الأفق الإشكالي يندرج كتاب أحمد التوفيقالإفتاء والتاريخ: قضية المرجع الديني في النقاش حول التنمية ببلاد الإسلام، وهو عمل لا يعالج الإفتاء بوصفه نشاطا فقهيا محضا، وإنما يقاربه ظاهرة تاريخية تتفاعل فيها المرجعية الدينية مع البنيات الاجتماعية والسياسية والثقافية، وتتشكل من خلالها صور متعددة لحضور الدين في المجال العام. وبهذا الاختيار ينتقل البحث من سؤال الحكم الشرعي إلى سؤال الوظيفة التاريخية للفتوى، ومن تحليل النصوص إلى مساءلة شروط إنتاجها وفاعليتها في الواقع.

وتسعى هذه القراءة من هذا المنطلق إلى مناقشة الأطروحة المركزية التي يدافع عنها المؤلف والوقوف عند اختياراته المنهجية وتقويم نتائجها المعرفية، مع بيان ما أتاحته المقاربة التاريخية من إمكانات تفسيرية وما تثيره في المقابل من أسئلة تتصل بحدودها في تفسير العلاقة المركبة بين النص والتاريخ.

تتخذ إشكالية النص والتاريخ في الفكر الإسلامي صورا متعددة غير أن مجال الإفتاء يكشف عنها بأوضح تجلياتها؛ فالفتوى هي اللحظة التي يغادر فيها النص مستوى التجريد ليصبح جزءا من حركة الواقع وتفاعلاته. إنها تقف في منطقة وسطى بين المرجعية الثابتة والتحولات المتغيرة وبين ما يستمد شرعيته من النص وما يفرضه السياق من أسئلة وإكراهات، ومن هذا الموقع الوسيط تعددت المقاربات التي حاولت تحديد طبيعة هذه العلاقة وحدودها.

أحمد التوفيق

فالفتوى في صورتها الفقهية المجرَّدة حكمٌ يُستنبط من نص ويعرض على واقعة فيصدر بتا لا يلتفت إلى الشرط الذي أنتج السؤال ولا إلى المصير الذي ستؤول إليه الإجابة. هذا التصور على وجاهته الأصولية يعزل الفتوى عن زمنها ويحولها إلى معطى معلق في أفق النص وحده خارج التاريخ. وفي الجهة المقابلة يقف من يرى في الفتوى انعكاسا لموازين القوى الاجتماعية لا أكثر، فيُفرغها من منطقها الداخلي ومن الشرعية التي تستمدها من اتصالها بالمرجعية الدينية. وبين هذين المنزلقين اللذين طالما اقتسما الكتابة عن الإفتاء، يشتغل كتاب التوفيق محاولا الإفلات من فخّيهما معا فيعيد تركيب العلاقة بين الفتوى والتاريخ باعتبارهما عنصرين متداخلين في صناعة الوعي الاجتماعي، لا حدا شرعيا معلقا من جهة ولا إطارا خارجيا حاكما من جهة أخرى.

ويحمل هذا الكتاب سلطة مضاعفة تتصل بموضوعه كما تتصل بصاحبه، فالتوفيق مؤرخ ظل زمنا طويلا مشغولا بإشكالات الفكر الديني المغربي، قبل أن يجد نفسه بعد ذلك مسؤولا عن تدبير الحقل نفسه الذي كان يكتب فيه من بعيد. وهذه اللحظة التي ينتقل فيها الباحث إلى موقع الفاعل تمنح الكتاب طبقة قراءة إضافية، فهو ليس أثرا أكاديميا فحسب بل وثيقة عن عقل كان يتهيأ دون أن يدري بعد لتدبير شأن الظاهرة عينها التي كان يدرسها.

صدر الكتاب سنة 2019، لكن مادته العلمية أُنجزت كبحث جامعي سنة 1992 بكلية الآداب بالرباط، في سياق كانت الدراسات الإنسانية تبدأ فيه اقترابها من الظاهرة الدينية بعيدا عن حصرها في المقاربة الفقهية. وهذه الفجوة الزمنية بين الإنجاز والنشر ليست تفصيلا عابرا، إذ يحق للقارئ أن يتساءل: هل كان التوفيق بعد عقدين من إدارة الشأن الديني سيكتب الكتاب نفسه لو أعاد تأليفه اليوم؟

يعلن المؤلف منذ الصفحات الأولى أن ما يشغله هو الإفتاء كفعل تاريخي لا الإفتاء كعلم من علوم الشريعة، وهذا التحديد المنهجي هو نقطة الانعطاف التي يقوم عليها المشروع كله. فالسؤال هنا لا يتعلق بالحكم الشرعي في ذاته وإنما بالكيفية التي يتحول بها هذا الحكم إلى قوة فاعلة في حركة المجتمع وبالشروط السياسية والاقتصادية التي تصوغ الفتوى بدورها. وهو انتقال من سؤال المعيارية إلى سؤال الفاعلية التاريخية، يضع صاحبه في أفق العلوم الإنسانية أكثر مما يضعه في أفق الدراسات الفقهية التقليدية. ويكشف عنوان الكتاب نفسه عن هذا الاختيار؛ فالعلاقة بينالإفتاءوالتاريخصيغت بالعطف لا بالمقابلة، وكأن المؤلف يرى أن أحدهما لا يُفهم دون الآخر. ثم تأتي العبارة الفرعيةقضية المرجع الديني في النقاش حول التنمية ببلاد الإسلامفتوسّع دائرة البحث من الفتوى كفعل فقهي إلى المرجعية الدينية كلها وموقعها من النقاشات الكبرى حول التقدم والتحديث.

والتاريخ في تصور أحمد التوفيق ليس أرشيفا للوقائع الماضية بل هو المجال الذي تتفاعل داخله النصوص مع الأحداث وتتبدل فيه أولويات التأويل. فالفتوى من هذه الناحية، استجابة بشرية لمعطيات تاريخية محددة مهما توثقت صلتها بالنصوص المؤسِّسة. ولا يعني هذا ذوبانا في نزعة تاريخانية تنفي المرجعية الدينية أو تختزلها في بنية اجتماعية متغيرة، إذ يحافظ المؤلف على حضور المرجع الديني كعنصر يمنح الفتوى مشروعيتها ويرفض في الوقت نفسه اختزالها في استنباط فقهي معزول عن شروط الواقع. وهذا التوازن بين احترام السلطة الدينية واستحضار منطق التاريخ هو ما يمنح الكتاب طابعه الخاص.

أما التنمية هنا فليست مفهوما اقتصاديا ضيقا، وإنما سؤال حضاري يتعلق بتنظيم المجتمع وإدارة السياسة وتوجيه الثقافة وتحديد صورة الإنسان. والعلاقة بين الفتوى والتنمية لا تمر مباشرة، وإنما عبر سؤال المرجعية، أي عبر الكيفية التي يُستحضر بها النص الديني لتبرير موقف من مواقف الحياة العامة. غير أن هذا التوسع في مفهوم التنمية يظل مع ذلك غير مسبوق بمساءلة فلسفية كافية؛ فالتنمية مفهوم حديث نشأ داخل سياق حضاري غربي ثم انتقل إلى العالم الإسلامي محمَّلا بدلالات اقتصادية وسياسية معقدة، وكان تخصيص حيز لتحليل هذا المفهوم قبل ربطه بالمرجعية الدينية سيمنح الأطروحة عمقا فلسفيا أوفى، إذ يتغير السؤال كله بحسب ما إذا كان المقصود بالتنمية النمو الاقتصادي أم بناء الدولة أم الارتقاء بالإنسان.

ويُحسب للمؤلف أنه يتجنب التمجيد كما يتجنب الإدانة فلا يجعل من الفتوى سببا لكل تخلف ولا حلا سحريا لكل مشكلات الأمة، ويُؤْثر الاقتراب من الوقائع والإنصات إلى الوثائق قبل إصدار الأحكام. وهذه الروح التاريخية هي التي تمنح الكتاب رصانته وتجعل القارئ أمام مؤرخ لا أمام صاحب أطروحة أيديولوجية جاهزة.

ومن أبرز ما يميز هذا العمل توسيعه مفهوم الإفتاء نفسه إذ لا يحصره المؤلف في المفتي الرسمي أو الفقيه المختص، وإنما يرى أن كل من استند إلى النص الديني لتبرير موقف أو سلوك دخل بمعنى واسع في دائرة الإفتاء. فالحاكم يستدعي المرجعية لتثبيت سلطانه والمعارض يستدعيها للطعن في شرعيته والتاجر يحتج بها لتبرير معاملاته والخطيب يوظفها لتوجيه الرأي العام، بل حتى العامة يستحضرونها لتسويغ عاداتهم. وبهذا تصبح الفتوى لغة اجتماعية أكثر منها مؤسسة مغلقة تتجاوز حدود النصوص إلى فضاءات السياسة والاقتصاد والثقافة. غير أن هذا التوسيع رغم إغرائه التفسيري يفتح سؤالا منهجيا حقيقيا؛ فإذا كان كل استدعاء للنص الديني ضربا من ضروب الإفتاء فإن الحدود بينالاجتهادوالاحتجاج، وبينالإفتاءوالخطاب الدينيبوجه عام تصبح أقل وضوحا. فليس كل استشهاد بالنصوص إفتاء بالمعنى الدقيق وإلا غدت كل ممارسة خطابية في المجتمع ضربا من ضروب الإفتاء. وكان التحليل سيغدو أكثر إحكاما لو ميز المؤلف بين سلطة الفقيه المؤسسية والاستعمال الاجتماعي للمرجعية الدينية، فكلاهما يخضع لمنطق مختلف وإن اشترك الاثنان في استدعاء النصوص.

وعلى مستوى المنهج أعرض أحمد التوفيق عن جعل محور كتابه صحة الفتوى أو بطلانها وجعل محوره وظيفتها التاريخية وهذه النقلة الدقيقة هي التي تمنح العمل فرادته. فالفقهاء عادة يدرسون الفتوى كحكم شرعي بينما يدرسها التوفيق حدثا له شروط إنتاجه وآثاره وشبكة المصالح التي تتحكم في مساره؛ فلا يسأل عن صواب المفتي أو خطئه وإنما يسأل لماذا قال هذا القول في هذا الظرف دون غيره؟ ولماذا نجحت فتوى في التأثير بينما فشلت أخرى؟ ويعتمد في ذلك اعتمادا كثيفا على الوثيقة الأصلية عائدا إلى كتب النوازل والفتاوى والمصادر المغربية القديمة قارئا إياها قراءة جديدة لا تكتفي بما تقوله وإنما تصغي إلى ما سكتت عنه وما افترضته بديهيا. فتتحول الفتوى بهذا إلى نص متعدد الطبقات يُخبر عن الحكم الشرعي فيما يكشف في الآن نفسه عن البنية الاجتماعية وميزان القوى السياسية وطبيعة الذهنية السائدة في عصره. وبهذا ينقلب موقع الوثيقة الفقهية من مصدر مساعد يُستأنس به في كتابة التاريخ إلى موضوع للتاريخ ذاته، وهو انقلاب يقتضي الانتقال من استعمال النص إلى مساءلة منطق إنتاجه.

ويتجلى هذا المنهج بوضوح في معالجة المؤلف لفتوى الفقيه محمد الكيكي القاضية بحرمان النساء من الإرث في بعض المناطق الجبلية. فالمفتي كما يرى التوفيق انطلق من منطق فقهي سليم في ذاته، لكنه لم يدرك البنية الاجتماعية التي كانت تتحكم في ملكية الأرض داخل القبيلة، فجاءت فتواه مواجهة للتاريخ أكثر منها قادرة على تغييره. وهذا مثال يكشف حسا تاريخيا دقيقا إذ يلفت الانتباه إلى أن تطبيق الأحكام لا يجري في فراغ وإنما داخل أنساق اجتماعية معقدة.

ومن هذه الأمثلة وغيرها ينتهي المؤلف إلى تصنيف العلاقة بين الفتوى والتاريخ في خمس صيغ: الفتوى المواجهة للتاريخ، والملبِّسة عليه، والمجاملة له، والمتجاهلة له، والباحثة عنه. ويكشف هذا التصنيف نزعة تركيبية واضحة، فهو لا يكتفي بسرد الأمثلة، بل يستخرج منها أنماطا تفسيرية عامة. غير أن التاريخ أسيل من أن يُختزل في خمسة نماذج ثابتة، فالفتوى الواحدة قد تكون مواجهة للتاريخ من زاوية ومجاملة له من زاوية أخرى، ويبقى الفاصل بين هذه الأنماط في كثير من الأحيان فاصلا تحليليا أكثر منه واقعيا. وثمة سؤال لم يجب عنه الكتاب بصراحة، ما المعيار الذي يجعل فتوى ما مواجهة للتاريخ وأخرى مجاملة له؟ أهو معيار تاريخي محض أم حضاري أم مرتبط بمدى نجاح الفتوى في تحقيق الإصلاح؟ وغياب هذا الجواب يجعل التصنيف في بعض المواضع أقرب إلى الاجتهاد الشخصي منه إلى الضبط المنهجي الصارم.

وأميل هنا إلى تسجيل ملاحظة تتصل بفلسفة الكتاب الضمنية، فالمؤلف يمنح العامل التاريخي في مواضع كثيرة وزنا تفسيريا كبيرا حتى يبدو التاريخ وكأنه المفتاح الوحيد لفهم الفتوى. صحيح أن الفتوى لا تولد خارج التاريخ لكن التاريخ وحده لا يصنعها؛ فهي أيضا بنت النسق العلمي الذي ينتمي إليه المفتي ومدرسته الأصولية وترتيبه للأدلة ونظره الخاص إلى المصالح والمقاصد والعرف والاستحسان. وقد كان المؤلف نفسه واعيا بهذه الحقيقة حين أشار إلى أن المقاربة التاريخية وحدها لا تكفي وأن دراسة الفتوى تستوجب الإفادة من المقاربة الفقهية والأصولية كذلك، غير أن هذا الاعتراف النظري لم ينعكس دائما على بنية التحليل إذ ظل الحضور التاريخي هو الأكثف، فيما ظهر البعد الفقهي خلفية عامة أكثر منه أداة تحليلية موازية.

ويتصل بهذه الملاحظة قصور آخر يخص اتجاه العلاقة بين الطرفين؛ فالفتوى ليست دوما في موقع الخضوع للتاريخ وقد تكون على العكس من ذلك مشروعا لتغييره ولو بعد حين. فكثير من الإصلاحات الكبرى في التاريخ الإسلامي بدأت بفتاوى لم تجد قبولا فوريا ثم أسهمت تدريجيا في تعديل الوعي الاجتماعي. وكان من الممكن أن تبرز هذه الجدلية المتبادلة بصورة أوضح حتى لا يبدو التاريخ الفاعل الوحيد في صناعة الفتوى وحتى لا يظل الفقيه في المقابل مجرد مستجيب لما يفرضه عليه واقعه.

وثمة إشكال آخر يتصل بمجال التطبيق، فالكتاب يكاد ينحصر في التجربة المغربية وهو اختيار مفهوم بحكم تخصص المؤلف، لكن عنوانه يحيل إلىبلاد الإسلامبوجه عام، وتلك فجوة بين أفق العنوان ومجال البرهنة. وكان من شأن مقارنات مع تجارب المشرق أو الدولة العثمانية أو شبه القارة الهندية أن تختبر صلاحية هذا النموذج التفسيري خارج المجال المغربي، إذ ليست المقارنة إضافة معلومات بقدر ما هي أداة لاختبار الفرضيات وتمييز العام من الخاص. على أن هذا التركيز على المغرب يمنح الكتاب في المقابل ميزة لا تُنكر، فقد أتاح للمؤلف استثمار معرفته الدقيقة بالمصادر المحلية وجنّبه التعميمات الفضفاضة التي كثيرا ما تطبع الدراسات المقارنة، فجاءت أمثلته حية مرتبطة بوقائع دقيقة تعكس خبرة المؤرخ لا مجرد ثقافة عامة.

ولا يمنح الكتاب من جهة أخرى نظرية المقاصد المكانة التي تستحقها في تحليل العلاقة بين النص والواقع، رغم أن المقاصد من أهم الجسور التي تربط الأحكام الشرعية بمصالح الناس وتحولات مجتمعاتهم. ولو استثمر المؤلف هذا المدخل بصورة أوسع لبلغ رؤية أكثر تكاملا للعلاقة بين المرجعية الدينية والتنمية. ويبرز في الكتاب أيضا أثر واضح لتكوين المؤلف الفكري الذي يجمع بين المؤرخ والمهتم بالفكر الصوفي، فيميل في معالجة بعض النماذج المتعلقة بالتصوف إلى إبراز وظيفته الاجتماعية والتربوية مع تقليل الحديث عن الإشكالات التي أثارتها بعض التجارب الصوفية عبر التاريخ الإسلامي. وليس المقصود التشكيك فيما ذهب إليه وإنما الإشارة إلى أن القراءة التاريخية تزداد ثراء حين تمنح المسافة نفسها لجميع الفاعلين دون أن تطغى عليها خلفيات صاحبها الفكرية.

وعلى مستوى الأسلوب يكتب التوفيق بلغة موزونة بين الوضوح والعمق وبين الإيجاز والإيحاء فتبدو عباراته محكمة البناء قليلة الزوائد. غير أن هذا الإيجاز ذاته يجعل بعض الأفكار تمر سريعا وكأن المؤلف يفترض في قارئه معرفة سابقة واسعة بتاريخ المغرب وأدبيات النوازل، فيشعر القارئ غير المتخصص أن بعض الانتقالات تستدعي مزيدا من التفصيل. ثم إن كون البحث أُنجز سنة 1992، أي قبل الثورة الرقمية وبروز الفضائيات الدينية وتحول وسائل التواصل إلى أحد أكبر فضاءات إنتاج الفتوى، يجعله اليوم في حاجة إلى استئناف نظر يواكب ما عرفته مؤسسة الإفتاء من تحولات الإفتاء الرقمي وعولمة المرجعيات وتعدد سلطات الإفتاء وإعادة بناء المؤسسة الدينية في الدولة الحديثة.

ولم يكن التوفيق معنيا بكتابة تاريخ للإفتاء بقدر عنايته بإعادة التفكير في موقع المرجعية الدينية داخل حركة التاريخ الإسلامي؛ فالإشكالية التي حكمت الكتاب منذ بدايته إشكالية حضارية تتعلق بكيفية حضور الدين في النقاش العمومي حول التنمية وبالطريقة التي يتحول بها الخطاب الإفتائي إلى عنصر فاعل في تشكيل الوعي الاجتماعي. وقد نجح المؤلف إلى حد بعيد في نقل دراسة الفتوى من مجال الأحكام المجردة إلى مجال التاريخ الحي وفي إبراز أن النصوص لا تتحرك خارج شروطها الاجتماعية والسياسية، وأن المفتي مهما بلغت منزلته العلمية يظل ابن عصره يتفاعل مع قضاياه وإكراهاته.

وتبقى القيمة الكبرى لهذا الكتاب في تقديري كامنة في الأسئلة التي أعاد طرحها على الباحثين في التاريخ والفكر الإسلامي أكثر مما هي كامنة في النتائج التي انتهى إليها؛ فقد أعاد الاعتبار للفتوى وثيقة حضارية مركبة وللتاريخ شرطا لا غنى عنه لفهم حركة الاجتهاد وفتح من جديد النقاش حول العلاقة الدقيقة بين المرجعية الدينية والتنمية، وهي علاقة ما تزال إلى اليوم من أكثر القضايا حضورا في الفكر الإسلامي المعاصر. ويستحق هذا الكتاب لما سبق ذكره أن يُعاد نشره في طبعة علمية منقحة ومزيدة يضيف إليها المؤلف خلاصات تجربته في تدبير الحقل الديني ويعيد فيها مناقشة ما عرفه موضوع الإفتاء من تحولات عميقة خلال العقود الثلاثة الأخيرة. فهذا العمل يبقى شاهدا على قدرة المؤرخ حين يتسلح بحس نقدي رصين وعلى إمكان فتح آفاق جديدة لفهم الظواهر الدينية بعيدا عن ثنائية التمجيد والإدانة، داعيا قارئه إلى التفكير من جديد في العلاقة المعقدة بين النص والواقع وبين الدين والتاريخ وبين المرجعية والتنمية.

Related Posts

كازاخستان تستضيف المؤتمر العالمي لقراءات شعرية من أجل السلام

طريق الحرير اليوم  – ألماتي، كازاخستان | يوليو 2026 في تأكيد قوي على الدور الذي يضطلع به الشعر في تعزيز السلام، والحوار بين الثقافات، والتفاهم المتبادل، تستضيف مدينة ألماتي الكازاخستانية…

World Peace Poetry Recitation Congress to Convene in Kazakhstan

Almaty, Kazakhstan | July 2026 In a powerful affirmation of poetry’s role in promoting peace, intercultural dialogue, and mutual understanding, the World Peace Poetry Recitation Congress will take place on…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *