“صندوق أجدادي” … أسراره وعوالمه

بقلم:  طارق العمراوي

صدر للكاتبة والقاصة ميساء الصح” صندوق أجدادي”و الرسم والتنسيق لسعاد عمر الكلالي متخذة  من عالم الجدات مرتكزا لغويا ومعرفيا لتمرير رسائلها وللتعريف بعالم الجدات  لا  كحكايات عن القصور والأميرات والسحرة  والمشعوذين  بل عن حياتهن وسحرها ومستلزماتها وقاموسها  الذي يجب أن  يتداول كي يعيش فينا ونعايشه متفاعلين  معه لأنه جزء من ماضينا المتقدم في الحاضر والحاضر في مستقبلنا  وله بصمات واضحة و قد يجد فيه الطفل ضالته ليخرج عن روتين القلم والتمدرس والحاسوب الذكي والهاتف الجوال.

 كان ولوج هذا العالم ولمزيد إضفاء السحرية والغرائبية والعجائبية كان “صندوق أجدادي” عنوان القصة ولم يكن صندوق جدي أو جدتي ليكون عنصر التوارث موجود ومحمود فلقد احتفظت الأم والأب بهذا الصندوق القديم والغريب والمرصع بأشكال عديدة.

 ولتوريثه الأجيال القادمة لكن عندما يكبرون مع إغلاق الباب كي لا يفتح الصندوق في غياب الوالدين  ويبقى عنصر التشويق يشد الأطفال لهذا العالم صراع التشويق والفضول والاستطلاع مقابل  الوعد بعدم الاقتراب من الصندوق هذا الصراع انتصرت فيه ذات الطفل الراغبة في الاكتشاف والمغامرة وإرضاء  فضولها وتعطشها للممنوع المرغوب.

 وكان له ما كان ليفتح الصندوق ومعه عوالم الجد والجدات والأجداد المحكوم بالتقاليد المتوارثة والأمور المجربة مثل النوم  عندما قالت الجدة باللهجة الجميلة والمعبرة” يا ستي شو بدو يصير عليك؟ هيك احنا مننام وهيك أهلنا وجدودنا وما صار علينا شيء” وفضاء الرعي بالغنم والأبقار والماعز كثروات حيوانية حافظت عليها العائلات القاطنة بالأرياف والمنجل والقنديل والقندول وحصاد القمح ثم الأكلات الشعبية كالخبيزية والعلت مع الزبدة البلدية وقرص الزلابية والعسل وسلة البيض الطازج والخبز المحمص بالجبن و وحليب البقرة والبيض المقلي على النار وخبز الطابون مع تقاليد المرأة الفلسطينية في مسك المغزل وغزل الصوف الذي  نجدته بيدها لينام عليه أهل الدار.

 كما يقع تحضير الصابون الزيتي واستحضر النص الطب الشعبي وعالم الحشائش الطبية التي يقع  تداولها بعد أن اثبتت  نجاعتها في مداواة المرض وكانت الميرمية والزعتر الفارسي والبابونج مقابل الاسراع  بالذهاب الى المستشفى عندما مرض البطل.

وللأطفال  نصيب من الراحة بعد العمل مع الجد والعم لأن “القعاد مش للرجال”  كما قالت  الجدة  حاثة الطفل على العمل وهذه الراحة يلعبون فيها إحدى الألعاب الشعبية المعروفة والمتوارثة  وهي الزقيطة وسبع أحجار.

وقد أغنى  سردية الكاتبة الأمثلة الشعبية مثل “من الغلوة للكوة”والجمل  المتداولة مثل “صنع ايدي وحياه عيني ” لكن تراكم الساردة حديثها ولم تتجاوز إحدى أهم فقرات العلاقة بين الحفيد وجدته وهي  التمتع بإحدى القصص المسموعة وها هي تحكي له قصة “زين الطول” لينام على مسمعها .

مكن هذا الصندوق الطفل البطل و الطفل القارئ من الانفتاح على عوالم الجدات والأجداد حياتهم و تقاليدهم و طرق عيشهم وتفاعلهم مع الطبيعة والمسكن بلغه سلسة راعت المستوى المعرفي والحس حركي للطفولة ورسائل تربوية وأخلاقية  كمكانة  الطفل في عائلته وحب الوالدين وخوفهم وقلقهم على حياتهم و صحتهم.

 وتواصل الكاتبة في نسق سردي  جديد يستحضر حياة الجدات والأجداد على أن يكونوا أصحاب قصص مسموعة وأحفاد يتحلقون حول الجدة بل الأحفاد يباشرون حياة الجدات في حلهم وترحالهم  ومعبشتهم ليصاحب القارئ قاموسا جديدا يجعله ينفتح على الشعوب والحضارات الأخرى  مما يغني زاده الفكري والمعرفي بعد قراءة هذه القصة ليفتح الكتب والمخطوطات والحواسيب لمزيد فهم تلك الشعوب إذا كان مثلا من سكان المغرب العربي وليتعرف على اللهجات الأخرىويتابع ويفهم المصطلحات وكلماتها التي كتبت السردية الجميلة وصاحبت  البطل الروائح الجديدة معلقا عليها كرائحة صابونة الزيت  ورائحة الحشائش التي كانت   أطيب من المسك والرائحة صاحبته منذ فتح الصندوق الذي كان حلمه وبالحلم غادر تلك الأجواء الطيبة

  • Related Posts

    د. حنان عواد تكتب: حسام حسن … رجولة لا تنحني!

    في تاريخ الرياضة، تبقى بعض اللحظات أكبر من نتائج المباريات، وأبقى من الكؤوس والألقاب. فهناك مواقف يكتبها أصحابها بالفعل قبل أن تكتبها الصحف، وتظل عالقة في الذاكرة لأنها تعبّر عن…

    WHAT THE WORLD CAN LEARN FROM THE 36TH MEDELLÍN INTERNATIONAL POETRY FESTIVAL

    By Võ Thị Như Mai (Vietnam – Australia) As both a participating poet and an international observer at the 36th Medellín International Poetry Festival, I arrived in Colombia expecting to…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *