أدبإعلامشخصيات

(تَ يِحْرِزْ المشوارْ) | قراءة في (تَ) عند الأخوين رحباني

بقلم: د. إيمان بقاعي

(تَ يِحْرِزْ المشوارْ) | قراءة في (تَ) عند الأخوين رحباني

بقلم: د. إيمان بقاعي

23\12\2024

 

اللّهجة اللُّبنانية العامية:

يقول (مارون عبود) في كتابه (الشّعر العامي)، فصل (اللّهجة العامية اللُّبنانية):

كنتولا أزال، وسأظلعدوَّ الاثنين: الدّاعي إلى إحلال اللّهجة العاميَّة محل اللّغة الفصحى، والقائل بكتابة اللّغة العربية بحروف لاتينية.

كِلا الأخوين أضرُّ من أخيه، أيجهل هؤلاء الدعاة أنَّ لكل جيل من الناس لغتين؟ لغة يَجري بها القلم، وهي مادة الكتاب، والكتاب سِجِل المدنيَّة الخالد، ولغة تدور على الألسنة، وبها تتفاهم الأمة المختلفة الأقاليم؟

وأذكر مرةً أخرى أن أحد المهووسين باللّهجة، قرأ لي محاضرة كتبَها بلهجتِنَا العامّية، متوقعًا مني ثناءً طويلًا عريضًا، فقلت له هذه الكلمة: خطابُك جميل، إلا أنه يحتاج إلى ترجمة؛ فاحمرَّ وجهُه.

وبعد، فقد تَكُون لهجة لبنان العامية أنقى اللّهجات، وأقربها إلى الفصحى، لانكماش اللُّبنانيين وتقلُّصهم في جبالهم الوعرة، غير المرغوب باستيطانها. هذا ما كان، أمَّا ما سيكون فمن يدري؟ إن سهولة المواصلات، ومطامع الشركات، والمهاجرة مِن … وإلى، قد تؤدي إلى إفساد لهجتنا، والله أعلم.

واللُّبناني لا يعرف مضغ الكلام، فقد كان القدماء، إذا تعذرت عليهم التّسمية، لجأوا إلى المجاز، ومن هذا الطّراز قولهم لمن رأوه فيه سهوًا: (مَسْطول)، و(قاعد مثل السَّطْل)(لا يهشّْ ولا ينشّْ). ويقولون للخفيف الرَّأس: (مَشْتُول)…”. ويعجبني منهم نهجهم في الأسماء والألقاب والكُنى نهجَالعرب، فلقَّبوا واحدًا (الصّبح) وهو أكَمَهُ؛ أي المولود أعمى، أو الذي يبصر بالنّهار ولا يبصر باللّيل، وسموا آخر (العَيُّوق)، وهو نجم أحمر مضيء في طرف المجرَّة الأيمن يتلو الثُّريا ولا يتقدمها، ويطلع قبل الجوزاء، وهو يكاد يكون مِسخًا، وكنُّوا رجلًا (أعشى)(أبو ضَوْ)، كما قال العرب: (أبو بَصِير). وأرى أيضًا في تسمياتهم ذوقًا مرهفًا حين يسمُّون النُّونة والفحصة (غمَّازة)؛ وهي نقرة تبدو في الخدَّين عند الابتسام وكأنها تغمز“. والعوام اللُّبنانيين “أعداء كل حرف ثقيل، فأكثرهم يلفظ القاف همزة، كقولهم: (اسكت بأى وهم يحذفون الهمزة حذفًا كاد أن يكون إجماليًّا فيقولون: (جا، وجايي، وجينا)، وإذا سمعت لبنانيًّا يعكس همزة جاء ويقول: (إجا)، فاعلم أنه غير جبليٍّ أصيل“.

ومن خصائص اللّهجة اللُّبنانية النَّحت والقلْب والإبدال، ولنَقل: الاختزال واللزُّ إن صحَّ التعبير. فيقولون: (أيْوَهْ)، في أي والله، و(إسَّا ولِسَّا)، في السَّاعة وللسَّاعة، و(هلَّق) في هذا الوقت، و(بدِّي)، بدلًا من بِوِدّي، و(أيْشُو)، في أي شيء هو...”. وتختلف اللّهجات عندنا باختلاف الأقاليم اختلافًا جزئيًّا، ومن اختزالهم قولهم: (تَعَا تَناكول)؛ أي: تعال حتى نأكل. و(هَوْ) بدلًا من هؤلاء، و(أينو)، في أين هو، و(هَيْكْ) في هكذا، و(لَيْك) في إليك، ويلحقون بها الهاء فيقولون: (لَيْكُو)؛ أي إليكه، و(لَيكا)؛ أي إليكها، و(لَيكُنْ)؛ أي إليكم وإليكهن، وعلى نسقها تجري «مَعْلَيْكْ»؛ أي: لا عليك.

أمَّا الضَّم المشبع في عين المضارع وغيرها، فمردُّه إلى اللّغة السّريانية التي طلَّقوها منذ قرنين أو أقل، وهذا الضَّم أشيَع ما يكون في شمالي لبنان. يقول لك اللُّبناني الشمالي، وسيَّان في ذلك المسلم الطرابلسي، والمسيحي الأهدني: (طُرابْلِسْ، صُابُون، ويقول: نُحْنُا). أي نحن، فكأنهم يردُّونها إلى أصلها السّرياني إحنا، مستبدلين النّون بالهمزة عدوتهم، وبعضهم يلفظها على حقها السرياني: (إحنو)...”، ويستعمل عوامنا كالعرب (الإتْباع)، أي: الإتيانُ بكلمتين على وزن واحد وقافية واحدة، تؤكّد أُخراهما الأولى، وهي إما أن تكون في مَعنى الأولى؛ نَحْوَ: (هو قَسيمٌ وَسيمٌ)، وإما أن تكون خالية من المعنى؛ نحو: (هو حَسَنٌ بَسَنٌ)، و(مررْتُ بهم أجْمَعِين أكْتَعيْنَ أبْتَعِين)، (كَثيرٌ بَجِيرٌ)، فيقولون: (كان بان)، أو (كان مان)، و(خبز مبز)”… وغيرها.

[مارون عبود:الشعر العامي، فصل: اللّهجة العامية اللُّبنانية]

وهنا يحضرني (حرف التّاء) اللُّبناني العامّي الذي أعجَب (محمد عبد الوهاب) وتناقلته وسائل الإعلام الإلكترونية، والوارد في أغنية (سهارْ بعْدْ سهارْ) التي كتبها (عاصي الرّحباني)، وكان سببها تأخُّر (محمد عبد الوهاب) في سهرته بمنزل (عاصي الرَّحباني). ولما تأهَّب للمغادرة، قال (عاصي) يثنيه: 

“سْهارْ بَعْدْ سهارْ\تَ يحرزِ المشوارْ.

تجمد (محمد عبد الوهاب وهو الذي يتذوق الكلمة، طالبًا من (عاصي) أن يكمل العبارة، فتابع (عاصي) الأغنية:

كتارْ هَوْ زوارْ\شْوَيْ وبيفلُّو\وعنَّا الحلا كلُّو\وعنّا القمرْبالدَّارْ\وردْ وحكي وأشعارْ\بسْ اسهارْ”.

وغادر (محمد عبد الوهاب) ولم ينم اللَّيل حتى كان هذا المقطع مُلحنًا كاملًا، وفي اليوم التَّالي وبعد أن سمع (عاصي) المقطع، أضاف إليه: 

بَيْتَكْ بعيد وليلْ ما بخلّيكْ\ترجعْ، أحقّْ النَّاسْ نحنا فيكْ\رحْ فتِّحْ بوابي\وإندهْ على صحابي\قلُّن قمرْنا زارْ\وتتلجْ الدِّنيي اخْبارْ\بسْ اسْهارْ\والنَّومْ، مينْ بينامْ غير الولادْ\بيغفوا وبيروحوا يلملموا أعيادْ\ما دام إنّكْ هَوْنْ\يا حلم مَلْوَ الكَوْنْ\شو همّْ ليْل وطارْ\وينقصْ العُمر نهارْ\بسْاسهارْ”.

وأتم (محمد عبد الوهاب) لحن الأغنية وقدمها لـ(فيروز).  وعندما سُئل (محمد عبد الوهاب) عن الذي أعجبه بالجملة، قال: حرف (التَّاء)الذي قامَ مقام كلمة كاملة بالعامِّية المصرية وهي (عَلَشَانفأحب رشاقة العاميَّة اللُّبنانية في اختزالها التَّعبير بهذا الشَّكل الجميل“.

ومثل (تاء) (سهارْ بعد سهارْ) كثير من (التّاءات)، مثل:

(بضحَكْ ع ريما تَ تنامْ: يلّلا تنامْ)، و(دِسْتِكْ لَكَنِكْ عَيّْرِينَا\تَ نغسِّل تياب ريما\وننشرهن عالياسمينَهْ: يلّلا تنامْ)، ومثل: (تَ يصير نبيذ: تراب عينطورة وفي أغنية (جايبلي سلام) من كلماتهما وألحانهما وغناء (فيروز): (كلْ ليلِهْ عشيِّة، قنديلِكْضوِّيهْ\قوِّي الضَّوّْ شويِّهْ، وارجعي وطِّيِهْ\بيعرفها علامِهْ،وبيصلِّي تَ تنامي). وفي أغنية (وعدي إلَكْ) من مَسْرَحِيّة (أيام فَخْر الدِّينْ: 1967)، كلمات وألحان (الأخوين رحباني) وغناء (فيروز):

مينْ حمّلني سيْفْ وقالْ لي قدِّميهْ\وشو قالْ لي بالي تَ إحكي

يمكِنْ لو سكَتّْ\يمكنْ لو ما إحكي\كنتْ هلَّقْ فِلَّيْتْ\كنتْ هَلَّقْ بالبيْتْ

و(عم يلعبو الاولاد) من كلمات (الأخوين رحباني) ولحنهما، وغناء (فيروز):

ياما بلياليكُن، نسهر نغطّيكنْ، نفزعْ نوعّيكُنْ

ولما بتوعوا من إيدينا بتهربوا

تَ تلعبوا

وفي (مصالحة)، من كلمات وألحان الأخوين رحباني، وغناء (فيروز)، و(وديع الصافي) و(نصري شمس الدّين):

خالي بينسى، نحنا منجي حتّى نردّو

إنتا بتجيب بنت إختك تَ تغنّوا تنينتكُن ضدّو.

وفي (مصالحة) نفسها، تغني (فيروز: حَنِّه):

يا بو صالح أنا جايي لحالي\تَ قولْ الحكي بِصوت عالي\خالي وإنتْ شغلتكُن غميقَهْ\وكلّْ ما بتسهروا بتحصَلْقْتَالِهْ\احسبكُنْ متل فرسانْ اللَّيالي\أبطالْ المعاركْوالمعالي\والزِّيرْ وأبو زيد الهلالي\عَ بالي نفِّذْ الطَّالع عَ بالي\يا بوصالح أنا جايي تَ صالحْ\وبدّي بوّسَكْ إنتَ وخالي.

في أغنية (حَبُّوا بعضُنْ)، من كلمات (الأخوين رحباني)، وألحان (زياد رحباني)، غنت (فيروز) بدايات حكايات الحب ونهاياتها على تنوعها،  وفيها:

يا حبيبي تعا تَ نروحْ\قبلْ الوقتْ وقبلْ الحبّْ.

وفي الأوبريت الغنائي (حكاية الإسوارة)، كتابة (الأخوين رحباني)، تقول العجوز (عليا نمري) التي سمّتها فيروز بـ(ستّي الخِتْيَارَة) [الاختيار: كلمة سريانية، عربيُّها المُسِنّ] عن الإشاعة:

أنا عطيتِكْ الإسْوارة تَ تجبلِكْ الإشاعة. مَرَّات الإشاعةبتجي عَ الحُبّْ، ومَرَّات بتجلب الحُبّْ. والحبّْ والإشاعة متلالفَراشة وخيالها، عايشين حدّْ بعضْ، يا بيسبقْها، يابتسبقو، حسب ما تكون الشَّمسْ. ومازال إجِتِ الإشاعَةْ،يمكن الحُبّْ قَرَّبْ”.

وفي (حكاية الإسوارة) أيضًا:

“النَّاس بعْدُنْ ناسْ: بيحبّوا، وبيحسدوا، وبِغاروا، وهالبيت ما عاش فيه إلا الحُبّْ.

وهيك، يا بنتي، كلّْنا مِنفتِّشْ عن المشوارْ، والحُبّْ بيسلّْموه الكبارْ للصِّغارْ، تَ يضلّْ زهرةْ الزّهورْ المشعشعَهْ طول السّنينْ، والإسوارَة تتْنَقَّلْ من إيدْ لإيدْ”.

وفي أوبريت (اللَّيْل والقنديل: 1963) الذي يحكي قصة الصّبية القروية التي تحرس خيمة بيع القناديل لتوزيع غلة البيع على أهل الضَّيْعَهْ (فيروز: مَنْتُورَهْ)، فيكسره “المشِرّاني” (جوزف عازار: هولو) الذي ارتبط بصداقة شّرٍّ وابنَ الضَّيْعَهْ “المشِرّاني، المشكَلْجي، النَّاطِر حدا يدلّو ع المخاطرْ”: (وليم حسواني: خاطر)، ويرسل لـ(مَنْتُورَهْ) سلامًا فرسالة مع (خاطر) بعد أن يغادرَ الضّيْعَهْ معيدًا تعليق (القنديل الكبير)، و(كيس الغلّة):

قالْ لي تَ قول لمَنْتُورَهْ: يا مَنْتُورَهْ غني، هَوْن وضلّي غنّي، بِجوزْ بشي ليلِهْ يمرقْ خيالْ من بعيدْ، يسمعلو غنِّيِّهْ، ويكمِّل دربو لبعيدْ، عَ الأرض المنسيِّهْ، عَ حفافْ الأرض المنسيِّهْ.

وتقول (ريما: فيروز) في مَسْرَحِيّة (بَيَّاعْ الخَوَاتِمْ: 1999):

يا شباب اللي جايينْ تَ تلاقوا الصَّبايا\إصحى تكونوا كزابين وفي شي بالخبايا\جايين نواطير التَّلْجْ اللَّي بيقروا الخفايا\جاين نواطير التَّلْجْ تَ يضووا النوايا.

وفي (قصيدة حب: 1973)، حاورت (فيروز) (نصري شمس الدين):

راحوا اللّي حبّوا راحوا\والعاشِقْ لَمّْ جناحو

دَخْلَكْ وَيْنْ دموعْ العَيْنْ\بها العينينْ بيرتاحو

حاكيني وخلّيكْ بعيدْ\وحاجي تغزلّي مواعيدْ

يا خَوفي تَ الشّوقْ يزيدْ\وهالقلبْ تجنّْ رياحو

وفي (ردي منديلِكْ) كلمات وألحان الأخوين رحباني وغناء فيروز:

فتَّشتْ عَ كلمِةْ تَ إفتحلو حديثْ

وقِفْتْ ووقِفْ وتْنَينَّا نْسينا الحَكِي

ويقول (مِلْهِبْ) المهرب: أنطوان كرباج، في حديثه للأمبراطور المتخفي تحت اسم (برهوم) في دكانة (هيفا) وجدها (بو ديب) الحدودية في المَسْرَحِيّة السياسية- الاجتماعية: يعيش يعيش (للأخوين رحباني) 1970:

الـِوْلاد بـَدُّنْ يكـْبـَــروا، ما بـْيِقدْرو ينـْطروا تَ يـْصيرْ في حـْكومة .

وفي الحِوار السوريالي نفسه:

(بَرْهوم):        إجـِتـْني فكـْرَة.

              إذا إنتَ حْضيت بالأمبراطور، كيف فيك تـْسـَلـّمو وْتقـْبـَض الجايـْزة، وْإنت مطلـــــــوب؟

مِلْهِبْ:        أنا إذا حْضيت بالأمبراطور ما بـْسـَلـّمو.

بـْقـِلـُّو: “في جايـْزة مـِيـِّة ألـْف ليرة للقـَبْض عْلـَيـْك، بـْتدْفـَعْ خمـْسين تَ هـَرّبـَك؟”. كاسـَكْ خـَيـِّي (بَرْهوم)!

وفي مَسْرَحِيّة (يعيش يعيش 1970):

هيفا: واكْ يا جدي، بتروح تَ تتصيَّدْ، بتتصَيَّدْ المشاكلْ!

وفي (يعيش يعيش نفسها):

جودت:              بـَدْنا نـْخَبـِّيه كم يوم عنـْدَكْ تَ نـْقـَطـَّعـْلو مشـْكلـْتـُو

أخيرًا،

نلحظ أن (الأخوين رحباني) استخدما (اللّهجة اللُّبنانية) العاميّة التي تكلم عنها (مارون عبود)، كاملة، وكرّساها في أعمالهما بحيث انتشرت وفُهِمت؛ بل وغُنّيَتْ مع (فيروز) و(نصري) و(وديع الصَّافي) وغيرهم في كل شارع عربي وبيت على اختلاف اللّهجات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى