
دخل طريق الحرير القديم ذاكرة التاريخ لا بوصفه ممراً للقوافل المحمّلة بالثروات المادية فحسب، بل باعتباره جسراً روحياً جمع بين ثقافات الشعوب المختلفة وآدابها وفنونها. وعلى امتداد هذا الجسر تشكلت لدى شعوب الشرق منظومة جمالية وفكرية مشتركة، قوامها القيم الروحية والرؤية الفلسفية للعالم، حتى بدا أن الجغرافيا، مهما تبدلت حدودها، لا تستطيع أن تبدل اللغة العميقة التي تتخاطب بها الثقافات.
ومن هذا المنظور يمكن قراءة مشروع «طريق الحرير اليوم» (The Silk Road Today) الذي أطلقه وابتكره الأديب المصري أشرف الدالي (أشرف أبو اليزيد)؛ فهو مشروع يسعى إلى إحياء تلك الذاكرة المشتركة المنسية وإعادة بناء الجسور الروحية بين الشعوب عبر قوة الكلمة. وتتحول هذه الرسالة الثقافية العالمية إلى رحلة مقدسة تتجاوز الحدود السياسية والجغرافية لتصل إلى قلب الإنسان، وتجمع تحت رايتها مبدعين يتكلمون لغات مختلفة، لكنهم ينتمون إلى الروح الإنسانية ذاتها.
وفي إحدى محطات هذه الرحلة يقف اسم العباس باجيروف، أحد أبرز ممثلي السرد الأذربيجاني المعاصر، الكاتب الذي يتميز بحرارته الداخلية وأسلوبه الفردي الذي يكشف عن نفسه منذ الجملة الثانية، ولغته المشبعة بلهجة الإقليم ورائحة الأرض.
ولعل أصدق تجليات هذا الحوار الأدبي وهذه الأخوة الروحية أن أشرف الدالي قدم رواية العباس القصيرة «جميلة» (Gözəl) إلى العالم العربي بكثير من الوفاء والتقدير، معيداً إحياء الصدمات الروحية الناجمة عن امتهان الكرامة الإنسانية داخل طبقات اللغة العربية نفسها. ولا تكتسب هذه الترجمة أهميتها من قيمتها الجمالية والفنية وحدها، بل من بعدها الاستراتيجي أيضاً؛ إذ نقلت إلى القارئ العربي الحقيقة الفنية التي تعكس مأساة قره باغ عام 1992، وكشفت فظائع القوميين الأرمن ضد السكان المدنيين، والبيوت المحترقة، والمصائر المأساوية للأبرياء الذين قضوا تحت وطأة العنف.
وتكشف الرواية، بكل عريها الإنساني، أن الأسرى الذين عادوا بأجسادهم من المحنة لم يعودوا حقاً؛ فقد قُتلوا معنوياً تحت وطأة الاتهامات والشكوك الاجتماعية، وتعرضت أرواحهم لعملية إعدام بطيء داخل مجتمعهم.
ومن ثم فإن هذا التقاطع ليس مجرد واقعة ترجمة عابرة، بل إن أعمال الكاتبين، على الرغم من انتمائهما إلى جغرافيتين مختلفتين، تكشف عن تشابهات نمطية مدهشة. ويغدو التمرد على العمى الأخلاقي والإرهاب المعنوي ذروة هذا التقاطع الأدبي.
ففي رواية «شماوس» لأشرف الدالي، يتحول إعداد شريط فيديو مزيف ضد الدكتور كريم عبد المجيد، رمز الروح الفنية، وضد ابنته القوية دنيا، على يد هشام ابن الجنرال، إلى جريمة إلكترونية مروعة. وأمام موجة الافتراء هذه، يضطر الفنان إلى الفرار نحو القرية، في منفى يكشف هشاشته الإنسانية وعزلته. غير أن الرواية تنتهي بانتصار الحقيقة؛ إذ تثبت التحقيقات الرقمية براءة كريم، ثم يتأثر أهالي شماوس بخطبة الشيخ عبد الحليم بعد صلاة الجمعة، فيخرجون حاملين المشاعل ليحرقوا الفيلا التي كانت رمزاً للظلم والتشويه.
إنه تمرد تطهيري تستعيد فيه العدالة حضورها على أيدي الناس أنفسهم. وهكذا تُغسل الوصمة التي ألحقها التحديث المتوحش ونخبه المتغطرسة بأخلاق القرية وروحها من خلال الغضب الجماعي للشعب، ليغدو السرد، عند العباس وأشرف الدالي معاً، جغرافيا للروح وسجلاً للمقاومة الإنسانية في وجه القهر والافتراء والخراب الأخلاقي.
ذلك الغضب الجمعي يتحد فلسفياً مع الصرخة الكبرى التي تتردد في رواية «جميلة» (Gözəl) للكاتب أَلعباس. فبعد الوحشية الأرمنية، يدفع المجتمع نفسه، والأخ، والحبيب، بجميلة إلى الهامش باعتبارها جسداً «دنّسته» المحنة. وأمام صمت القرية البارد والمشحون بالسخرية والريبة، لا تجد المرأة سوى أن تحرق نفسها، في فعل مأساوي يتحول إلى تمرد أخير للبراءة المهدورة والكرامة المداسة. وإذا كان أشرف الدالي يستدعي انتفاضة شعبية مدمرة لاستعادة العدالة، فإن العباس يضع القارئ في مواجهة حقيقة أكثر قسوة من العدو الخارجي: حقيقة انطفاء المحبة والتآكل الأخلاقي الذي يسكن دواخلنا. وفي كلا العملين تُقدَّم التضحية بالنقاء بوصفها التعبير الأكثر فداحة عن الأزمة الروحية التي تعصف بالمجتمع.
وعندما نتأمل الجغرافيا الفنية التي ينسجها الكاتبان، نكتشف مساراً من التآكل الاجتماعي والروحي يمتد من المكان إلى الرمز. فقرية شماوس في رواية أشرف الدالي «شماوس»، وموطن أَيريقار في رواية أَلعباس «المتمرد» (Qiyamçı)، ليسا مجرد فضاءين سرديين، بل نموذجان فنيان للجروح التي خلّفتها العولمة والحداثة والضغوط الاجتماعية والتأثيرات الوافدة على الشخصية الإنسانية. هنا يتجلى التوازي العميق في فلسفة المكان لدى الكاتبين. ففي رواية الدالي، تنهض القاهرة المليونية، ببرودها وتحجرها الجماعي، بوصفها شخصية روائية قائمة بذاتها؛ بينما يتجسد الوعي الجمعي القاسي نفسه في نثر العباس داخل البيوت الحجرية الضبابية لقرية أَيريقار. ومن خلال تقليص المسافات الجغرافية، يكشف الكاتبان أن اللامبالاة الاجتماعية التي تخنق الروح وتحاول تحطيم الأفراد الرافضين للمساومات السهلة تمارس نفاقها في كل مكان بالدرجة نفسها.
بل إن عبارات العباس، مثل قوله: «لم يعد في الاتحاد ما يستحق اسم الاتحاد…»، لا تشير فقط إلى انهيار المنظومة السوفييتية، وإنما تشكل استشرافاً فنياً وسياسياً مبكراً للأزمات الأخلاقية العالمية التي ستولدها الصراعات الجيوسياسية وتنافس القوى الكبرى.
وفي رواية دالي، تستحضر أسطورة «شماوس» (الشمس الصغيرة)، المنحدرة من اللغة الفرعونية القديمة على لسان الشيخ معروف الجندي، النور الروحي الأول للمكان ونقاءه الأصلي. غير أن الحقول الخضراء التي استبدلت خلال العقود الأخيرة بالحجر والإسمنت، والعائدين من الخليج الذين أفسدوا الطبيعة والعادات عبر رأس المال المحلي، يغرقون ذلك الضوء الأول في العتمة. وعلى الجانب الآخر، تكتسب أسماء الأماكن في عالم أَلعباس حمولة فلسفية عميقة؛ فقرية أَيريقار ترمز إلى التمرد والوحدة في مواجهة عالم معوجّ وبعيد عن الحق، بينما تشير قرية تشالمالي إلى التعثر والفشل، وتجسد وادي نالتوكان، بمسالكه الصخرية، العوائق الإنسانية والفواصل الوجودية.
وكما نسي سكان شماوس، الذين انفصلوا عن جذورهم وابتلعتهم المادية، أن الأرض رمز للبركة الروحية وتعاملوا معها كمجرد موضوع للربح، فإن سكان أَيريقار هم أيضاً ضحايا عمليات تاريخية وسياسية، وهيمنة الخوف السوفييتي والخيانة الداخلية، حتى باتوا غرباء في وطنهم وخضعوا لنوع من الهجرة الداخلية. وفي الحالتين، سواء عبر نظرة الصحفي/الكاتب الوافد إلى شماوس أو عبر صوت أَلعباس بوصفه مؤرخ أَيريقار، تمر هذه الغربة عبر مصفاة المثقف الوطني قبل أن تُقدَّم إلى القارئ.
وفي قلب هذا التحول الاجتماعي والتكنولوجي، تظهر أربعة توازيات نمطية كبرى بين ذاكرة الدم في نثر العباس والمبادئ الفنية عند أشرف الدالي.
أولاً، يعالج الكاتبان المصائر التي حطمتها الحداثة، والاعتداء الذي ارتكبته المدينة ضد أخلاق الريف، ولا سيما تحوّل وسائل الإعلام إلى فضاء للتشويه والانحطاط، بوصفه تشخيصاً اجتماعياً. فالجدران العالية للفلل الثلاث الفاخرة على ضفاف النيل، وكلاب الحراسة الشرسة التي تحرسها، ترسم الهوة بين الطبقة العليا وسكان القرية، تماماً كما تكشف أعمال العباس آليات الخوف والتكيف التي أنتجها الفكر الدخيل الذي حملته المنظومة السوفييتية.
ثانياً، يحتل دافع التضحية بالنقاء الروحي مركز الثقل في النصين. فنرجس كمال، الطالبة الجامعية والفتاة القروية الفقيرة في «شماوس»، تجسد روحاً نقية تسعى إلى إعالة أسرتها، لكنها تسقط ضحية لألعاب النخبة وهي تحاول عبور نفق اللامساواة الاجتماعية. وعلى نحو مماثل، فإن شخصية شهريز لدى العباس، التي «لا ذنب لها سوى جمالها»، تجسد الطهارة الأخلاقية التي تتعذب بين سحرها الخارجي ووحدتها الداخلية، وتُسحق تحت وطأة أحكام المجتمع.
وثالثاً، يؤدي البعد الصوفي والميتافيزيقي دوراً حاسماً في كلا النصين. ففي رواية دالي، تتحول المرأة الغجرية العرّافة، وشخصيات مثل الشمساوية ومعروف الجندي، حراس الذاكرة الروحية القديمة، إلى ضمير داخلي للشخصيات الأخرى. وفي نثر العباس، ترتقي المعتقدات الشعبية والعناصر الدراويشية وحكمة الأمثال الشعبية، إلى جانب شخصيات مثل المعلم قيوم، بالنص إلى مستوى فلسفي وميتافيزيقي، حيث يتجاوز السرد حدود الواقع ليصبح تأملاً في المصير الإنساني ذاته.
وأخيراً، تتجلى السمة المشتركة الرابعة في رمزية الحيوان. فالكلاب الحارسة المتوحشة التي تنهش نرجس في رواية «شماوس» لا تقتصر وظيفتها على كونها حيوانات فحسب، بل تتحول، من خلال شخصية هشام وجيه، إلى رمز للسعار الاجتماعي، ولرأسمالية متوحشة، وللقوة العمياء التي لا تعرف الرحمة. ومن هنا يكتسب المثل الشعبي: «ذيل الكلب لا يستقيم أبداً» دلالته العميقة، إذ يؤدي الوظيفة الفنية ذاتها التي تؤديها صور الذئب والكلب والوحوش المفترسة في عالم العباس السردي، حيث تُستدعى هذه الرموز لتجسيد ضراوة الطبيعة البشرية ونزعتها إلى الخيانة والافتراس. ولعل الكاتب يلخص مدى هذا الانهيار الروحي وابتعاد الإنسان عن فلسفته الفطرية في رواية «المتمرّد» عبر عبارته المرة: «من الأفضل للحيوان أن يبقى بين الحيوانات.»
ويواصل العباس فضح هذا التدهور الأخلاقي والفكري من زاوية أخرى، حين يكشف، في الرواية نفسها، إفلاساً معرفياً موازياً. فثلاثة «علماء» ــ فرقت، وصابر، والأستاذ علي ــ يأتون من باكو إلى قرية «أيريقار» لاستعادة بابير (تبريز) من منفاه الاختياري، لكن حواراتهم السطحية والساذجة سرعان ما تكشف ضحالة ثقافتهم وضيق أفقهم. فإذا كانت وحشية الكلاب في «شمافيس» تمثل التجسيد المادي لشراسة الطبقة المتنفذة، فإن هؤلاء «الأكاديميين» الثلاثة، بانشغالهم الفوري بالمال والنساء وحتى بتفاصيل تافهة تتعلق بـ«ملء القربة»، يغدون رمزاً للسطحية الفكرية ولانحدار النخبة الثقافية.
إن تفاهة الإعلام الذي دفع الدكتور كريم إلى المنفى، وصمت هؤلاء المثقفين الزائفين الذين يحاولون اقتلاع بابير من موطنه الجبلي، ليسا سوى نغمتين مختلفتين لظاهرة اجتماعية واحدة: التبلد الروحي والانحطاط المعرفي. بل إن هؤلاء الباحثين الذين يدّعون الرغبة في إثبات قيمة النقوش الحجرية القديمة في أيريقار عبر بعثات أكاديمية، يعجزون في الحقيقة عن التمييز بين «الهراوة الحجرية» و«العمود» و«الخنجر» و«المقلاع» من جهة، وبين «السهم» و«القوس» من جهة أخرى. وهكذا تصبح ضحالتهم العلمية مدمرة بالقدر نفسه الذي يمثله الافتراء الإلكتروني الذي دبّره ابن الجنرال في رواية دالي. فكلا الكاتبين يؤكد أن البيئة التي تخنقها الأمية المقنّعة بالمال والسلطة لا توفر الأمان لا لفرح الدكتور كريم بالفن، ولا لوفاء بابير لأرض الآباء.
وفي تصوير هذه المأساة الإنسانية والظلم الاجتماعي، يلجأ الكاتبان إلى أكثر طبقات السرد عمقاً وتعقيداً: الواقعية النفسية والمونولوج الداخلي. فتبريز (بابير) في «المتمرّد» شخصية معقدة، قوية الإرادة، عاشت عقوداً من العزلة، وظلت تبحث بإصرار عن إجابات لأسئلتها الوجودية. وتتحول مناجاته الداخلية وحواراته المتخيلة عبر الرسائل إلى صورة لتمرّد روحي ورغبة دفينة في الثأر المعنوي. وعندما يعترف لشهرِز قائلاً: «اعلمي يا شهرِز أن حبي الصادق لك كان سبب كل شيء…» فإنه يرسم بعبارة واحدة مأساة كاملة ولدت من رحم الحب. فالمشاعر الإنسانية حين تبلغ هذا الحد من المطلق، وتستند إلى إيمان شبه مقدس، تجعل الإنسان عاجزاً أمام المرأة والأسرة معاً، وتمزقه بين القيم الإلهية والعواطف الشخصية.
وفي رواية أشرف دالي، يبدو أحمد وكأنه المعادل القاهري لهذا الصراع الداخلي، ولرغبة الإنسان في إحياء القيم العليا التي جرى تدنيسها. ففي فوضى القاهرة الكبرى وضجيجها الخانق، يحاول أحمد، مثل بابير تماماً، أن يصون كرامته الإنسانية والعلاقات التي سحقتها المادية، وأن يعيش تمرده الصامت.
وهنا يمنح الكاتبان مفهوم «التمرد» دلالة فلسفية جديدة؛ فالتمرد ليس هدماً ولا عنفاً ولا سعياً إلى إقامة عالم جديد بالقوة، بل هو كفاح داخلي هادئ لحماية ما تبقى من الصفاء، وللتمسك بالوفاء، والدفاع عن المبادئ التي تمنح الوجود الإنساني معناه.
ومن الأزقة العتيقة في القاهرة إلى الأقاليم الأذربيجانية الجريحة والكبرياء، تمتد هذه التوازيّات الأدبية لتكشف عن حوار أبدي بين الأرواح. فهاتان الروايتان، بصدقهما وخلوهما من الادعاء وغناهما بالمونولوجات الداخلية، تنتزعان القارئ من موقع المتفرج السلبي، وتجعلاه شريكاً فاعلاً في عملية التطهر الروحي. وفي مواجهة البراغماتية القاسية التي تحكم العالم، والحروب، والتآكل الأخلاقي، لا تبدو هناك قوة قادرة على إنقاذ الإنسانية سوى سحر الكلمة الصادقة التي تتجاوز الحدود.
ومن هذا المنظور، فإن هذه المقاربة الأدبية المقارنة، التي تكشف نقاط التلاقي بين عالمي ألعباس وأشرف دالي وتفكك الآلام المشتركة للفكر الشرقي، إنما تخدم بصورة مباشرة الغاية الكبرى لمشروع «طريق الحرير اليوم» الذي أطلقه أشرف دالي. وهي الغاية ذاتها التي تتقاطع روحياً مع مشروع إعادة فتح ممر زنغزور وإحياء طريق الحرير التاريخي. فالجسر الأدبي والعلمي الذي تبنيه هذه الدراسة ليس سوى جزء حقيقي من مهمة استعادة الذاكرة الروحية المنسية وإحياء أواصر القلوب بين الشعوب.
وما دام هذا القول وهذه الرسالة باقيين، فلن يضيع صراخ «جميلات» العالم، ولن ينكس أبداً لواء التمرد الأخلاقي الذي رفعه بابير وأحمد وأهالي قرية شماوس.
د. عادلة نظر
دكتوراه في فقه اللغة (فيلولوجيا)

دخل طريق الحرير القديم ذاكرة التاريخ لا بوصفه ممراً للقوافل المحمّلة بالثروات المادية فحسب، بل باعتباره جسراً روحياً جمع بين ثقافات الشعوب المختلفة وآدابها وفنونها. وعلى امتداد هذا الجسر تشكلت لدى شعوب الشرق منظومة جمالية وفكرية مشتركة، قوامها القيم الروحية والرؤية الفلسفية للعالم، حتى بدا أن الجغرافيا، مهما تبدلت حدودها، لا تستطيع أن تبدل اللغة العميقة التي تتخاطب بها الثقافات.


