
بقلم دكتور حسين عبد البصير
لم تكن زيارتي الأولى لأهرامات الجيزة مجرد رحلة مدرسية عادية، ولم تكن بالنسبة إليّ نزهة ينتظرها تلاميذ المرحلة الإعدادية للخروج من الفصول وقضاء يوم مختلف. كانت شيئًا آخر تمامًا؛ كانت موعدًا طال انتظاره بين طفل في الثانية عشرة من عمره وأحلام أكبر بكثير من سنواته.
كنت في الصف الأول الإعدادي حين ذهبت مع زملائي في المدرسة إلى أهرامات الجيزة. كنت قد عرفت الآثار قبل ذلك بسنوات، حين زرت آثار منديس وأنا في المرحلة الابتدائية. هناك، في تلك الأرض التي شهدت جانبًا من عظمة مصر القديمة، بدأ شيء يتشكل داخلي. لم أكن أعرف اسمه آنذاك، لكنني كنت أشعر بأن الآثار ليست مجرد أحجار قديمة أو بقايا مبانٍ اندثرت، وإنما حكايات تركها أناس عاشوا قبلنا بآلاف السنين، وانتظروا من يأتي يومًا ليقرأها ويفهم أسرارها.
منذ زيارتي الأولى لمنديس، لم تعد مصر القديمة بالنسبة إليّ موضوعًا في كتاب المدرسة. أصبحت عالمًا مفتوحًا على أسئلة لا تنتهي. من هؤلاء الذين بنوا تلك المعابد؟ كيف عاشوا؟ ماذا كانوا يفكرون؟ وكيف استطاعوا أن يتركوا وراءهم آثارًا بقيت حية بعد آلاف السنين؟
كنت أحمل هذه الأسئلة معي إلى المدرسة، وأجد في كتب التاريخ ما يغذي فضولي، لكنني كنت أعرف أن قراءة الأهرامات شيء، والوقوف أمامها شيء آخر تمامًا.
وفي ذلك اليوم، وجدت نفسي أخيرًا أمام الأهرامات.
رأيتها ترتفع في الأفق، شامخة فوق هضبة الجيزة، كأن الزمن توقف عندها احترامًا لشيء لا يستطيع أن يفسره بالكامل. لم تكن الصور التي رأيتها في الكتب قادرة على نقل ذلك الإحساس. كان هناك فارق هائل بين أن تقرأ عن هرم خوفو، أكبر أهرامات الجيزة، وبين أن تقف أمامه وترفع رأسك لتتأمل امتداده إلى السماء.
كنت أنظر إلى الأحجار الضخمة، وأحاول أن أتخيل أيدي المصريين القدماء وهي تعمل، وعقول المهندسين الذين خططوا، والعمال الذين شاركوا في بناء ذلك الصرح العظيم. كنت أريد أن أعرف كل شيء. لم أكن أكتفي بالمشاهدة؛ كنت أحاول أن أقرأ المكان بعين طفل بدأ يكتشف أن التاريخ ليس ماضيًا انتهى، بل عالم لا يزال حاضرًا أمامنا.

وخلال الزيارة، كان مدرس التاريخ، الأستاذ هادي، يشرح لنا بعض المعلومات عن الأهرامات. كنا نستمع إليه ونحن نتنقل في رحاب الموقع الأثري، وكانت عينيّ تتجولان بين هرم خوفو والهرمين الآخرين، ثم توقفت عند مجموعة الأهرامات الصغيرة الواقعة إلى الشرق من هرم الملك خوفو.
في تلك اللحظة، طرح أحد الطلاب سؤالًا على الأستاذ هادي عن هذه الأهرامات الصغيرة.
أجاب مدرس التاريخ بأنها محاولات فاشلة لبناء أهرامات ضخمة.
لم أستطع أن أظل صامتًا.
قلت، بثقة طفل يعرف ما قرأه وما استقر في ذهنه:
«لا يا أستاذ، هذه أهرامات الملكات من عائلة الملك خوفو».
التفت الأستاذ هادي إليّ. بدا عليه الدهشة، وكأنه لم يتوقع أن يسمع هذه الإجابة من تلميذ في الثانية عشرة من عمره. لم تكن إجابتي مجرد تخمين عابر، بل كانت معلومة قرأتها واحتفظت بها في ذاكرتي، لأنني كنت أتعامل مع كل ما يتعلق بمصر القديمة بشغف لم أكن أستطيع تفسيره حتى لنفسي.
بدأ الأستاذ يسألني: كيف عرفت ذلك؟ ومن أين قرأت هذه المعلومات؟ وماذا تعرف أيضًا عن الأهرامات؟
وتوالت الأسئلة، وكنت أجيبه بما أعرفه. لم أتذكر كل تفاصيل ذلك الحوار بعد مرور السنوات، لكنني ما زلت أحتفظ بصورته الإنسانية في ذاكرتي: مدرس تاريخ سعيد، ينظر إلى تلميذ صغير بدهشة وإعجاب، وطفل يشعر للمرة الأولى بأن ما يقرأه بشغف في الكتب يمكن أن يصبح معرفة حقيقية يشاركها مع الآخرين.
أذكر أن الأستاذ هادي أبدى إعجابه بي، وتنبأ لي بمستقبل كبير. كان سعيدًا بهذا الطالب الصغير الذي يعرف معلومات عن الأهرامات ربما لم يتوقع أن يعرفها تلميذ في تلك السن.
أما أنا، فلم أكن أفكر في المستقبل البعيد. كنت أعيش اللحظة بكل ما فيها من فرح ودهشة. كنت أقف أمام الأهرامات، وأشعر بأن العالم الذي أحببته من خلال الكتب قد فتح أبوابه أمامي. وكان أجمل ما في الأمر أنني استطعت أن أجيب عن سؤال، وأن أدافع عن معلومة أعرفها، وأن أكتشف أن الشغف يمكن أن يتحول إلى معرفة، وأن المعرفة يمكن أن تترك أثرًا في الآخرين.
لم أكن أعلم آنذاك أنني سأمضي سنوات طويلة من عمري في دراسة الآثار المصرية، وأنني سأقف يومًا في مواقع أثرية مختلفة، وأشارك في أعمال الحفائر، وأتعامل مع آثار المصريين القدماء بوصفها موضوعًا للبحث العلمي ومسؤولية ثقافية وإنسانية. لم أكن أعرف أن الطفل الذي كان يتأمل أهرامات الجيزة سيصبح عالمًا في الآثار المصرية، وأن الأسئلة التي بدأت في منديس ستقوده إلى دراسة الحضارة المصرية القديمة، ثم إلى البحث في الإنسان وأفكاره ومعتقداته وعلاقته بالعالم.
لكنني، حين أنظر إلى تلك اللحظة الآن، أرى فيها بداية مبكرة لطريق طويل.
لم تصنع رحلة مدرسية واحدة عالم آثار، ولم تكن إجابة طفل عن سؤال في التاريخ نبوءة مؤكدة بمستقبله. كانت هناك سنوات من الدراسة والقراءة والعمل والبحث والتجربة، وكانت هناك محطات كثيرة صنعت ما أصبحت عليه. غير أن تلك الزيارة كشفت لي، ربما للمرة الأولى بهذا الوضوح، أن ما أحببته لم يكن اهتمامًا عابرًا، بل شغفًا حقيقيًا يستحق أن أتبعه.
بدأت الحكاية في منديس، بين أطلال مدينة مصرية قديمة، ثم انتقلت إلى الجيزة، حيث وقفت وجهًا لوجه مع الأهرامات. وفي ذلك اليوم، لم أكن مجرد تلميذ يزور أثرًا عظيمًا؛ كنت طفلًا يحاول أن يفهم، وأن يسأل، وأن يعرف أكثر مما تسمح به صفحات كتابه المدرسي.
أما الأستاذ هادي، فقد منحني بكلماته وإعجابه لحظة لا تزال حاضرة في ذاكرتي. ربما لم يكن يدرك مقدار تأثيرها في نفسي، لكنني أدرك الآن أن تشجيع معلم واحد يمكن أن يترك أثرًا عميقًا في حياة تلميذ، خصوصًا حين يأتي في اللحظة التي يبدأ فيها هذا التلميذ اكتشاف الطريق الذي يحبه.
واليوم، بعد كل تلك السنوات، ما زلت أشعر بأنني ذلك الطفل الذي وقف أمام الأهرامات للمرة الأولى، يرفع رأسه إلى أحجارها الشاهقة، ويحاول أن يتخيل العقول والأيدي التي صنعتها.
تغيرت أشياء كثيرة منذ ذلك اليوم، لكن الأسئلة الأولى لم تختفِ. ما زلت أبحث في آثار مصر القديمة عن الإنسان الذي صنعها، وعن أفكاره وأحلامه ومخاوفه، وعن المعنى الذي أراد أن يتركه وراءه.
وربما كان هذا هو الدرس الأهم الذي تعلمته من رحلتي الأولى إلى الأهرامات: أن الشغف الحقيقي لا ينتهي حين تغادر المكان، بل يبدأ منه.
غادرت هضبة الجيزة يومها، لكن الأهرامات لم تغادرني أبدًا.





