قراءة تشكيلية مختصرة: معرض”ناس من شارعنا” للفنان القدير عبدالرازق عكاشة

 بقلم الدكتورة رانيا سعيد


تتجلى إحدى السمات البارزة في تجربة الفنان من خلال التباين بين الاختزال اللوني والتكثيف التعبيري؛ حيث اعتمد على توجه تشكيلي يقوم على التعبير الوجداني وإعادة صياغة الموضوع المرئي من خلال اختزال التفاصيل، وتحرير اللون، وتأكيد الأثر الحركي للفرشاة. ولم يتعامل الفنان مع الشكل بوصفه محاكاة بصرية للواقع بقدر ما يعيد بناءه وفق رؤية ذاتية تتداخل فيها العلاقات اللونية والبنائية مع الشحنة التعبيرية للموضوع.


ففى بعض الأعمال نجد الفنان قد اعتمد منظومة لونية محدودة تتدرج بين الأسود والرمادي والأبيض، مع مساحات من الدرجات الترابية الدافئة.

ويسهم هذا الاقتصاد اللوني في خلق مناخ بصري يميل إلى التأمل والهدوء المشوب بالتوتر، بينما تؤدي التباينات بين المناطق المضيئة والكتل الداكنة دورًا أساسيًا في تنظيم التكوين وتوجيه النظر نحو مركزه. كما تمنح ضربات الفرشاة الظاهرة السطح التصويري ملمسًا حسيًا، يحافظ على حضور الفعل التشكيلي ولا يخفي آثاره خلف معالجة مصقولة.


وعلى وجهٍ آخر قدم لنا معالجة مغايرة من حيث الطاقة اللونية والإيقاع البصري؛ إذ يتصدر الأزرق بدرجاته المتعددة البناء العام، متداخلًا مع البنفسجي والأبيض ومساحات محدودة من الألوان الدافئة. ولا يقتصر اللون عنده على وظيفته الوصفية، بل يتحول إلى عنصر بنائي وتعبيري يختزل الأشكال ويعيد تحديد علاقاتها، كما تؤدي الخطوط المنحنية والضربات المتتابعة دورًا في إنتاج حركة داخلية تتجاوز حدود التمثيل المباشر، فيما يسهم التباين بين المساحات اللونية المشبعة والفراغات الفاتحة في إبراز البؤر التعبيرية للتكوين.

ومن الناحية البنائية؛ تتسم الأعمال بميل واضح إلى تحرير الشكل من الالتزام بالتشريح الدقيق والمنظور التقليدي، لصالح صياغة تعتمد الاختزال والتحوير وتفاوت درجات التحديد. ففي حين تحتفظ العناصر المصورة بقدر من قابليتها للتعرف، تتعرض حدودها للتفكك والاندماج مع الخلفية، بما يجعل العلاقة بين الشكل والفضاء علاقة متحولة لا تستند إلى الفصل الحاسم بينهما. وتبدو الفرشاة في هذا السياق أداة لإنتاج الشكل بقدر ما هي وسيلة للكشف عن الانفعال المصاحب لتكوينه.

وتشير الأعمال إلى قدرة الفنان على توظيف اللغة التشكيلية ضمن اكثر مناخ تعبيري مختلف؛ فالمعالجة الأحادية اللون في بعض الأعمال تؤسس خطابًا بصريًا أكثر انضباطًا واختزالًا، بينما تمنح المعالجة اللونية في الاعمال الأخرى التكوين انفتاحًا حركيًا وانفعاليًا أكبر. وعلى الرغم من هذا الاختلاف، يظل الاهتمام بأثر اللمسة، ومرونة الحدود الشكلية، واستقلال اللون النسبي عن وظيفته الوصفية، من السمات المشتركة التي يمكن استشفافها من المعروضات.


وخلاصة القول :

 

يمكن النظر إلى الأعمال بوصفها تجارب في إعادة بناء المرئي، لا مجرد تسجيل لموضوعاته؛ فالمعنى لا يتحدد من خلال العناصر المصورة وحدها، وإنما يتشكل أيضًا عبر طريقة توزيع الكتل، وطبيعة التباينات، وإيقاع الضربات، والتوتر الناشئ بين التجسيد والاختزال. ومن هنا، تتأسس القيمة التعبيرية للعمل على التفاعل بين الموضوع وأدوات تشكيله، حيث يصبح الأسلوب نفسه حاملًا للدلالة، وليس مجرد إطار شكلي لها.

  • Related Posts

    حيفا والنورس …آفاق الأحاديث والوقائع

      طارق العمراوي من قصص الكاتب توفيق فياض  الموجهة للطفولة قصة “حيفا والنورس ” وأمن والأ لواح التشكيلية هنريك خيلنسكي والتي قالت الكثير كالصومعة و القباب والقوارب واللباس التقليدي الفلسطيني ولحظات  الوداع والحيرة والبكاء وطيران النوارس البيضاء في سماء الشاطئ والبحر. وككل كاتب فلسطيني يحضر المعجم الطبيعي والبيئي وهنا كان شاطئ البحر والشمس والصيف والشتاء والرياح الباردة والطيور الجميلة والنوارس والفضاء والموج والماء والجنحه والرمل . وما يميز هذه السردية الجميلة أن تحولت هذه المكونات إلى ظواهر طبيعية مقلقة اذ كانت خارج الأراضي الأم وهذا حال المخيمات والبقاع التي سكن بها المهجرون والمطردون من فلسطين وهي فرصة للتذكير بواقع  الفلسطينيين اذ قال النص” وحيفا لا تحب بيتها كثيرا لأنه يصير حارا جدا عندما تطلع الشمس في الصيف وفي الشتاء  يسيل الماء من شقوق السقف وتكاد تقتلنا  الرياح الباردة “. في حين وصفت السردية الفلسطينية في عدة نصوص البيوت والدور الفلسطينية و شجرة الزيتون والساحة والحجارة  المقاومة للبرد و الحرارة والصهيونية. وهذه شواطئ  بيروت اين  تعيش الطفلة حيفا مع غيرها من الفتيات المهجرات بالأردن  وسوريا وغيرها من البلدان . حضر في السردية  اخراج جميل عبر حيفا الطفلة وحيفا البلدة الفلسطينية  كانت الأولى سعيدة رغم البيت والواقع التعيس وبعتها عن حيفا  الثانية البلدة الجميله وها هي الطفلة   محبة للبحر والطيور البيضاء وحيفا البلدة التي تركها القاص لمخيلة الطفل أ ن تتخيلها وتحلم بها كما قال القاص ” كانت حيفا لا  تزال تجلس على الشاطئ منتظرة  جدها وتحلم بحيفا  ثانية” متقاطعة  مع كل المهجرين الذين يحلمون برؤية بلدانهم التي ولد فيها الأباء والأجداد وحرموا منها  كأطفال ولدوا في المخيمات وغيرها ولأنها تشترك في الاسم ما يدعم العلاقة المستقبلية مع حيفا البلدة و لأنها موطن جدها . وهذا أحدهم الجد الذي يغادر شواطئ بيروت ليلتحق بحيفا البلدة  ويكون الصيد مع رؤية  بلدته |أين يقوده  الحنين إليها  كل يوم ودائما لذلك رفض أ ن تكون حفيدته في صحبته  ليلتقي بحيفا الأخرى  ومازالت صغيرة ربما ليحدثها بإطناب عن البلدة الجميلة التي ترك فيها بيته  وتاريخه وذكرياته وهو بينهما  يحمله الحنين للمدينة الحبيبة  وقلقه لأنه ترك الحفيدة لوحده محتارة قلقة . ها  هو النورس حضر في أكثر من فاصلة سرديه كانت تسعد  الفتاة ومحدثاتها عندما رأتها تبكي ودليل جدها في البحر أكثر من البوصلة والشراع والنجوم والقمروأخيرا  مصدر للمعلومات  لأنها خبيرة بالبحار والشواطئ قالت لحيفا” لأن حيفا الأخرى ليست بنتا يا حيفا إنما مدينة هناك خلف البحر جميلة مثلك وأنا أحبها أيضا ” وحديث الطفلة  مع الحيوان هو تقليد سردي استحسنته العديد من الكتابات  وكتبوا فيه وبه و ها هي هذه السردية الجميلة تواصل في نفس النهج حتى اعتبرته  الفتاة مصدرا للمعارف والمهارات الحياتية اذ قالت مخاطبة النورس “لا تتركني أيها النورس أريد أ ن أسالك سؤالا آخر” مع حنين الجد لبلدته الأم ها هو الصبر والانتظار قدر الفلسطينيين وعبرت عنه الفواصل السردية في انتظارها الجد ومعه الحكايات عن حيفا البلدة التي تعرفت  عليها مؤخرا وتحلم برؤيتها بعد حديث التشويق الذي أدلى به النورس كما قال النص “وحين مالت  الشمس عن المغيب  وتعلقت فوق  البحر مثل البرتقالة كانت حيفا  لا تزال تجلس منتظرة جدها وتحلم بحيفا الثانية إن نص ” حيفا والنورس” لكاتبها  توفيق فياض  استحضرت التهجير وتمظهراته والحنين لبلدات الولادة والنشأة  ومفتاح الانتظار وحلم العودة وحضر الحيوان في خط تواصلي مع الكتابات التي راهنت  على الحيوان لتمرير الرسائل وكتابة سردية يشقها الخيال مع مقدمات واقعية انبت عليها الأحداث والمسار  

    «ناس من شارعنا».. عبد الرازق عكاشة يحتفي بشعرية الحياة اليومية في معرض جديد

    افتتح مساء 15 أكتوبر 2026 معرض الفنان التشكيلي والروائي والناقد الفني العالمي عبد الرازق عكاشة، بعنوان «ناس من شارعنا»، وسط حضور كبير من الفنانين والنقاد ومحبي تجربته الفنية، في أمسية…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *