

بدأ (أَشْرَفْ أبو اليَزيدْ) روايته للنّاشئة (أبي رَسَّامُ خرائِط) بـ“السَّردِ المباشَرِ”، مع انزياحٍ حدثيٍّ، فاعتقدتُ- للوهلة الأولى- أنه سيعمل عملَ القاصِّ– المؤرِّخ الّذي يجلسُ إلى مكتبِه لِيُدَوِّن التّاريخَ الظّاهرَ لمجموعةٍ من الشَّخْصِيَّات التي تخدم فكرتَه الواضحَ عنوانُها، كما يُفتَرضُ عادةً في أدب النّاشئة، جذبًا للقارئِ، خاصةً وأن الرِّوايَة تتكلم عن موضوع واحد، إنْ تشعَّبَ مع تشعُّبِ الأحداث، يبقى حدثًا واحدًا رئيسًا، بسيطًا، روائيًّا، بوليسيًّا، جذّابًا لهذه الفئة العمرية، استطاع- ببراعة وسلاسة- أن يُدخِلَ لحلّهِ قضيته التي كتب الرِّوايَة من أجلها (الخرائط)، مستخدمًا ضميرَ الغائبِ الأكثر تداولًا بين السُّرَّاد، والأيسر استقبالًا بين المتلقِّين، والأدنى إلى فهم القرَّاء، صغارًا وكبارًا.
ولم يطلِ الوقتُ، حتى انتقل الكاتب من (طريقة السّرد المباشر) إلى (طريقةُ السَّرْدِ الذّاتيِّ أو (التّرجمة الذّاتيّة) برشاقة لافتة، مستخدِمًا طبعًا (ضميرَ المُتَكلِّم)، واضعًا نفسَه مكان البطلِ ليبثَّ على لسانِه ترجمةً ذاتيّة مُتَخَيَّلة- واقعيَّة.
و(ضميرُ المتكلم)، أو (ضميرُ السَّرْدِ الذّاتيِّ) يجعل الحِكَايَة المَسرودةَ أو الأحدوثةَ المَرويَّة، مندمجةً في روحِ المؤلِّفِ، محيلًا إياها على الذّاتِ، وهو ما يناسب المرحلة العمرية التي توجَّهَ الكاتب إليها، ما يُدخِل المتلقي إلى أعماق النَّفسِ البشرية، ملقيًا الضَّوءَ على أفكارِها المجرَّدةِ أو المتداعيةِ.
ولم يكتفِ بهذه الطَّريقة السّردية، بل دعمَها بـ”طريقة الوثائق”، فسارتْ سيرًا مخطَّطًا له تخطيطَ راسمي الخرائط وقارئيها ومستعمليها، وذلك على إيقاع النَّصِّ التَّعْليميّ الّذي يستخدمُ الجدلَ، والمناظرةَ، ويقدم المشورةَ والنّصيحةَ من خلال استخدامِ مُصْطَلَحاتٍ محدَّدةٍ ومُعْجَمٍ علميٍّ دقيقٍ، حتى لَيتأكدَ القارئُ أنها سرديَّة تعليمية- علميَّة، تشجعُ على فتح أبواب الأَنشطةُ المَدْرَسِيّة على مصاريعها لتخرج من إيقاعها الرَّتيب التَّقليدي الذي يخشى التَّغيير، إلى الجديد الذي يُتاح له أستاذ، مثل (الأستاذ حفني) الذي يذكرنا بقول (جان جاك روسو): “لا أعرف طريقة سيئة، إنما أعرف مربين غير أكْفَاء”، فكل فكرةٍ جيدةٍ سيئةٌ في يد المعلم غير الماهر، وكل فكرةٍ سيئةٍ جيدةٌ في يد الماهرِ، هذا إن افترضنا أنها قُبِلَت كما قُبِلَتْ فكرة (الأستاذ حفني) الذي بدا متّزنًا، مستقيمًا، مخلصًا، مجدِّدًا، مثقفًا، حازمًا (تربويًّا) من خلال ردع المتنمرين من الطُّلاب، و(علميًّا) من خلال اقتناص فكرةِ توظيف (علم الخرائط) وفرضها للتنفيذِ- ما يؤكد على أهمية الأشخاص الذين يفكرون بإبداع تغييري خارجَ الصندوق، ويحصلون، إن كانوا محظوظين، على فرصةِ تنفيذ أفكارهم، وهو ما لا يُتاح عادةً في المؤسسات التَّربوية وغير التَّربوية إلا بشقِّ الأنفس، فلطالما وُجِدَ التّغييريُّ المبدعُ، ولطالما عُرقِلَتِ خُطَطُهُ، فتوقفت حركة التغيير، واستمر سَيْرُ المؤسساتِ التربويةِ في رتابتِها المعهودةِ.
لا يبتعدُ القارئ عن مصر، إذ نقرأُ بمتعة عن “خرائط النجوم” التي لعبت دورًا مهمًّا في فهم العالم للكون، ونقرأ تأكيد أنه : “يُعتقد أن أقدم خريطة نجوم وأكثرها دقة جاءت من مصر القديمة عام 1500 قبل الميلاد”. وقد “نقش المصريون القدماء خرائط النجوم في المقابر وغرف الدفن، ورسموا (أوزوريس)، إله الحياة الآخرة، وظهرت خرائط النجوم المصرية نابضة بالحياة، على شكل نقاط أو دوائر صغيرة، محاطة بتصوير الآلهة أو المخلوقات الأسطورية”.

ما أهمية الخرائط؟
إنَّ التعريف اللّغوي للخريطة هو: “المُصَوَّر الجغرافيُّ للأرضِ، وجمعُها: خرائطُ“. أما أهميتها، فقادرٌ الكشفُ عما يجري في خبايا أحداثِ رحلاتِ الرّحالينَ الذين جابوا البلاد ووصفوها طلبًا للمعرفةِ والاكتشافِ على إثراء هذا العلم، كذلك يثريه ما يحدثُ في خبايا كتب الأطفال والناشئة القصصية والروائية، فإذا بالرَّحالة والكُتّاب يضيفون إلى علم الخرائط ما لم تنتبه إليه اللغةُ إلا في مجال تخصُّصِ العلومِ والآدابِ، فإذا بجناحَيِّ السَّفر الفعلي والخيالي يطيرانِ إلى حيثُ يزيدان العلمَ علمًا، والمعرفةَ معرفةً.
في (أبي رَسَّامُ خرائِط)، يتعلم الفتى (رشيد)، من خلال دعم كلٍّ من والدِهِ (في البيت) ومعلمِّه (في المدرسة)، أن الخرائط ليست مجرد رسوم، بل أدوات مهمة للتَّخطيط، وحماية الحدود، وتنظيم الحياة، من: تحديد المواقع، إلى توثيق التاريخ والجغرافيا والحياة الحضرية والبرية والمائية والفلَكية وغيرها مما قد لا يخطر لنا على بالٍ. وتتناول الرِّوايَة أيضًا قصة الخريطة المصرية القديمة والتطور التاريخي للخرائط، بما في ذلك مساهمات العلماء المسلمين مثل (الإدريسي).
لوحات الرسامة (ولاء خليفة) كلاسيكية، تقليدية، تذكرنا برسامي الطفولة والشباب المتخصصين، متناسبة مع النص، مليئة بالتفاصيل اليومية الواقعية ومحفزة للخيال في الوقت نفسه، ومتناسبة أيضًا مع الفئة العمرية التي تتوجه الرواية إليها، ما يجعلها عنصرًا مكمّلًا للنص، لا عنصرًا ناقلًا نقلًا حرفيًا له، وهنا تظهر براعتها ويظهر إبداعها.
وليسَ خافيًا طَرحُ (أَشْرَفْ أبو اليَزيدْ) الكثير من الأفكار المهمة، إلى جانب الموضوع الرّئيس، ومنها (الأفكار الإيجابية):
- التأكيد على الهوية المصرية:
إذ يورد الكاتب-إلى جانبِ التقويمين الهجريّ والميلادي- تقويمًا سبقَهما هو “تاريخ تقويم السنة المصرية القديمة”، داعيًا إلى الفخر به، قائلًا: “يجب علينا – كمصريين- أن نعطيَهُ حقَّه، لنتذكّرَه، وندوّنَه”. ويتابعُ على لسان أستاذِ اللغة العربية (الأستاذ حفني):
“أنا من أسرة ريفية، ولا يزال الفلاحون في قريتي، بل وفي كل القرى المصرية، يتبعون مواقيت شهور السنة المصرية القديمة في مواعيد الزراعة والريّ والحصاد”.
كما أوردَ على لسانِ (رشيد)، بطل القصة الفتى، متحدثًا عن أبيه (رشيد) رسّام الخرائط:
“لقد رسم أبي خريطة مماثلة، يعلقونها حتى اليوم في قاعةِ مُتحفِ التاريخ. كانت خريطة عن المحميَّاتِ الطبيعيةِ في مصر، لا يمكن أن أنسى تلكَ الخريطةَ أبدًا!”.
كذلك ذكرَ عنوانًا مهمًّا كتبه أبوه: (الطيور المنقرضة في مصر)، كما شرحَ تقسيم مكتبة خرائط والده، واصفًا إياه بـ“المثالي”، شارحًا “ترتيب الأرفف” الذي يشبه “واجهة خريطةِ العالمِ؛ بمعنى أن الجزءَ العلويَّ هو للقارة الأوربية، ومعها الكتب الخاصة بخرائطِ القطبِ الشماليِّ، وفي القلبِ كلُّ الكتب المتعلقة بخرائطِ مصر، وتحت الأرففِ المصريةِ تأتي الكتبُ المتعلقة بخرائطِ قارة أفريقيا. وعلى اليمين مجموعة قارة آسيا في الأعلى، وتحتها مجموعةُ قارةِ أستراليا. وإلى يسار المكتبة خرائط الأمريكتين، وتحتها خرائط القطب الجنوبيّ ونيوزيلندا“.
كذلك بدا انتماء الهوية حين تحدث بطل الرِّوايَة عن إعلانِ المدرسة “عن إقامةِ رحلةٍ إلى وادي الرَّيان، في واحةِ الفيوم”، وقال إنه كان سعيدًا لأنّ أباه حدَّثه كثيرًا عن هذه المنطقةِ التي يعرفُها الناسُ باسم (وادي الحيتان)، والتي “أدخلتها منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم (اليونسكو) في قائمةِ المَحْمِيَّات الطبيعية، لأن بها حفرياتٍ لنوع منقرض من الحيتان في الصحراء الغربية بمصر”.
وذكرَ قول أبيه:
“وادي الحيتان بيئة طبيعية للحيواناتِ المُهدَّدةِ بالانقراض، وقد تجدُ هناك غزلانًا، وثعالبَ وذئابًا لا توجد أنواعُها إلا في مصر. كما تتردد على الوادي الطيورُ المهاجرةُ النادرةُ مثل صقر شاهين. أما الطيور المهاجرة الأخرى، فمتنوعة، كالبط والسمَّان والبَلْشُون”.
وتكلم الفتى-على لسان أبيه- عن “واحات مصر، وكيف تحتفظ بمياهها العذبة، سواء في الآبار أو الخزانات”، وتابعَ: “قال لي أبي إننا سنشاهد في الطريق الكثبان الرملية المستقرة القديمة، التي تغطيها نباتات تسمى (نيلوتيكا)، وأن بعض الواحات الأخرى تنمو فيها أشجار تسمى تمر الصحراء، وأخرى تسمى نخيل الدوم.
يعتبر نخيل التمر المحصول الرئيسي في واحات مصر، إلى جانب أشجار الزيتون وأشجار الفاكهة الأخرى. ولا يوفر شجر النخيل التمر فقط، بل يوفر أيضًا الألياف والأوراق والجذوع المستخدمة محليًا أو المُصدّرة لصُنع السِّلال والحبال والحصير والصنادل والأثاث ومواد البناء والأدوات الزراعية والعديد من العناصر الأخرى. والغطاء النباتي الجاف موزع في البيئة الصحراوية، وخاصة حول الواحات، وهو جزء من نباتات الصحراء الغربية بشكل خاص، مع قائمة واسعة من النباتات الصحراوية الوعائية، والتي تقع خارج نطاق هذا الوصف الموجز”.
كذلك ذُكِرتْ (مصر) حين ذُكِرَ (أبو الريحان البيروني)، الذي ابتكر عام 1025 ميلادية وصفًا لتحديد الكرة السماوية، والذي “يقول العلماء إنه تطوير من رسم خرائط النجوم المصرية القديمة”.
ولا يبتعدُ القارئ عن مصر، إذ نقرأُ بمتعة عن “خرائط النجوم” التي لعبت دورًا مهمًّا في فهم العالم للكون، ونقرأ تأكيد أنه : “يُعتقد أن أقدم خريطة نجوم وأكثرها دقة جاءت من مصر القديمة عام 1500 قبل الميلاد”. وقد “نقش المصريون القدماء خرائط النجوم في المقابر وغرف الدفن، ورسموا (أوزوريس)، إله الحياة الآخرة، وظهرت خرائط النجوم المصرية نابضة بالحياة، على شكل نقاط أو دوائر صغيرة، محاطة بتصوير الآلهة أو المخلوقات الأسطورية”.
كذلك “امتدت أفكار خرائط النجوم المصرية إلى حضارة اليونان القديمة”، و“الأساطير اليونانية”، والتي أضافَ أضاف (بطليموس)– وهو عالم فلك مصري يوناني ومواطن روماني ولد في القرن الثاني للميلاد- “نماذج رياضية لحركات السماوات”.
ونقرأ أيضًا أفكارًا “مُلهِمة، ويمكن أن تحكيَ قصصًا؛ فإذا رسمنا خريطة (نهر النيل) يمكن أن نرسم كائنات ترتبط به”، و“إذا رسمنا المزارع، في (دلتا نهر النِّيل)، فيمكن أن نرسم مئات من طيور أبي قردان صديق الفلاح، أما إذا رسمنا بحيراتٍ في شمال مصر، مثل (بحيرة البرلس)، فنستطيع أن نضيف طيورَ النّورس، التي تَعْبرُ شواطيءَ مصر الشمالية في هجراتها”.
ويمكن ابتكار “خرائط المعادن”، وابتكار “خرائط طريفة”، مثل: “أكلات الطعام المصرية الشهيرة”، وابتكار “خريطة للزخارف التي تزين الثياب التقليدية، أو السجاد اليدوي، أو الرموز على الأواني الفخارية”، أو “خريطة للأعياد”، أو “خريطة للأدباء”، و”خريطة لغرفتنا” وغيرها من الأفكار التي يمكن لعشاق الخرائط ابتكارها وقتَ يفكرون بشغفٍ خارج الصندوق.
- التقدير المهني والاعتزاز بالأسرة
ويبدو هذا من خلال اعتزاز (رشيد) بمهنة والده (راشد)- في الحقيقة، تمنيت لو كان اسم والده مختلفًا، لأنني اضطررت أن أتأكد مراتٍ من اسمَي الابن والأب لتشابههما. والاعتزاز بهذه المهنة الغريبة يجعله يزيدُ وقتَ التقى بـ(الأستاذ حفني)، ووقتَ جابهَ الأستاذ المتنمرين الذي كانَ (رشيد) قلقًا بشأنهم.
- الاعتزاز بدور المعلّم في رحلة التّعلم (الأستاذ حفني نموذجًا مشرقًا):
الذي كان له دور مهم في أخذ الرِّوايَة إلى حيث يجب أن يؤكِّدَ المجتمعُ على تقدير الإبداعِ وفسح المجال له على كل الصعد، حتى وإن كانَ يُعتَقَد أن مهنة الأستاذ تقليدية، أبعد ما تكون عن الإبداع. وقد ظهرَ إبداعُ المعلم في: (أ) التّعرف إلى الطلاب وبيئتهم الأسريَّة، (ب) التربية من خلال مراقبة السُّلوك الصَّفّي إيجابيًّا كان أو سلبيًّا وتقييمه فتقويمه، (ت) الثّقافة الشَّاملة (أستاذ اللغة العربية مفتونٌ بالخط العربي، ويعرف معلومات كثيرة ومتخصصة عن علم الخرائط)، ويتابع البرامج التَّاريخية، ويراها مهمة لكي نعرف جذور نشأتنا، (ث) والإشراف على الرحلات المدرسية بتفاصيلها، (ج) واقتناص الفرص الإيجابية، مثل “إنشاء نادٍ لتعلم فن الخرائط”، وتعيين والد رشيد لرئاسته، وتقديم “شهادة تقدير لرئيس النَّادي”، نظرًا لإنقاذ الخرائط مجموعةَ طلابِ الرحلة المدرسية بعد أن تعرضوا لعملية خطف.
- الصداقة والتعاون في مواجهة التحديات:
إلى (وادي الريان)، وبتخطيط وتنظيمٍ مدرسي، وبإشراف (الأستاذ حفني)، انطلقت الرحلةُ المدرسية، وكان (رشيد) وأصدقاؤه (نجيب: ولقبه “أبو الأوتار”)، لأنه يعزف على آلة الكمان ويصبو أن يصبح “موسيقارًا شهيرًا”، كما أنه “يكتب أشعارًا قصيرةً، ثم يردّدُها، بطريقةِ الأغنيةِ، وهو يعزفُ على آلتِهِ الموسيقية”، و(سامي: وهوايته الحمام الزاجل ويختار الحمامة نجلاء لمرافقتهم في الرحلة)، والذي يتبادل الرسائل وصديقَه (جلال) عبر وسيلة التواصل هذه التي يراها أفضل من الوسائل الحديثة، وكذلك (نجيب)، صاحب الكلب الصغير (ميلو) الذي كان له دور مهم في التخلص من العصابة، تمامًا كما كان لكل فردٍ دوره.
وهذه الصَّداقة الوثيقة، تظهر واضحة وتتكرس وقتَ يتعرض الأصدقاء وكلُّ من يركب في حافلة الرحلة “للاختطاف”، فيستعملون ذكاءهم ومواهبهم وقدراتهِهم ومعارفَهم: الرسم والخرائط (رشيد)، الحمام الزاجل (سامي ونجلاء)، الموسيقا (نجيب)، والحيوان الأليف (ميلو) لإرسال استغاثات نجحت في تخليصهم من أفراد العصابة (حامد).
- الجانب الأُسَرِيُّ والمدرسي والاجتماعي:
ويظهر واضحًا من خلال أسرةِ بطلِ الرِّوايَة (رشيد)، ووصف العائلة وتعاضد الأم والأب والأخت (نيِّرة) و(رشيد)، وكيف يملأ الجميعُ أوقاتَهم بكل مفيدٍ، وكيف يتناقشون في الأمور العلميَّة والاجتماعيَّة والأُسريّة. كذلك في أُسَر أصدقاء (رشيد) التي تشبه في تعاضدِها وثقافتها واهتماماتها أسرة (رشيد)، ويبدو الاهتمام واضحًا بتشجيع المواهب المتنوعة لكل الشَّباب منذ طفولتهم، ما يعني فتح طريقٍ واضح إلى مستقبل مليء بالشغف والإبداع.
أما (الأفكار السَّلبية)، فمن خلال:
- التَّنَمُّر والسخرية من الآخرين والمهن من دون معرفة شيء عن أهميتها (مواقف الطّلاب السَّلبية)، وقد عالجها (رشيد) من خلال تقديم نموذج رائع عن مهنة أبيه، وأكمل تقديرَ هذا النموذج المربي (الأستاذ حفني).
- الجريمة (الرِّوايَة تقدم الخاطفين كشخصيات شريرة تحاول استغلال الأطفال للحصول على فدية)، وقد حُلَّت المشكلة بتعاون المخطوفين والأصدقاء ورجال الأمن.
- التَّسَرع وعدم التخطيط للرِّحلة، فبعض الطلاب كانوا على عجَلٍ، ولم يكونوا على استعدادٍ كاملٍ، ما أوقعَ الجميعَ في مشاكل كان يمكن تفاديها، وقد وقع هذا رغم بذل (الأستاذ حفني) كلَّ جهوده التّنظيمية التي إن دلَّتْ على شيء، فعن تجاربَ سابقة، ربما أيام الكشَّافةِ، وذلكَ لترتيب التَّفاصيل المتعلقة بها.
- سيطرة الخوف، وذلك بعد اختطافهم، لكن التَّفكيرَ المنطقيَّ والإسراعَ إلى استخدام المهاراتِ المتنوعةِ خدمةً لقضيتهم، أنقذهم.
- أخيرًا، فإن الرِّوايَة تقدم القيم السَّلبية بغيةَ تحويلها إلى إيجابية من خلال الاعتماد على كل إيجابيات الشَّخصيات- متنوعةً ومتكافلةً- وصولًا إلى الهدف الأسمى، ما يجعلها روايةً مليئة بالدُّروس المفيدة للناشئة.
وختامًا،
تمزج الرِّوايَة بين المغامرة، والتَّاريخ، والمعرفة العلمية بطريقة ممتعة، مع تعزيز قيم الفخر بالهوية، والإبداع، والعمل الجماعي من خلال أسلوب يمزج ببراعة بين الطَّابع التَّعليمي والسَّرد الأدبي الذي خطَّ (أَشْرَفْ أبو اليَزيدْ) خلال عقودٍ طريقه فيه، متنقلًا بين أنواع الأدب نثرًا وشعرًا وصحافة وتوثيقًا وأكاديميا، واستثمرَ في روايته هذه التي أهنئه عليها من كل قلبي، الأسلوبَ القصصي لجذب الناشئة إلى موضوع قد يبدو جافًا إذا ما نظرنا إلى ما يتألف منه (علمُ الخرائط) من تاريخ وجغرافيا وبيئة ومخلوقات وحضارات كان لها التأثير الأكبر على العالم. بيد أن الكاتب وظَّف هذه المعلومات روائيًّا، من خلال شخصيات نابضة بالحياة، أعمارها تماثلُ أعمارَ القراء الذين تتوجه إليهم الرِّوايَة، مستخدمًا المغامرة والإثارة واللغة الواضحة التي تتناسب والموضوعَ العلميّ، والحوارات الذّكية والأحداث الجذابة وبعض المجاز السلسِ، وهو أمر لا يخلو من صعوبةٍ ذلَّلها الكاتبُ، فأخذَ الرِّوايَة إلى مكانٍ جمعَ بينَ المعرفةِ والتشويقِ.
(أَشْرَفْ أبو اليَزيدْ)، مبارَك عملُكَ.

دراسة بقلم: د. إيمان بقاعي
[دكتوراه في أدب الأطفال والشباب]
بيروت: 2\3\2025





