لغة الزمن المضيء في الزي التراثي 

لغة الزمن المضيء في الزي التراثي 

قراءة في التجربة الفنية للفنانة التشكيلية الليبية سامية حنبولة  . 

صلاح الدين راشد 

كاتب من ليبيا 

في لوحات الفنانة التشكيلة سامية حنبولة القديمة لا يظهر الزي التراثي كعنصر زخرفي أو علامة هوية جاهزة ، إنما يتجلى بوصفه كائناً بصرياً حياً ، محملاً بالذاكرة ، ومشبّعاً بزمن يتنفس عبر الخيوط والمعادن والأنسجة . حيث تقترب الفنانة من مفردات الموروث الشعبي بحس حميمي ، كمن يلمس شيئاً يعرفه جيداً ، فيتحول القماش إلى سرد ، والحليّ إلى لغة ، واللون إلى وسيط شعوري لا يكتفي بالتمثيل ، وإنما يعيد بناء العلاقة بين الجسد والتاريخ .

في لوحة الحلي الفضية ، لا نتعامل مع رسم لقطعة زينة ، وإنما مع قراءة تشكيلية لثقل الرمزية التي تحملها . فالفضة هنا ليست باردة ولا محايدة ، بل تتوهج بظلال رمادية دافئة ، وتتحول إلى سطح نابض بالحياة عبر تفاصيل دقيقة تحاكي أثر اللمس والزمن معاً . كما أن الخطوط المحفورة والنقاط البارزة تستحضر الطقس الاجتماعي الليبي المرتبط بالحليّ ، وتعيد الاعتبار لقيمتها كذاكرة جمعية أكثر من كونها مادة ثمينة . الضوء يتسلل بهدوء إلى التجاويف ، فيصنع توازناً بين الصلابة والرهافة ، بين الثبات والحركة ، وكأن القطعة تتنفس داخل العتمة .

أما الوجوه النسائية في أعمالها ، فتبدو محاطة بالزيّ التقليدي كامتداد داخلي للذات . فالمرأة باللوحة لا ترتدي الموروث ، هي تسكنه ، ويَسكن ملامحها . العيون الهادئة ، النظرات العميقة ، والوقفة المتزنة تمنح الشخصية بعداً إنسانياً يتجاوز التمثيل الفولكلوري . واللون في هذه اللوحات يعمل على مستويين ، مستوى زخرفي غني بالتفاصيل المعدنية والخرز والأقمشة ، ومستوى شعوري أكثر خفوتاً في البشرة والخلفيات ، حيث تتراجع الصخب اللوني لصالح توازن بصري يتيح للروح أن تظهر .

في اللوحة التي تصور المرأة الجالسة في فضاء داخلي ، يتحول المشهد إلى لحظة تأمل يومي ، حيث الفعل البسيط ، الإمساك بالخيط أو الحليّ ، يصبح فعلاً وجودياً . التكوين محكوم بإيقاع هادئ ، تنساب فيه الأقمشة الثقيلة بألوانها القانية ، وتتجاور الظلال والأنوار في انسجام يعكس خبرة لونية واعية . الأحمر الداكن والبني والذهبي لا تُستخدم لإبهار بصري سريع ، إنما لتكريس إحساس بالدفء والانتماء ، ولتأكيد العلاقة العضوية بين الإنسان ومحيطه الثقافي .

ما يميز تجربة سامية حنبولة هو قدرتها على تحويل الموروث الشعبي من موضوع إلى موقف جمالي . هي لا تستعيد الزيّ التراثي بوصفه بقايا ماض ، وإنما تقدمه كحضور معاصر ، قابل للتأويل والتجدد . لوحاتها لا تصرخ بالهوية ، إنما تتحدث عنها بهدوء وعمق ، وتمنحها بعداً إنسانياً يخرجها من الإطار التوثيقي إلى فضاء التعبير الفني الصادق . في هذا المسار ، يصبح اللون لغة ذاكرة ، ويغدو الجسد أرشيفاً بصرياً ، وتتحول اللوحة إلى مساحة تلتقي فيها الحرفة بالتأمل ، والأنوثة بالحكمة ، والتاريخ بالحس الإنساني الشفيف  .

وإذ تذهب تجربة سامية حنبولة في هذا المسار الهادئ والعميق ، يمكن قراءة أعمالها ضمن حوار بصري مفتوح مع تجارب عربية أخرى اشتغلت على الذاكرة والزيّ والموروث الإنساني بذات الحسّ الوجداني ، دون أن تفقد خصوصيتها أو تنزلق إلى الاستعادة السطحية .

في هذا الأفق ، تلتقي لوحاتها مع تجربة التونسية صفية فرحات في اشتغالها على الجسد بوصفه حاملاً للهوية الثقافية ، حيث يتحول اللباس التقليدي إلى خطاب بصري صامت ، يختزن التاريخ اليومي للمرأة ، ويمنح التفاصيل الصغيرة قيمة رمزية تتجاوز الزخرفة . غير أن سامية حنبولة تميل أكثر إلى التكثيف العاطفي ، وإلى إبقاء المسافة بين المشهد والمتلقي مفتوحة على التأمل لا على التصريح .

كما يمكن ملامسة تقاطع وجداني بينها وبين أعمال الفلسطيني سليمان منصور ، في كيفية التعامل مع الموروث باعتباره حملاً إنسانياً وثقلاً وجودياً ، لا مجرد علامة انتماء . عند منصور يحمل الجسد الأرض ، وعند سامية يحمل الزي والحلي ذاكرة الجماعة ، وفي الحالتين يتحول الرسم إلى فعل صبر ومقاومة صامتة ، وإلى تأكيد على بقاء الإنسان في مواجهة النسيان .

وتتجاور تجربتها أيضاً مع مساحات من عالم العراقية نزيهة سليم ، خاصة في مقاربتها للمرأة داخل فضاء داخلي حميمي ، حيث الحياة اليومية تتحول إلى مشهد تشكيلي مشبع بالحنان والسكينة . غير أن سامية تختار الاشتغال على التفاصيل المعدنية والنسيجية بوعي بصري أدق ، وكأنها تكتب سيرة غير منطوقة للأشياء التي ترافق المرأة وتلازم حضورها  .

ومن زاوية أخرى ، يمكن الإشارة إلى صدى بعيد مع تجربة المغربي فريد بلكاهية في احترام المادة وأثرها الحسي ، رغم اختلاف اللغة التشكيلية . فكما منح بلكاهية للجلد والنحاس روحاً رمزية ، تمنح سامية للفضة والنسيج بعداً شعورياً يتجاوز مادتهما الخام ، ويستدعي اللمسة الأولى والذاكرة الأولى للأشياء .

هذه المقاربات لا تأتي لتذويب تجربة سامية حنبولة في سياقات جاهزة ، وإنما لتأكيد وعيها بموقعها داخل سردية تشكيلية عربية إنسانية ، ترى في الموروث مساحة حياة لا متحفاً مغلقاً . أعمالها تقف بهدوء داخل هذا المشهد ، محتفظة بصوتها الخاص ، وبقدرتها على تحويل الزي التراثي إلى كيان بصري نابض ، يجاور تجارب عربية رائدة ، ويتكلم بلغته الخاصة ، لغة الصمت المضيء والحنين العارف .

Related Posts

ڨربي .. الرحلة الرابعة لنضال اليحياوي

قراءة: خالد سليمان – طريق الحرير اليوم ـ تونس ـ الفنان التونسي “نضال اليحياوي” المتألق في السنوات الأخيرة بفضل بحثه المتواصل في التراث الموسيقي الغنائي التونسي بمختلف روافده، وخاصة الألوان…

الشعر والخط والصداقة تعبر القارات

بكين، 5 يونيو 2026 – في لقاء ثقافي مميز جمع بين الشعر والخط والدبلوماسية الثقافية وروح الصداقة الإنسانية، قام الشاعر الصيني البارز تشاو شوي بزيارة خاصة إلى ليو شونفو، رئيس…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *