ديوانٌ يستكشف تضاريس الحب بين الشعر والموت
صدر حديثًا عن دار «المحرر» للنشر ديوان «ولكنّ زهرَ البرتقالِ أحبّني» للشاعرة إيمان جبل، في تجربة شعرية تتخذ من الحب نقطة انطلاق لاستكشاف عوالم النفس الإنسانية، حيث تتقاطع الرغبة مع الغياب، والحنين مع الخوف، والحياة مع الموت، وتصبح الكتابة محاولة لاستعادة ما يتسرّب من الروح في صمت الأيام.
منذ عنوانه، يفتح الديوان بابًا للتأويل؛ فزهر البرتقال، بما يحمله من إيحاءات العطر والبهجة والخصوبة، يتحول إلى طرف في علاقة عاطفية غير مألوفة، تتجاوز حدود الحب بين البشر لتمنح الأشياء والطبيعة قدرة على المبادرة والاحتواء. إن الشاعرة لا تقول إنّها أحبّت زهر البرتقال فحسب، بل تقلب معادلة العلاقة، ليصبح الزهر هو الذي أحبّها، وكأنّ العالم، في لحظة افتقاد الإنسان، يمدّ يده إليه من جهة لم يتوقعها.
وفي هذا الانقلاب الدلالي، تتأسس واحدة من عتبات الديوان المهمة: البحث عن الحب في الأماكن التي لا ننتظر أن نجده فيها، واكتشاف أن العاطفة ليست دائمًا علاقة مباشرة بين عاشق ومعشوق، بل قد تكون صدى في الطبيعة، أو صوتًا غائبًا، أو ذكرى تعيد ترتيب علاقتنا بأنفسنا وبالعالم.
الحب في مواجهة الموت
يتحرك الديوان، وفق الرؤية التي يقدمها منشور صدوره، داخل ثالوث تتوسطه العاطفة وتحيط بها تجربتا الموت والشعر. غير أنّ إيمان جبل لا تتعامل مع هذه العناصر بوصفها عوالم منفصلة؛ فالحب قد يقود إلى اكتشاف الموت الكامن في الفقد، والموت قد يستدعي الحب باعتباره ذاكرة تقاوم المحو، بينما يأتي الشعر ليمنح هذه التناقضات لغتها الخاصة.
ولا تكتفي الشاعرة برصد المظاهر الخارجية للعلاقة العاطفية، أو الوقوف عند صورتها الرومانسية المألوفة، بل تتوغل في تعقيداتها النفسية، وتكشف ما يختبئ خلفها من أسئلة وقلق وتوق إلى الخلاص. فالحب هنا ليس وعدًا بالسعادة الدائمة، ولا إجابة جاهزة عن أسئلة الوجود، بل تجربة متقلبة تعيد تشكيل ذات الشاعرة، وتدفعها إلى اختبار حدود التعلق والانفصال، والحضور والغياب.
ومن أكثر المفارقات إثارة في هذه التجربة أن الخلاص قد يأتي، أحيانًا، من التخلص من الحب نفسه؛ وهي مفارقة تنقل العاطفة من كونها غاية نهائية إلى كونها تجربة تستدعي المراجعة والتحرر. وهكذا، لا يبدو الحبيب شرطًا لازمًا لحضور الحب في كل نص، إذ يمكن أن يغيب ليحل محله رمز أو صورة أو أثر، يواصل أداء وظيفته في تشكيل المعنى.

حين يصبح الصوت ملاذًا للقصيدة
تكشف المقطوعة الشعرية التي صاحبت الإعلان عن صدور الديوان جانبًا من عالم إيمان جبل، حيث تتوجه الذات الشاعرة إلى الآخر بطلب يتجاوز الرغبة في التواصل العاطفي، ليصبح بحثًا عن ملاذ للكتابة والنوم والحلم:
«فناوِلْني صوتَكَ
كي أكتبَ فيه أُغنيتي الوحيدةَ
ناولني صوتَكَ كي أنام فيه».
في هذه الأسطر، لا يعود الصوت مجرد وسيلة للكلام، بل يتحول إلى مكان يمكن الإقامة فيه، وإلى فضاء تتشكل داخله الأغنية وتستريح فيه الذات المتعبة. إنّ طلب الصوت هو، في جوهره، طلب للحضور، وربما محاولة لتعويض ما فقدته اللغة من قدرتها على الإنصات، حين تقول الشاعرة إن الأغنيات لم تعد تسمعها.
ومن هنا، تتخذ الكتابة طابعًا وجوديًا؛ فالشعر ليس ترفًا لغويًا، بل ضرورة تنشأ حين تعجز الأغنيات عن أداء وظيفتها، وحين تصبح الكلمات نفسها مهددة بالموت، واقفة كانت أم خائفة. وتبلغ الصورة ذروتها في المقطع الذي يمنح الكلمات مصيرًا إنسانيًا، إذ تستطيع أن تموت واقفة، أو خائفة، أو تجمع بين الوقوف والخوف، في تشخيص شعري يجعل اللغة شبيهة بالكائن الذي يقاوم مصيره بقدر ما يرتجف أمامه.
كما يحمل حضور الليل والنهر والحلم في المقطوعة إيحاءات بالعبور والتحول؛ فالذات لا تكتفي باستعادة ما مضى، بل تحاول الوصول إلى الحلم مرتين: مرة من أجل الحبيب، ومرة من أجل الكلمات التي كان يمكن أن تصنع أغنية خالدة. وبين الدافعين، يتشكل التوتر الأساسي بين الحب بوصفه تجربة شخصية، والشعر بوصفه مسؤولية تجاه ما يستحق أن يبقى.
كتابة تتجاوز الصورة النمطية
تمنح هذه الرؤية الديوان مساحة تتجاوز التعبير التقليدي عن العاطفة، إذ يصبح الحب سؤالًا مفتوحًا لا إجابة مستقرة له. فهو قد يكون طريقًا إلى اكتشاف الذات، وقد يتحول إلى عبء يستدعي التحرر؛ وقد يحضر في صورة الحبيب، أو يتخفى في رمز بعيد، أو يتجلى في الطبيعة التي تمنح الإنسان ما لم يعد قادرًا على العثور عليه في علاقاته المباشرة.
وتنبع خصوصية هذه المقاربة من قدرتها على الجمع بين المتناقضات دون السعي إلى إلغائها؛ فالحب والموت ليسا طرفين متنافرين بالضرورة، كما أن الخلاص لا يعني دائمًا الوصول إلى الآخر، بل قد يبدأ من استعادة المسافة بين الذات وما يستنزفها. وفي هذا السياق، يبدو الشعر مساحة لإعادة النظر في التجربة، وإعادة تسمية المشاعر، واختبار إمكانات جديدة للوجود.
إنّ «ولكنّ زهرَ البرتقالِ أحبّني» عنوان يختزن مفارقة التجربة كلها: حين لا تأتي المحبة من حيث ننتظرها، وحين يصبح ما نظنه صامتًا قادرًا على مخاطبتنا، وحين تمنحنا الطبيعة، أو الذاكرة، أو القصيدة، فرصة أخرى لاستعادة أنفسنا.
وبصدور هذا الديوان، تقدم إيمان جبل تجربة شعرية تنشغل بما وراء الصورة الظاهرة للحب، وتقترب من المناطق الملتبسة التي تتجاور فيها الرغبة والخوف، والغياب والامتلاء، والموت وإمكان الخلاص، لتجعل من القصيدة فضاءً تتجدد فيه الأسئلة بدلًا من أن تنتهي عند إجابات جاهزة.

ومن المنتظر أن يتوافر الديوان قريبًا في المكتبات، فيما تتيح دار «المحرر» طلبه عبر رسائل صفحتها، أو من خلال متجرها الإلكتروني: .





