انعقدت في 18 سبتمبر 2026، بالمركز التجاري الدولي في موسكو، جلسة رفيعة المستوى بعنوان «التحديث الإنساني بوصفه استراتيجية رئيسية لاستعادة معاني وقيم التطور الحضاري»، وذلك في إطار أعمال الجمعية العالمية العامة الثانية «عالم جديد: القيم التي توحّد»، التي استضافتها موسكو يومي 18 و19 سبتمبر.
وناقش المشاركون أزمة النظام العالمي المعاصر، والحاجة إلى التحديث الإنساني، والحفاظ على الذاكرة التاريخية والتنوع الثقافي، إلى جانب دور العلم والتعليم والفنون في بناء مستقبل مستدام وآمن.
وضمت الجلسة ممثلين عن منظمات دولية حكومية وغير حكومية، وخبراء في الثقافة والعلوم والتعليم والاتصال، وكتّابًا وشعراء، وممثلين عن المؤسسات العلمية والتعليمية، وشخصيات مؤثرة في الرأي من دول مختلفة حول العالم.
أدار الجلسة كل من ألكسندرا أوتشيروفا، الرئيسة المشاركة للمجلس الاستشاري الأعلى للجمعية العالمية للشعوب، وسفيرة اليونسكو للنوايا الحسنة، وعضو اللجنة الحكومية الروسية لليونسكو، والحاصلة على دكتوراه في العلوم الفلسفية؛ ويوليا بتروفا، نائبة الأمين العام للجمعية العالمية للشعوب وأستاذة في الجامعة المالية التابعة لحكومة روسيا الاتحادية.
وفي افتتاح اللقاء، أشارت ألكسندرا أوتشيروفا إلى أن العالم أصبح أكثر ترابطًا، لكنه في الوقت نفسه أصبح شديد التعقيد، بحيث لم تعد الإدارة الأحادية القطب قادرة على العمل. وأكدت أن الإنسان هو القيمة الأساسية للحضارة المعاصرة، غير أن الحفاظ على هذه الأولوية يصبح مستحيلًا من دون استمرارية ثقافية.

وفي كلمته الترحيبية، دعا عدنان بدران، نائب رئيس مجموعة السلام العربية، ورئيس الوزراء الأردني الأسبق، ونائب المدير العام السابق لليونسكو، إلى أنسنة العلوم والتكنولوجيا بحيث تخدم البناء لا التدمير، مؤكدًا ضرورة التعاون الدولي لمواجهة المشكلات ذات النطاق العالمي.
وتناول ألكسندر زياجينتسيف، رئيس أكاديمية مبادئ نورمبرغ، ونائب مدير معهد الدولة والقانون التابع لأكاديمية العلوم الروسية، والحاصل على لقب محامٍ مكرّم في روسيا الاتحادية، دروس الحرب العالمية الثانية ومحاكمات نورمبرغ. وإذ استعاد الدور الحاسم للاتحاد السوفيتي في الانتصار على النازية، أعرب عن قلقه إزاء عودة هذه الأيديولوجيا إلى العالم المعاصر. واقترح، بوصفه أحد سبل المواجهة، استكمال القانون الدولي بمفهوم «الإبادة الجماعية الوطنية-الثقافية»، بما يشمل حظر اللغة الأم، والتدمير المتعمد للثقافة والذاكرة التاريخية.
وأجرت الكاتبة والصحفية إليزابيث هيريش مقارنات بين مصائر وأعمال كل من ألكسندر بوشكين وفولفغانغ أماديوس موزارت، موضحة كيف يستطيع العباقرة أن يقربوا بين الحضارات، متجاوزين الحدود السياسية والجغرافية.
وقدم أمري أمينوف، فنان اليونسكو من أجل السلام وسفير اليونسكو للنوايا الحسنة والنحات، مشروع نصب «الإيمان والأمل والحب»، المقترح إقامته في روسيا بوصفه رمزًا دوليًا للسلام والإنسانية ووحدة البشر.
أما الشاعر والكاتب ورئيس تحرير سلسلة «إبداعات طريق الحرير» ورئيس جمعية الصحفيين الآسيويين (2016-2024) والأمين العام لمؤتمر الصحفيين الأفارقة أشرف أبو اليزيد، فقد خصص مداخلته لدور الترجمة في حوار الحضارات. وأكد أن الترجمة ليست مجرد جسر بين الشعوب، بل هي الأساس الذي يُبنى عليه التفاهم المتبادل، وتصان من خلاله ذاكرة الثقافات وروحها.
وأكد الشاعر والروائي وكاتب السيناريو والمترجم، ورئيس حركة «الشعر العظيم»، تشاو شوي، أن البشر المعاصرين جميعًا ينحدرون من أسلاف مشتركين، وأن الاختلاف الجيني بينهم لا يتجاوز، وفق ما أورده في مداخلته، 0.01%.

وقال تشاو شوي:
«نحن لا نحتاج إلى المركزية الغربية ولا إلى المركزية الشرقية. ما نحتاج إليه حقًا هو مركزية الإنسان».
وقدمت ناتاليا ميخالتشينكوفا، المديرة العامة للمكتبة العلمية والتقنية العامة الحكومية، ثلاثة مقترحات رئيسية للنقاش: إحياء التبادل الدولي للكتب بوصفه «جسرًا إنسانيًا»، وتطوير برامج مشتركة للبحث العلمي والتعليم، وتوظيف التكنولوجيا في تقريب الناس والمعرفة بعضهم من بعض.
وتحدث كريستوفور كونستانتينيدي، المشرف العلمي على المركز العلمي والتعليمي الدولي «التراث العتيق لروسيا» والخبير في الأكاديمية الروسية للعلوم، عن روسيا بوصفها أحد المراكز الفريدة للحضارة القديمة. وأشار إلى أن مملكة البوسفور قامت في أراضي جنوب روسيا الحالية، وأن كيرتش، المعروفة تاريخيًا باسم بانتيكابايوم، تُعد أقدم مدينة في روسيا وفق ما طرحه في كلمته.
من جانبه، طرح غلام رضا سليماني، رئيس شؤون التأمين الحكومي في إيران، سؤالًا حول ما إذا كان التقدم التقني قادرًا على ضمان السعادة والعدالة. وشدد على أن التكنولوجيا ينبغي أن تكون وسيلة لا غاية في ذاتها، وأن تطور الحضارة يجب أن يستند إلى كرامة الإنسان والعدالة والحكمة.

وفي ختام اللقاء، أشارت ألكسندرا أوتشيروفا إلى أن التقدم العلمي والتكنولوجي يتجاوز سرعة تطور المعرفة الإنسانية، ودعت إلى البحث عن مبادئ إنسانية عالمية للتنمية.
وقد تكرر في مداخلات المشاركين محور أساسي مفاده أن التحديث الإنساني ينبغي أن يعيد إلى المجتمع المعاني والقيم التي فقدها التطور الحضاري، وأن الحوار بين الثقافات، والحفاظ على الذاكرة التاريخية، وتطوير التعليم والعلوم، ينبغي أن تصبح من الأدوات الرئيسية لبناء عالم مستدام وآمن.





