بقلم: خالد سليمان – طريق الحرير اليوم
ـ المقولة الشهيرة التي تصف الولايات المتحدة الأمريكية بأنها “الأمة الوحيدة التي انتقلت من الهمجية إلى الانحطاط دون المرور بمرحلة الحضارة”، هي مقولة حائرة بين المفكر والسياسي الفرنسي “جورج كليمنصو”، والفيلسوف الإنجليزي “برتراند راسل”، والكاتب الإيرلندي “أوسكار وايلد” صاحب الإسهامات المميزة في الكتابة المسرحية. ويبدو أنها ليست دقيقة تماما، إذ إنها تنطبق على جماعات بشرية وقبائل ودويلات أخرى غير الولايات المتحدة، وربما يجمعها بالولايات المتحدة أنها بلا تاريخ أو حضارة أو أي إسهام يذكر في التاريخ الإنساني. وبدون شك، تسبب هذا الأمر في ترسخ عقدة النقص والشعور بالدونية لدى كل من ينطبق عليهم هذا الوصف، خاصة ممن تمكنوا من امتلاك ثروات هائلة دون جهد يذكر، اللهم إلا إذا اعتبرنا جرائم الإبادة الجماعية للهنود الحمر وسرقة أراضيهم وثرواتهم جهدا مبذولا فيما يخص الولايات المتحدة الأمريكية.
ـ ومع تراكم وتعاظم الثروات في البلاد التي تفتقر إلى التاريخ والحضارة، وكنتيجة مباشرة لعقدة النقص والشعور بالدونية، تولد وتنامى لدى تلك الكيانات مرض “البارانويا سيكيزوفرينيا” أو “جنون العظمة” بتصرف، حيث توهموا أنه يمكن شراء كل شيء بالمال، بما في ذلك التاريخ والحضارة والفنون والإبداع، على الرغم من أنهم لا يملكون إسهاما يذكر في هذا المضمار. ومع ذلك، سعى بعضهم في السنوات الأخيرة إلى أن يكون لهم حضور في العلوم الإنسانية ومناحي الإبداع، وجلها محاولات باءت بالفشل، إما لرداءتها، أو لأنها إبداعات صنعها أبناء الأمم العريقة مقابل أجر أو منح الجنسية، حتى في مجال الرياضة، لجني ميداليات وجوائز تنسب لتلك الكيانات في محاولات بائسة للتحقق والتواجد على خارطة الإنجازات الإنسانية. وهنا يأتي بيت القصيد.
ـ فبعد فشل معظم محاولات التحقق لدى هذه الكيانات، نشأت لديهم تلك الفكرة الجهنمية التي صادفت هوى لدى بعض الحركات العنصرية والمشبوهة، مثل الحركة الصهيونية والجماعات الماسونية وغيرها، وهي السعي إلى تشويه الآخر ونعته بكل النقائص، ومحاولة سرقة تاريخه وحضارته العريقة من خلال بعض ضعاف النفوس وأصحاب العورات الإنسانية والنفسية من أبناء تلك الأمم العريقة الذين ارتضوا بيع أنفسهم للشيطان على طريقة “فاوست”.
فبعد فشل مواسم الترفيه، ومحاولات التحقق المثيرة للسخرية من خلال التجنيس ومنح الجنسيات، وحتى الاعتماد على تراث الغير وإنجازاته من خلال كليشيهات معيبة كـ”القومية” على سبيل المثال، والتي تقلب الآية وتنسب الأصل إلى الفرع، كما في حالة القومية المصرية أو العراقية التي يزعم البعض نسبتها إلى القومية العربية التالية عليهما، والتي تعد فرعا مشتقا من التلاقح الحضاري بين العراق ومصر “إبراهيم عليه السلام والسيدة هاجر”.
لكن المضحك في الأمر، وبالتوازي مع محاولات التحقق الفاشلة والتشويه والانتقاص من الحضارات العريقة، ظهرت التظاهرات الأدبية والمهرجانات المسرحية والسينمائية لدى كيانات ليست لها أي إسهامات تذكر أو تاريخ في تلك المجالات، رغم المحاولات الفاشلة لبعضهم مؤخرا، حتى مع الاستعانة بالآخرين.
ـ لذا، وفي العقدين الأخيرين، جرى تطوير خطة تشويه الكيانات العريقة والانتقاص منها، والتي بدأت بما أطلق عليه “الفنانات التائبات” مقابل مبالغ طائلة، وشملت الفنانين أيضا، لكنها لم تحقق الهدف المرجو لأصحاب عقدة النقص، فظهرت الجوائز الأدبية شديدة السخاء والمسيّسة بطبيعة الحال، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، وصولا إلى تمويل الأعمال الإبداعية من كيانات لم تعرف الإبداع أو تنتجه طوال تاريخها.
لكن هذا التمويل كان مشروطا وموجها على خطى التمويلات الغربية لأعمال معينة، خاصة في مجالات السينما والمسرح والمشاريع الثقافية التي تعتمد على إثارة النعرات العرقية والعنصرية وغيرها، بما يسهل تفتيت الكيانات العريقة.
أما الكيانات المماثلة التي تتكئ على ركيزة البداوة والبدائية، والتي رسخت لديهم عقدة النقص والشعور بالدونية كنتيجة مباشرة لفقرها الحضاري، فقد ركزت على تمويل مشاريع تشوه المجتمعات العريقة وتنتقص منها، من خلال تصدير صورة بالغة السلبية عنها، تتيح لتلك الكيانات البدائية الخبيثة التعالي على أصحاب الحضارات العريقة عبر مقاربة تظهرهم كمجتمعات حديثة وسوية، في مواجهة الكيانات التاريخية الأرقى حضاريا، متناسين أنهم من صدروا النظرة الأحادية الصحراوية والتطرف والإرهاب لعقود طويلة، من خلال تمويل الفكر الوهابي الأصولي المقيت ونشره في العالم، والإساءة إلى كل ما هو وسطي عبر تمويل نشر الجهل لتغيير الوعي الجمعي في المنطقة، التي وصلت إلى الحضيض اليوم بفضل ما آلت إليه بسعي دؤوب منهم، تحالفوا فيه مع قوى الاستعمار والإيديولوجيات المشبوهة.
ـ اصطياد الفريسة لتنفيذ المخطط:
تطوير الخطة الشريرة لتنفيذ مخطط تشويه الحضارات والكيانات العريقة يتم الآن من خلال تمويل سخي من الكيانات البدائية الطارئة على المشهد في المنطقة، لنماذج مختارة من ضعاف النفوس وأصحاب نقاط الضعف والعورات النفسية والإنسانية من أبناء الأمم العريقة، لتقديم أعمال “إبداعية” تظهر تلك المجتمعات في صورة مشوهة ومفككة، منهارة أو على حافة الانهيار، والحجة المعلبة الحاضرة دائما هي “حرية الفكر والإبداع وكسر التابوهات”، وهي مقولة حق يراد بها باطل، لتستقر الفكرة في الوعي الجمعي والعقل الباطن لأبناء المجتمعات العريقة المستهدفة.

ولا يمكن مقارنة تلك الأعمال الممولة من تلك الجهات، والساقطة على كافة الأصعدة، بأعمال فناني ومفكري عصر النهضة، أو أعمال “بيكاسو” على سبيل المثال، فالمرتزقة والعاطلون عن الموهبة وأنصاف وأرباع الموهوبين لا يمكن مطلقا مقارنة أعمالهم، التي تولد مبتسرة لتموت في المهد أو تولد ميتة، بأعمال أصحاب الإبداع الخالد، فالإبداع له معايير لا تعرف المجاملة أو الوساطة، ولا يشترى بالمال.
وإذا بحثت في تاريخ من قبلوا بيع أنفسهم للشيطان، فلا بد أن تجد في خلفياتهم أمرا غير سوي أو شذوذا من نوع ما، بما في ذلك ما يطلق عليه المثلية وغيرها، ويفضل استقطاب الفئات التي تطلب اللجوء الديني أو الإنساني في المجتمعات الغربية، ليسهل السيطرة عليهم واستغلالهم بالمال ونقاط الضعف.
ـ عزيزي القارئ، لنا عودة، أو بالأحرى عودات. فقط أريد تذكير نفسي والجميع بأن نسف تماثيل “بوذا” في “باميان ـ أفغانستان” لم يكن صدفة، ولا نهب متاحف العراق وتدمير آثارها، ولا تدمير آثار “تدمر” في سورية، ولا المحاولات المستمرة لنهب الآثار المصرية على مر العصور، والسعي الدؤوب لتشويه حضارة قدماء المصريين، أعظم الحضارات المعروفة في التاريخ، والتي أهدت للعالم “فجر الضمير”، لذا كان أفضل احتفاء بها هو إفراد علم لها باسمها دون الحضارات الأخرى: “علم المصريات ـ Egyptology”.




