صوتُ الصحراء الذي يسكن المنفى

بقلم: سيرجيو لاجولي By Sergio Lagulli

ثمة شكلٌ شعريٌّ ضاربٌ في القِدَم، كانت نساء الصحراء ينظمنه ليلًا، فوق الكثبان الرملية، إلى أحبابهن؛ إنّه «التِّبرا» (Tebrae)، قصائد تتألّف من بيتين، يضمّ أولهما ستة مقاطع صوتية، والثاني ثمانية، ولا تتناول سوى موضوع واحد: الحب. كانت هذه القصائد تتناقلها الألسن مجهولةَ الناظمات، مثلما تتناقل الريح أسرار الصحراء.

جمع إسماعيل ديادي حيدرة، الشاعر والفيلسوف والمؤرّخ، المولود في باجيندي، تمبكتو، عام 1957، هذه الأشعار من الذاكرة الشفاهية لأبناء شعبه، وحوّلها إلى شيء جديد جذريًّا: شكل شعري مفتوح يتّسع للعالم بأسره.

لكن مَن هو إسماعيل ديادي حيدرة؟ إنّ الإجابة عن هذا السؤال تعبر القرون والقارات.

حيدارا هو آخر أحفاد علي بن زيّاب الكوتي، أحد مواطني طليطلة الذين أُخرجوا من مدينتهم عام 1468، فاستقرّ في تمبكتو. وقد حمل معه مخطوطات العائلة، ومن ذلك الرحيل القسري وُلدت «خزانة كاتي»، المكتبة الأندلسية في تمبكتو، التي تُعدّ أهمّ إرث وثائقي أندلسي خارج إسبانيا، إذ تضمّ أكثر من اثني عشر ألف مخطوط، تناقلتها الأجيال جيلًا بعد جيل.

تكشف هذه الحكاية الكثير عن معنى كلمة «المنفى» في حياة هذا الرجل؛ فالمنفى ليس حادثةً عابرة في سيرته، بل حالة موروثة، وجرحٌ ينتقل عبر الدم والورق معًا. كتب أحد أسلافه، مستسلمًا لحنينٍ يعرف أنّه لن يجد سبيلًا إلى العودة:

«مَن عرف طليطلة لن يستطيع نسيانها».

وُلدت أولى قصائد التِّبرا التي كتبها حيدرة من جرحٍ شخصيّ عميق: موت أمّه. غير أنّ القصائد التي يضمّها هذا الكتاب تنبع من مصدر آخر.

في عام 2012، دفعت انتفاضة الطوارق، ثم استيلاء الجهاديين على تمبكتو، حيدرة إلى المنفى، بعد أن تمكّن من إنقاذ أكبر عدد ممكن من وثائق خزانة كاتي. وفي خضمّ الفرار والمنفى واستعادة ذاكرة العائلة، عادت سيرة علي بن زيّاب بقوة؛ ذلك السلف الذي سلك الطريق نفسه قبل خمسة قرون.

وهكذا تكاثرت قصائد التِّبرا حتى بلغ عددها 1203 قصائد. وكأنّ هذا الشكل الشعري، الذي احتضن ذات يوم ألمًا شخصيًّا، كان قد تهيّأ الآن لاستقبال وجعٍ أوسع: الحداد على وطن، وفقدان عالمٍ كامل.

تمبكتو، أرشيف الذاكرة، والمنفى الذي يتوارثه الأبناء.

ساليرنو، آركو كاتالانو: إسماعيل ديادي حيدرة مع رافاييلا مارتسانو.

«التِّبرا»: الإيجاز بوصفه اختيارًا أخلاقيًّا وجماليًّا

إنّ «التِّبرا» كتابٌ يختبر فضيلة الإيجاز، لا باعتباره اختيارًا جماليًّا فحسب، بل بوصفه موقفًا أخلاقيًّا أيضًا.

يحافظ حيدارا على البنية الثنائية للتِّبرا التقليدية؛ ففي الشطر الأول تتجلّى الفكرة أو العاطفة أو انفعال اللحظة، وفي الشطر الثاني يحضر استدعاءٌ لظاهرة من ظواهر الطبيعة. لكنه يحرّر هذا الشكل من انحصاره في موضوع الحب، ويفتح أبوابه لكل ما تحمله الحياة: الموت، والطفولة، والمجاعة، والحرب، والحنين، والتشرّد، وذلك الملاذ الذي نجده في نظام الطبيعة، وكأنّه الفضاء الوحيد الذي يمكن انتزاعه من قبضة التاريخ ووحشيّته.

ومن الجدير بالتذكّر أنّ قصائد التِّبرا نشأت مجهولةَ الناظمات، وأنّ النساء هنّ من أبدعنها وتناقلنها، بلا توقيع أو ادّعاء للملكية الأدبية.

يُنجز حيدارا فعلًا يجمع بين الحفظ والتمرّد؛ فهو يمنح هذا الشكل صوتًا فرديًّا، واسمًا، وسيرة حياة، لكنه يُبقي على نزوعه إلى الجوهر، وعلى ذلك الاحتشام العاطفي الذي يشكّل قلب التراث الحسّاني في الصحراء.

المنفى هو النغمة الأساسية التي تسري في الكتاب، لكن ليس بالمعنى التقليدي للرثاء والفقد. إنّ حيدارا يسكن المنفى بصفاء ذهنيّ يذكّرنا ببعض الرواقيين والأبيقوريين. فهو لا يتخلّى عن العالم، بل يعيد تعريفه من الداخل:

ليس الأمر بيدك أن تعيش يومًا أو ألف يوم؛
ما تملكه حقًّا أن تطير بفرح اليعسوب.

أو، ببساطة لا تعرف المواربة:

افتح الباب حين يأتي الحب،
وافتحه من جديد، بامتنان، حين يرحل.

ثم يقول، في نبرة تبلغ من العمق حدًّا يثير الدهشة، لا لأنها تسعى إلى إدهاشنا، بل لأنها لا تتعمّد ذلك:

أنا كلُّ القُبَل التي أعادتني إلى الحياة،
وكلُّ كلمةٍ من نورٍ وحبّ أبقتني مستيقظًا.

لا يُنكَر الألم، بل يُعاد تشكيله، ويُرفع إلى درجة من الصفاء والحرارة الروحية يتجاوز عندها حدود التجربة الفردية، ليصبح تجربة إنسانية كونية.

إنّ قِصَر قصائد التِّبرا يفرض اقتصادًا مطلقًا في اللغة. فلا بدّ لكل كلمة أن تستحق مكانها في البيتين؛ إذ لا مجال للزخرفة أو الشرح أو التعليق.

وفي هذا التكثيف تنفجر المفارقة:

أستطيع الاستغناء عن كل شيء، إلا الصمت؛
ففي الكلمة يبدأ التباس العالم.

إنّه شاعر يحذّرنا من الكلمات مستخدمًا الكلمات نفسها، في بيتين مكتملين بذاتهما، لا يحتاجان إلى ما يفسّرهما.

ويجد القارئ نفسه مضطرًّا إلى إنجاز جزء من عمل الشاعر: أن يُكمل المعنى، ويترك صداه يتردّد في داخله، ويُدخل تجربته الخاصة في ذلك الوعاء الصغير الذي يتّسع، على نحوٍ مدهش، لكل شيء.

من هذه الزاوية، ينتمي حيدارا إلى تقليد شعري عابر للثقافات والقرون؛ من الهايكو الياباني إلى الشعر العربي الكلاسيكي، ومن المقطوعة الشعرية اليونانية إلى البيت الشعري الفارسي، مع بقائه متجذّرًا بعمق في تراثه الحسّاني الخاص.

الترجمة: كيف ننقل الصمت؟

تواجه ترجمة روسيلا نيكولو وجانكارلو كافالو تحدّيًا ليس بالهيّن؛ إذ تسعى إلى استعادة التوتّر الشعري في اللغة الإيطالية لشكلٍ صيغ أصلًا في لغة أخرى، وفي مناخ ذهني وثقافي مختلف.

إنّ ترجمة التِّبرا تعني مقاومة إغراءين متناقضين: إغراء الشرح، أي فتح ما يتعمّد النص إبقاءه مغلقًا؛ وإغراء التهذيب والتنعيم، أي جعل ما ينبغي أن يحتفظ بخشونته وغرابته سلسًا ومألوفًا.

جاءت النتيجة مقتصدة ومحترمة لروح النص، مع اختيارات لغوية تتجه نحو الجوهر، من دون الاستسلام لإغراء الأسلوب الجميل لذاته.

ولا تقتصر مساهمة روسيلا نيكولو في هذا الكتاب على الترجمة؛ فمقدّمتها أداة ثمينة وسخيّة، تصحب القارئ الإيطالي إلى عالم شعري وثقافي وتاريخي بعيد. وبمعرفة وشغف، تقوده عبر سيرة حيدارا، وجذور هذا الشكل الشعري في التراث الشفاهي الحسّاني، والسياق التاريخي لمالي المعاصرة.

إنّه نصّ لا يشرح الشعر، فذلك أمر مستحيل ولا طائل منه، بل يهيّئ المساحة التي يمكن للشعر أن يُسمَع فيها حقًّا.

ويُكمل المعجم والفهرس الموضوعي اللذان يختتمان الكتاب هذا العمل التحريري الدقيق، كاشفَين عن كتاب لم يُصمَّم لقرّاء الشعر وحدهم، بل لكل مَن يرغب في فهم شيء أعمق عن تمبكتو، وإفريقيا جنوب الصحراء، ومعنى أن يحرس الإنسان ذاكرته بينما تشتعل النيران من حوله.

وفي النهاية، يبقى سؤال يطرحه الكتاب نفسه، ويحمله القارئ معه بعد أن يفرغ من قراءته:

ماذا سأفعل بحياتي
بعد ثلاثة وستين موسمًا من الأمطار؟

ربما أواصل السفر، والحب، والنوم.

ثم، بتلك الخفّة التي لا يملكها إلا مَن اجتاز أقسى المحن:

يومًا ما سينبت العشب فوق قبري،
فلا تبكوا. كنتُ سحابةً عابرة، وضحكتُ من كل شيء.

ليس هذا استسلامًا، بل حكمة؛ تلك الحكمة النادرة التي لا تحتاج إلى إثبات نفسها.

إنّها الحكمة ذاتها التي مكّنت رجلًا من اجتياز منفيين، وإنقاذ آلاف المخطوطات، والعثور في صحراء التِّبرا على طريقة يقول بها كل شيء في بيتين.

إنّ نشر هذا الكتاب في إيطاليا اليوم ليس فعلًا محايدًا، بل هو فعل استردادٍ للذاكرة، وتذكير بأنّ الشعر، حتى حين يولد مجهولًا، وحتى حين ينبثق من الحداد، لا يرضى بالتبدّد والضياع.

وكما تجد مخطوطات خزانة كاتي طريقها إلى البقاء، يجد الشعر دائمًا سبيلًا إلى النجاة من أولئك الذين يريدون محوه.

«التِّبرا» كتاب يطلب من قارئه أن يتمهّل. فكل قصيدة فيه إيماءة صغيرة تستدعي وقفةً وصمتًا وعودة. وفي عصرٍ يفيض بالكلام حتى التخمة، يبدو هذا الصمت المحصور في بيتين ضرورةً لا ترفًا.

مثل الصحراء تمامًا؛ فهي ليست فراغًا، بل امتلاءٌ بما لا تراه العين.


بيانات الكتاب

إسماعيل ديادي حيدرة
التِّبرا (TEBRAE)
منشورات مولتيميديا

إسماعيل ديادي حيدرة، Tebrae، تحرير روسيلا نيكولو وجانكارلو كافالو، منشورات مولتيميديا – دار الشعر، بارونيسي، ساليرنو، إيطاليا، 2026.

المراجع الببليوغرافية

إسماعيل ديادي حيدرة، Tebrae، تحرير روسيلا نيكولو وجانكارلو كافالو، منشورات مولتيميديا – دار الشعر، بارونيسي، ساليرنو، إيطاليا، 2026.

  • Related Posts

    The Voice of the Desert That Inhabits Exile

    By Sergio Lagulli There is an ancient poetic form that the women of the Sahara used to compose at night, among the dunes, for their beloved: the tebrae. Two lines,…

    العملاق الخجول … ثنائية  الطرح  والحلول

    طارق العمراوي كتبت القاصة هيا صالح قصتها” العملاق الخجول” مراكمة مدونتها السردية الموجهة للأطفال وأمنت الرسومات الفنانة التشكيليه منار مجدي والتي قالت  الكثير كالألبسة وادوات الفلاحة والمطبخ ولحظات السعادة والخجل والتفكير  مع توزيع خاص للمتن مع الصورلإحداث  الفرق  في القراءة والمتابعة. وتلتحق هذه القصة  ضمن نهجين في الكتابة  والتحبير أولهما أمن يكون  الطفل فاعلا ومؤثرا في القصة لا مستهلكا لها ثانيا وهذا الأهم أن تكون القصص مادة علاجية واصفة الحالة متجاورة لها عبر إخراج سردي جميل  لإحدى الأمراض أو العاهات  الموجودة هنا أو هناك . وقدمت الكاتبة اشكالية حياتية ونفسية ووجدانية  تشق  دورنا وشوارعنا ومدارسنا وهي الخجل الذي  صاحبه  صفة وحالة جسدية خاصة ” العملاق “فعوض أن يكون  جبارا طاغية  كما قدمته القصص الخرافية التي استمعنا إليها  من الجدات أو ما كتب تواصلا و تفاعلا مع النسق السردي  القديم. لكن هنا نرى عملاقا خجولا وهذه التركيبة  الخاصة  استطعت بها ومعها  الكاتبة تمرير الحالة النفسية لهذا العملاق وفي عدة فواصل سردية  ارتبطت بتفاعله مع  الآخرين  وردة فعله التي لا يتلقفها  الطفل القارئ مستغربا ثم متفاعلا معه  ومنها كان ” وضع لطيف إصبعيه  داخل أذنيه  وأغلق فمه و عينيه” عند ما سمع محرك السيارة ورن الجرس   ثم اختبأ عندما سمع صوتا خارج بيته وعند طرق الباب ذات مرة “تلون وجه لطيف بالألوان واحمرت وجنتاه “ووقفت القاصة  عند هذا السلوك محددة أدق التفاصيل التي ارتبطت بالخجل وبشخصية العملاق بدء بالاسم لطيف مرورا بانزوائه  عبر بناء بيت في  أطراف البلدة ومعتبرة أن “خجله  لم يكن طبيعيا بل من ذلك النوع الذي يسبب الألم لصاحبه” ومن ضمن الالام العيش لوحده و بمفرده والخوف والرعب الأكبر وتغير ملامح وجهه بمجرد الحديث مع الناس ثم التردد أمام إنجاز أي فعل مثل الدعوة التي وصلته ووصفت  الكاتبة هذا التردد قائلة ” وخلال أربع  ساعات  غير لطيف رأيه آلاف  المرات” وهذه الوقفة مع الذات استطاع من خلالها  تقييم ذاته ووضعها النفسي الحرج اذ قالت القاصة معبرة عن هذه الوقفة ” وكم تمنى لو لم يكن خجولا لهذه الدرجة” وفكرة المواجهة المباشرة  والتي تأخرت من طرف أطفال البلدة وأهلها بالذهاب إليه لاخراجه من عزلته  وخجله المقلق كان لها الوقع الحسن على” ألطف عملاق في العالم” كما قال الأطفال والأهل وعندما  اطمأن  وهذه لحظة نفسية  فارقة تحدث عن الحب والانتماء ورغبته في أن  يعيش الجميع بخير وسلام  كما ذكرهم بالأعمال الجليلة  التي قام بها كإصلاح  السد و حفره البئر وزراعة الأزهار في كل مكان ودافعه سرا الشجرة العملاقة بعيدا عن الطريق. إن الحياة جميلة يكفي أن نتعاون ونتصالح مع ذواتنا ونؤمن أن أبناء البلدة الوحيدة تجمعهم الأرض والانتماء  والظروف والحاجات الكل يحتاج للفرد كما يحتاج الأخير للمجموعة وهكذا خرج العملاق من خجله بالحديث والتحدث  المصحوب  بالإطمئنان والحب. إن نص ” العملاق الخجول” جاء سردية طريفة جابت بنا  القاصة في أعماق الذات البشرية  عبر مثالا نراه كل يوم هنا وهناك يكفي فقط أن يسود بيننا الحب والطمأنينة كي نتجاوز عقدنا  وقلقنا الوجودي والنفسي مع رسومات أثرت المشهد السردي  الذي يحتاجه الطفل وهو يطالع قصته كي  يعيش هناك بين السطر والأفكار. 17:02  

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *