«البلاغة بالتفصيل».. هاني نديم يكتب تاريخ العلاقة بين الشعر والأزياء في كتاب مصوّر

في إصدار ثقافي جديد يفتح نافذة غير مألوفة على تداخل الفنون وتبادل التأثير بينها، صدر للشاعر والإعلامي والباحث السوري هاني نديم كتابه «البلاغة بالتفصيل»، عن دارة الشعر في عجمان، متناولاً العلاقة التاريخية والجمالية بين الشعر والأزياء، في محاولة معرفية وجمالية لاستكشاف لغة مشتركة نشأت بين هذين الفنين، وتطورت عبر العصور حتى غدا كل منهما مرآة للآخر ومصدراً لإلهامه.

ليس الكتاب دراسة في تاريخ الأزياء بمعناه التقليدي، ولا بحثاً في الصور الشعرية التي استعارت مفرداتها من عالم الثياب والزينة فحسب، بل هو رحلة في تاريخ الإنسان نفسه، منذ اكتشافه الأول لفكرة ارتداء الملابس، مروراً باكتشاف الزخرفة والتطريز والتشكيل، وصولاً إلى تحوّل الأزياء إلى خطاب ثقافي واجتماعي وجمالي، يحمل من الدلالات ما تحمله القصيدة من رموز وإيحاءات.

ومنذ السطور الأولى لمقدمته، يضع هاني نديم قارئه أمام فرضية لافتة: إن العلاقة بين الشعر والأزياء بدأت مع أول خيط ارتداه الإنسان، ومع أول زخرفة أضافها إلى ثيابه. فمنذ تلك اللحظة، لم يعد الزي مجرد ضرورة لحماية الجسد، بل أصبح مساحة للتعبير، ووسيلة لصناعة المعنى، وحقلاً تتقاطع فيه اللغة والخيال والهوية.

يكتب المؤلف في مقدمته: «مع أول خيطٍ ارتداه الإنسان، ابتدأ بناء معجمٍ لسانيٍ يهتم بتطور هذا المكتسب الجديد، ومع أولى الزخارف التي ازدانت بها الثياب، تدخّل الشعر في الأمر، وانطلقت حكايةٌ بلاغيةٌ رائعةٌ بين الفنين، الأزياء والشعر، فلا تعرف أيهما يفسر الآخر ويلهمه».

هاني نديم

ومن هذه الرؤية يؤسس الكتاب مقاربته؛ فالشعر والزي، بحسب المؤلف، يشتركان في عناصر تتجاوز ظاهر الاختلاف بينهما. فكلاهما يحتاج إلى خامة وخيال ومقصّ وحبك، وكلاهما يحتمل التأويل والدلالة والإحالة والمجاز والرمز. وإذا كان الشاعر يشكل قصيدته من الكلمات، فإن مصمم الأزياء يشكل عمله من الأقمشة والخطوط والألوان، وفي الحالتين نحن أمام فعل إبداعي يعيد ترتيب العناصر المألوفة ليمنحها معنى جديداً.

من إبرة العظم إلى فلسفة الموضة

يتتبع هاني نديم الجذور الإنسانية لصناعة الأزياء، مستدعياً إبرة العظم بوصفها واحدة من الأدوات الأولى التي استخدمها الإنسان في حياكة ملابسه. ولا تبدو هذه الإشارة مجرد معلومة تاريخية، بل مدخلاً لفهم فلسفة اللباس بوصفه فعلاً إنسانياً متصلاً باللغة والتصورات الذهنية والبنية الاجتماعية.

فالإنسان، في علاقته بملابسه، لا يكتفي بتغطية جسده، بل يصنع صورة عن ذاته، ويقدم للآخرين خطاباً بصرياً عن مكانته وذائقته وانتمائه وتطلعاته. ومن هنا يستحضر الكتاب رأي الفيلسوف والمؤرخ الألماني كارل كولر، الذي يرى أن الروح البشرية لا تبني جسدها فحسب، بل تصمم أيضاً زيها الخاص، وفقاً لإملاءات ما يسميه «روح العصر».

إن الزي، بهذا المعنى، ليس مجرد منتج مادي، وإنما وثيقة ثقافية تسجل تحولات المجتمعات، وتكشف عن تصوراتها للجمال والسلطة والحرية والاختلاف. وما ترتديه الجماعات والأفراد يصبح جزءاً من تاريخها، تماماً كما تصبح القصائد والروايات والمسرحيات سجلاً لوعيها وتحولاتها.

حين تصبح الملابس قصيدة قابلة للقراءة

ومن أجمل المسارات التي يفتحها الكتاب، النظر إلى الأزياء باعتبارها لغة مستقلة، لها مفرداتها وتراكيبها وإشاراتها، ويمكن قراءة تفاصيلها كما تُقرأ النصوص الأدبية.

وفي هذا السياق، يستشهد المؤلف بحكاية فلسفية ذات دلالة جمالية، ترويها فيلسوفة علم الجمال كارا لويس عن أقراط أهداها إليها حبيبها، لكنها وجدتها بشعة ومبالغاً في زينتها، بأحجار مزيفة تتراقص وتتلالأ. فتصفها بأنها «قصيدة بلاغية» تنطق ببلاغات لا تقول شيئاً، قبل أن تصل إلى تأويلها الأكثر قسوة: «أقراطه كانت تقول: أنا لا أحبك!».

تختصر هذه الحكاية جانباً مهماً من أطروحة الكتاب؛ فالأزياء لا تتحدث بالأقمشة والألوان وحدها، وإنما تحمل رسائل عاطفية ونفسية واجتماعية، وقد تقول قطعة صغيرة من الحلي ما تعجز الكلمات عن قوله. إنها بلاغة صامتة، لكنها ليست أقل قدرة على التعبير من بلاغة اللغة.

ويذهب هاني نديم إلى استكشاف الأصول اللغوية والدلالية لمفردة «الزي»، وما اكتسبته من تحولات في الاستعمال العربي، متوقفاً عند صلاتها بالهيئة والمنظر واللباس والتشبيه والزينة، وما يتفرع عنها من إيحاءات. ويمنح هذا الاشتغال اللغوي الكتاب بعداً إضافياً، إذ لا يكتفي بملاحقة تاريخ الثياب، بل يتقصى أيضاً تاريخ الكلمات التي تصفها، وكيف تتسع دلالاتها وتتغير عبر الاستعمال.

شكسبير ودانتي على منصات الأزياء

ولا تقف العلاقة التي يرصدها الكتاب عند حدود التأثير المتبادل بين القصيدة والملابس، بل تمتد إلى شبكة واسعة من التفاعلات بين الأدب والفنون البصرية والمسرح والسينما والموسيقى.

فالأدب، كما يوضح المؤلف، لم يكن بعيداً عن مختبرات مصممي الأزياء، بل دخلت شخصياته وعوالمه إلى منصات العروض، واستلهم المصممون أعمال كبار الكتاب، من شكسبير ودانتي وبرنارد شو وجول فيرن وترومان كابوتي وجاك كيرواك وأوسكار وايلد، عبر تجارب لمصممين مثل كوكو شانيل وإيف سان لوران وكيم جونز.

وفي الاتجاه المعاكس، غادرت شخصيات أدبية شهيرة صفحات الكتب لتصبح حاضرة في عروض الأزياء، من دون جوان ودون كيخوته إلى غاتسبي العظيم والملك لير، بما يؤكد أن الشخصية الأدبية قادرة على تجاوز وسيطها الأول، لتكتسب حياة جديدة في التشكيل البصري.

وتتسع هذه العلاقة لتشمل مفارقات إبداعية أكثر إثارة؛ فقد كتب بعض مصممي الأزياء الشعر، مثل ألكسندر ماكوين، فيما حمل بعض الشعراء أدوات التصميم ومارسوا فعل التشكيل، كما في تجربة جان كوكتو.

إنها حركة عبور مستمرة بين الفنون، حيث لا يحتفظ أي فن بحدوده مغلقة، بل يستعير من جيرانه ويعيد إنتاج ما يستعيره وفق لغته الخاصة.

كتاب مصوّر يعيد اكتشاف الجمال

فستان «شكسبير» الذي صممه إيف سان لوران لمجموعة خريف وشتاء 1980، وارتدته العارضة مونيا أوروسمان. تحوّل فيه عالم الكاتب المسرحي الإنجليزي إلى تصميم من الحرير والذهب والتطريز، في واحدة من الشواهد البصرية المميزة على عبور الأدب إلى عالم الأزياء

وتكتسب أهمية «البلاغة بالتفصيل» خصوصيتها أيضاً من كونه كتاباً مصوراً، بما يجعل الصورة شريكاً في بناء المعرفة، لا مجرد عنصر تزييني يرافق النص. فموضوع الكتاب نفسه يستدعي الحوار بين الكلمة والصورة، وبين ما تقوله اللغة وما تكشفه التفاصيل البصرية في الأزياء.

ومن هنا تأتي قيمة هذا الإصدار الصادر عن دارة الشعر في عجمان، إذ يقدم موضوعاً يجمع بين تاريخ الفن وعلم الجمال والدراسات الثقافية والبحث اللغوي، ويضع القارئ أمام سؤال يتجاوز حدود الموضة: كيف يصنع الإنسان صورته، وكيف تتحول هذه الصورة إلى خطاب يقرأه الآخرون؟

Oplus_131072
Oplus_131072

يمثل «البلاغة بالتفصيل» إضافة إلى المكتبة العربية في الدراسات التي تبحث عن المساحات المشتركة بين الفنون، كما يقدم مدخلاً ممتعاً للقراء والباحثين والمهتمين بالشعر والتصميم وتاريخ الأزياء والثقافة البصرية.

وفي النهاية، تبدو الفكرة المركزية للكتاب أقرب إلى اكتشاف علاقة إنسانية قديمة منها إلى تأسيس مقارنة بين مجالين فنيين؛ فالشاعر ومصمم الأزياء، وإن اختلفت أدواتهما، يلتقيان عند الرغبة ذاتها: أن يمنحا المادة شكلاً، والشكل معنى، والتفصيل حياة أخرى.

فربما كانت القصيدة ثوباً للكلمات، وربما كان الثوب قصيدة لا تحتاج إلى أن تُقرأ بصوت مرتفع. وبين الاثنين، ينسج هاني نديم في «البلاغة بالتفصيل» حكاية طويلة عن الإنسان، وهو يحاول منذ إبرته الأولى وحتى أحدث تصاميمه أن يقول شيئاً عن نفسه، مرة بالكلمات، ومرة بما يرتديه.

Related Posts

A SEASON OF TOGETHERNESS, A CELEBRATION OF BELONGING

An International Poetry Anthology Brings Voices from Around the World Together in Australia Multicultural Press Inc. Announces the Publication of a New International Poetry Anthology Celebrating Family, Reunion, Cultural Diversity…

The Fierce Fight Within 

The Fierce Fight Within  (Pokhrelian Stanzas  6-7-8-7-6)        -by Santosh Kumar Pokharel It was a fierce fight Between this me and my I That was a struggle truly real What I shall never deny It was a rattling night Wait still I have a say Listen you wont go away Until my say here is over And open will the cover See all to your dismay We fight for life not vain But fights with ego remain What may lead us to move ahead No win is there and no gain Striving causes but pain Let life be as it may To things you attention pay Face them all wide this sets you free To things you attention pay Enjoy each passing day Live life that more and more See those who left you before No sense living in mental pain Take them as they are galore Such binding past I tore                                 #pokhreliknots 30 October 2026…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *