أيام قرطاج لفنون العرائس … روضة القلوب البيضاء

ـ «وَقَالَ: اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلَادِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ» (مت 18: 3).. هكذا تحدث السيد المسيح منذ أكثر من عشرين قرنًا، وفحوى كلماته المقدسة: «إن البشر إن لم ينظفوا قلوبهم مثل قلوب الأطفال الصغار البيضاء فلن يدخلوا الجنة»..

وقد يسعدك زمانك كما أسعدني اليوم بمتابعة أحد عروض «أيام قرطاج لفنون العرائس».. اسمه «بائعة عرائس»، قدمه لنا فنان الماريونت القدير «منير الرويحي»، وفكرة العرض تقوم على لوحات منفصلة متصلة لعرائس الماريونت في حانوت مخصص لبيعها، ومن خلال العرائس المتنوعة المعروضة للبيع يقدم لنا الفنان «منير الرويحي» خصائص تلك العرائس وما تتميز به عبر لوحات جميلة تراوح بين الدراما البسيطة في أداء تميز بالمرح والرقة، والكوميديا التي فجرت الضحكات من القلوب للكبار قبل الصغار، حيث اصطحبت الأمهات والآباء أطفالهم لحضور هذا الكرنفال المهرجاني المتنوع..
ـ ومن أبرز سمات هذا العرض عنايته بالتفاعل مع الأطفال، بحيث تلامسهم عرائس الماريونت ويلامسونها أحيانًا، الأمر الذي خلق أجواء حميمية مرحة وبديعة.. خاصة في آخر مشاهد العرض الشيق، حيث راقص الأطفال «نحلة» الماريونت ومحركها الفنان «منير الرويحي»..
وقد يدور في خلد البعض أن عروض الماريونت الموجهة للأطفال تعد عملًا سهلًا لا يتطلب مجهودًا أو حتى جهدًا بسيطًا، فيما العكس هو الصحيح؛ إذ إن تلك العروض أكثر صعوبة بمراحل وتتطلب جهدًا مضاعفًا وقدرة مذهلة من اللاعب العرائسي على الإقناع حتى يذوب الفارق بينه وبين العروسة من جهة، وبينهما وبين جمهوره من الأطفال من جهة أخرى، خاصة وأن العرائسي يقوم بالتحريك بشكل مباشر أمام أعين الصغار دون وجود ساتر يحجبه..
وهنا يمكننا أن نقول إن العرائسي يخاطب القلوب والأرواح قبل العقول ليتماهى مع تلك القلوب البيضاء والأرواح النبيلة للأطفال، وهنا يمكن القول إن العرائسيين يجب أن يمتلكوا أرواحًا محلقة وقلوبًا بيضاء لكي يتحقق هذا التماهي التام، أو ربما يتطلب ذلك من لاعب العرائس أن يحرص على ما يشبه التمارين أو طقوس التطهر بشكل مستمر لكي يحافظ على نقاء سريرته دائمًا، حتى يزيل أية عوائق تحجب التواصل بينه وبين جمهوره من الأطفال، ولعلنا نرى اهتمامًا في المستقبل يبحث في هذا الموضوع..
ولا بد من التأكيد على أن الفنان «منير الرويحي» قد نجح في تحقيق التواصل إلى حد التماهي مع جمهور الأطفال، الذي أصبح جزءًا لا يتجزأ من عرضه البديع..
ـ ويمكننا القول إن «أيام قرطاج لفنون العرائس» في دورتها السابعة.. دورة «عبد العزيز الميموني» التي انطلقت من 1 فبراير ـ ڤيڤري وتتواصل حتى 8 فبراير ـ ڤيڤري، قد حققت تقدمًا ملحوظًا خلال الدورات الست الماضية، ظهر خلال برمجة سابع دورات تلك التظاهرة الهامة،
والتي تتضمن تكريمات، وعروض دولية مشاركة وعربية، وعروضًا للهواة، وندوات فكرية، وورشات، وعروضًا في الجهات “الولايات خارج تونس العاصمة”، وماستر كلاس.. في عرس ثقافي تونسي جديد يتميز بالنقاء والمرح، حيث تحلق قلوب الأطفال البيضاء وتتسامى، وتحلق معها قلوب الكبار، ربما اقتربت معها من ملكوت السماء، حيث الجنة التي تحدث عنها السيد المسيح عليه السلام، والتي تتطلب أن نكون كالأطفال الصغار في سويداء قلوبنا.

 

  • Related Posts

    الأنطولوجيا السادسة عشرة من «Live Encounters Poetry & Writing» تحتفي بـ23 مبدعًا عربيًا بترجمة د. سلوى جودة

    إصدار جديد يجمع أصواتًا شعرية وأدبية من 11 دولة عربية، ويقدم تجربة ترجمة تتجاوز نقل الكلمات إلى بناء جسور بين الثقافات والذاكرة الإنسانية صدر العدد السادس عشر من أنطولوجيا Live…

    الفنانة التشكيلية مروى حياصات:  الكتب الصامتة من أرقى وأصعب أشكال أدب الطفل 

    حوار أجراه : طارق العمراوي       العلاقة المثالية بين الكاتب والرسام هي علاقة شراكة إبداعية قائمة على التناغم والتكامل الكتب الصامتة (Silent Books) هي من أرقى وأصعب أشكال أدب الطفل فهي تعتمد كليًا على الرسام   س1كيف تُقدّمين الفنانة التشكيلية مروى حياصات ؟ مروى حياصات فنانة ومصممة متعددة المجالات بدأت من عالم المعمار.. لكنها اختارت أن تبني عوالم من نوع آخر… عوالم مليئة بالألوان، بالدهشة، وبخيال لا ينتهي فدخلت عالم كتب الأطفال، انتقلت من بناء بيوت إلى بناء عوالم صغيرة داخل صفحات, التحول ما كان مخطط لكنه كان طبيعي مليء مفاجآت وتعلّم.   س2: ما أهمية ورشات الرسم والبراعات اليدوية بمعارض الكتاب؟  تُمثّل هذه الورشات نقطة التفاعل الحي والمباشر بين القارئ الصغير وعالم الكتاب، وتكمن أهميتها في كسر الجمود بين الكتاب كمنتج جامد إلى تجربة تفاعلية ملموسة, تُطلق العنان لخيال الطفل وتطور مهاراته التعبيرية والفنية و تتيح للمربين اكتشاف شغف الأطفال وتوجيهه مبكرًا, من ناحية أخرى تتيح للفنانين الاطلاع بشكل مباشر على ردة فعل الأطفال على الكتب والرسوم و كيفية تفاعلهم معها مما ينمي ادراكهم لما يجذل الطفل والمربي و يطور مهارتهم و يصقلها. س3: كيف يتم التعامل بين صاحب النص وصاحب الريشة؟ هل تقرؤون النص وتتخيلون المشاهد أم الكاتب هو من يوجهكم أم العمل مشترك؟ العلاقة المثالية بين الكاتب والرسام هي علاقة شراكة إبداعية قائمة على التناغم والتكامل, يبدأ العمل بقراءة عميقة للنص من قبل الرسام لفهم روح النص وأبعاده ثم بناء رؤية بصرية بصرية مبدئية , ولا بد من ترك مساحة حرية للرسام  لقراءة ما بين السطور وإضافة تفاصيل بصرية لا يذكرها النص اللفظي. و يتم التواصل والتشاور حول النقاط المفصلية (مثل الملامح العامة للشخصيات أو الروح العامة للقصة) لضمان اتساق الرؤية دون تقييد الحرية الإبداعية للمصمم والرسام. س4: ما هو تقييمكم للرسومات المصاحبة للنص في قصص الأطفال؟  تطورت الرسومات في أدب الطفل المعاصر بشكل ملحوظ؛ فلم تعد مجرد توضيح حرفي للكلمات، بل أصبحت تحمل تفاصيل خفية، وأبعادًا نفسية، وظلالًا تعبيرية تتيح للطفل إسقاط خياله عليها. وأصبحت أكثر قدرة على إثارة الدهشة، ومراعاة الفئات العمرية، والابتعاد عن التكرار والنمطية التقليدية.  س5: هل هناك ملتقيات للفنانين التشكيليين الذين يتعاملون مع أدب الطفل؟ نعم، هناك اهتمام متزايد بهذه الملتقيات عربيًا ودوليًا، ومن أبرزها المهرجانات والمعارض الدولية مثل مهرجان الشارقة القرائي للطفل وما يرافقه من معارض ورش إقليمية، ومعرض بولونيا لكتب الأطفال في إيطاليا والذي يعد الملتقى العالمي الأكبر لرسامي كتب الأطفال. س 6ما هي القصص التي تستهويكم وتريدون تزويدها برسوماتكم؟ تستهويني القصص التي تحمل قيم تعكس هويتنا الإسلامية وثقافتنا العربية بطريقة إبداعية غير نمطية أو ممله , قريبة للطفل جذابة و تترك بصمة في تكوين وبناء و ربط أطفالنا بهويتنا الإسلامية والعربية . و بفضل الله توجد الأن دور نشر عربية رائدة في هذه المجالات سواء بتخصص كامل في هذه الموضوعات او من خلال بعض الإصدارات … فأطفالنا و شبابنا في هذا الزمن في أشد الحاجة إلى ما يربطهم بهويتهم و دينهم بطريقة جذابة وفعالة في ظل التنافس الشديد من التيار المعاكس س7: هل تفكرون في معارض خاصة للرسومات التي تؤثث القصص المنشورة؟  نعم، إقامة معارض خاصة للوحات الأصلية التي تُصمم لقصص الأطفال تُعد خطوة أساسية ومهمة جدًا لأنها تُسلط الضوء على قيمة “اللوحة الأصلية” كعمل فني تشكيلي مستقل قائم بحد ذاته قبل تحويله لصفحة مطبوعة .ويوجد العديد من المعارض الخاصة برسوم قصص الأطفال من أهمها معرض الرسوم في معرض الشارقة القرائي للطفل , وقد شاركت في معرض رسوم قصص الأطفال في ملتقى العويس لأدب الطفل في الإمارات , وأطمح للمشاركة في معارض أخرى. س8: تنافسكم المنصات المصورة للقصص، كيف تقرؤون المشهد وما هو تصوركم؟ المنصات الرقمية والتطبيقات التفاعلية لا تُشكل تهديدًا بقدر ما تُشكل تحديًا يُحفّز على الابتكار, يبقى الملمس الحقيقي للورق، ورائحة الطباعة، وتجربة تقليب الصفحات رفقة الأهل تجربة حية لا يمكن للمظاهر الرقمية استبدالها بالكامل. س9: هل رفضتم مرة التعامل مع كاتب لأن النص ما عجبكم؟  يرفض الرسام أحيانًا العمل على نص معين إذا كان النص يحمل أفكارًا مكررة ومباشرة (أسلوب التلقين والموعظة المباشرة) التي تحد من خيال الطفل والرسم. س10: ما تقييمكم للقصص المرسومة بلا متن وكلمات والتي بدأت في تزايد، وهذا ما يلزمكم برسومات معبرة وموجهة للطفل القارئ؟ الكتب الصامتة (Silent Books) هي من أرقى وأصعب أشكال أدب الطفل فهي تعتمد كليًا على الرسام تجعل الرسام هو المؤلف والمخرج والراوي الرئيسي. وتمنح الطفل حرية قراءة القصة بأسلوبه الخاص وتخيل الحوارات بنفسه، مما يكسر حاجز اللغة والعمري.  

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *