الرباط تحتفي بعوالم الكتاب: حوار الثقافات وقراءات الشباب واحتفاء شعري بمحمود درويش

أكاديمية المملكة المغربية تطلق أنشطة «دار عوالم الكتاب» بمشاركة أدباء ومفكرين وفنانين، وتحتفي بأربعين عامًا على نوبل وولي سوينكا، وتؤسس لمكتبة مرجعية تجمع آداب إفريقيا وذاكرتها الثقافية.

الرباط – 16 أكتوبر 2026

في احتفاء يجمع الأدب بالفكر والموسيقى والمسرح، أطلقت أكاديمية المملكة المغربية، أمس الجمعة، أنشطة «دار عوالم الكتاب»، في لقاء ثقافي دولي يندرج ضمن الحراك الذي تشهده العاصمة المغربية بمناسبة اختيارها عاصمة عالمية للكتاب لعام 2026 من قبل منظمة اليونسكو. وجاء الافتتاح تتويجًا لبرنامج ثقافي امتد من 14 إلى 16 أكتوبر، جمع بين الندوة الدولية «المراسلات المتوسطية: الإحساس بالتاريخ» ولقاءات أدبية وفنية تحتفي بتنوع التجارب الإنسانية، ودور الكتاب في بناء جسور التواصل بين الشعوب.

وتتجاوز المبادرة فكرة إنشاء مكتبة بالمعنى التقليدي، لتطرح مشروعًا ثقافيًا مستدامًا يجعل الكتاب نقطة التقاء بين القراءة والترجمة والإبداع والذاكرة والحوار بين الثقافات، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة للتفاعل مع الأدب العالمي بوصفه مساحة لاكتشاف الآخر وإعادة قراءة العالم.

مكتبة إفريقية بـ54 كتابًا.. مشروع مفتوح على ذاكرة القارة

في كلمته الافتتاحية، قدم عبد الجليل لحجمري، الأمين السر الدائم لأكاديمية المملكة المغربية، الرؤية الثقافية للمشروع، موضحًا أن المبادرة تستثمر اختيار الرباط عاصمة عالمية للكتاب لتأسيس عمل يتجاوز المناسبة إلى المستقبل.

وتتمثل إحدى أبرز خطوات المشروع في إطلاق مكتبة إفريقية مرجعية تنطلق من مجموعة تضم 54 كتابًا تمثل البلدان الإفريقية الأربعة والخمسين، اختير من كل بلد فيها عمل سردي أو كتاب في العلوم الإنسانية، ليكون مدخلًا إلى التعرف على تنوع المجتمعات الإفريقية وغنى تجاربها ومخيّلاتها.

ولا تُطرح هذه المجموعة باعتبارها قائمة مغلقة، بل نواة لمكتبة متجددة تتسع للأدب الحديث والمعاصر، والسرديات المؤسسة، والتراث الشفهي، والمرويات المغناة، والمخطوطات والنقوش، بما يتيح قراءة الثقافة الإفريقية في تعدد لغاتها وأشكال تعبيرها.

وتتصل بهذه الرؤية تهيئة فضاءات في الرباط لاستضافة الإقامات الأدبية واللقاءات الفكرية، وتشجيع الباحثين والكتّاب على تبادل التجارب، وإقامة شراكات تسهم في ترجمة الأعمال وتداولها عبر الحدود.

وفي هذا السياق، برزت فكرة الكتاب بوصفه علاقة إنسانية تصل الكاتب بالقارئ، وتربط الأجيال بعضها ببعض، وتنقل الخبرات والمعارف بين الأزمنة والثقافات.

وولي سوينكا ولو كليزيو: الكتاب طريق إلى معرفة الآخر

حضر البعد الإنساني للأدب بوضوح في كلمات الحائزين على جائزة نوبل للآداب، النيجيري وولي سوينكا والفرنسي ذي الأصول الموريشيوسية جان ماري غوستاف لو كليزيو.

واستعاد سوينكا، أول إفريقي يحصل على نوبل للآداب، دلالة الاجتماع الأدبي في الرباط، معربًا عن أمله في أن تتذكر الأجيال هذا اليوم الذي التقت فيه إفريقيا، على الأقل في المجال الأدبي.

أما لو كليزيو، فتوقف عند أهمية الكتاب في حماية الثقافة من الهشاشة والانغلاق، مؤكدًا أن معرفة الثقافات الأخرى ليست ترفًا، بل ضرورة لتوسيع فهم الإنسان للعالم. فالثقافات لا تتشكل في عزلة، وإنما تنمو من خلال اللقاء والتبادل والتفاعل بين التجارب الإنسانية.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في مشروع «دار عوالم الكتاب»، الذي يضع الترجمة في قلب التواصل الثقافي، ويجعل انتقال النصوص بين اللغات وسيلة لاكتشاف عوالم قد تبدو بعيدة، لكنها تلتقي في الأسئلة الإنسانية الكبرى.

المائدة المستديرة: الأدب ذاكرة مشتركة بين ضفتي المتوسط

جاء إطلاق الدار امتدادًا للنقاشات التي شهدتها الندوة الدولية «المراسلات المتوسطية: الإحساس بالتاريخ»، المنعقدة يومي 14 و15 أكتوبر، بإدارة الكاتب والمترجم الفرنسي جان نويل شيفانو.

وقدمت الندوة مقاربات متعددة للعلاقة بين الأدب والذاكرة والتاريخ، مستكشفة البحر المتوسط بوصفه فضاءً للتبادل الحضاري، والتقاء اللغات والأديان، والهجرة، والتحولات الاجتماعية، وتداخل الهويات.

وتناولت المداخلات دور الرسائل والوثائق والأرشيف في استعادة التاريخ، وعلاقة الكتابة بالذاكرة الفردية والجماعية، فضلًا عن حضور الأماكن المقدسة والطقوس المشتركة في تشكيل الوعي بين ضفتي المتوسط.

كما ناقش المشاركون قدرة الأدب على إعادة قراءة الوقائع التاريخية، وإحياء أصوات غابت عن السرديات الرسمية، وإبراز التجارب الإنسانية التي تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية.

وفي هذا السياق، برزت مساهمات تناولت الذاكرة والهوية والشعر والتحولات الثقافية، من بينها مداخلة الشاعر الفلسطيني نجوان درويش حول تحولات قصيدة «بطاقة هوية» بين زمنين وقصيدتين، إلى جانب قراءات أدبية تناولت التاريخ والهوية والمكان.

وأكد تنوع المشاركات أن الحوار المتوسطي لا يقوم على استحضار الماضي وحده، بل على مساءلة الحاضر وإعادة التفكير في العلاقات بين المجتمعات، من خلال الأدب باعتباره سجلًا حيًا للتجربة الإنسانية.

المسرح والموسيقى والشعر: افتتاح يحتفي بمحمود درويش

لم يقتصر البرنامج على الكلمات الرسمية والمناقشات الفكرية، بل اتسع إلى التعبير الفني الذي منح اللقاء بعدًا وجدانيًا، وجعل الشعر والموسيقى والمسرح امتدادًا للحوار الثقافي.

وكانت افتتاحية المسرح الموسيقي احتفاءً بالشاعر الفلسطيني محمود درويش، في تحية فنية تستحضر مكانة أحد أبرز الأصوات الشعرية العربية، وما تمثله تجربته من تداخل بين الذاكرة والهوية والمنفى والانتماء الإنساني.

وجاء هذا الاحتفاء منسجمًا مع روح اللقاء، الذي سعى إلى وصل الأدب بأشكال التعبير الفني، وإلى إبراز قدرة الشعر على تجاوز اللغة والجغرافيا، وتحويل التجربة المحلية إلى صوت قادر على مخاطبة الإنسان في كل مكان.

كما أضفت المشاركات الفنية على الفعاليات طابعًا حيًا، يربط النص الأدبي بالأداء والصوت والمشهد، ويؤكد أن الكتاب لا يعيش في صفحات مطبوعة فحسب، بل يمتد إلى المسرح والموسيقى والقراءة الجماعية، وإلى أشكال التعبير التي تمنح الكلمات حياة جديدة أمام الجمهور.

الشباب يقرؤون سوينكا بالفرنسية: جسر بين الأجيال واللغات

ومن المحطات اللافتة في برنامج الاحتفاء بالتجربة الأدبية لوولي سوينكا، قراءات الشباب لنصوصه باللغة الفرنسية، في مبادرة تصل بين أدب الكاتب النيجيري والأجيال الجديدة من القراء، وتكشف دور التعدد اللغوي في نقل الأدب الإفريقي إلى فضاءات أوسع.

واكتسبت هذه القراءات دلالة خاصة مع مرور أربعين عامًا على حصول سوينكا على جائزة نوبل للآداب عام 1986؛ إذ لم يكن الاحتفاء مجرد استعادة لمحطة في تاريخ الأدب، بل فرصة لإعادة تقديم أعمال الكاتب إلى جيل جديد، يقرأها ويؤديها ويتفاعل مع أسئلتها الفكرية والإنسانية.

وتعكس القراءة بلغة أخرى إحدى الوظائف الجوهرية التي تسعى «دار عوالم الكتاب» إلى ترسيخها: أن تظل الأعمال الأدبية حاضرة عبر الأجيال، وأن تنتقل بين اللغات من دون أن تفقد قدرتها على إثارة الأسئلة ومخاطبة القارئ.

كما تؤكد مشاركة الشباب أن الاحتفاء بالأدباء الكبار لا يكتمل بالتكريم وحده، وإنما يتحقق حين تتحول أعمالهم إلى نصوص مقروءة ومتداولة، تدخل في تجربة الأجيال الجديدة وتفتح أمامها آفاقًا للمعرفة والتعبير.

وتلتقي هذه الفقرة مع الرؤية الأوسع للمشروع، التي تجعل القراءة ممارسة أساسية، وتدعم مشاركة الشباب في الحياة الثقافية، وتربط الأدب بالتعليم والتكوين والتفاعل المجتمعي.

من المكتبة إلى الإقامة الأدبية والترجمة

ترسم البرامج المعلنة لـ«دار عوالم الكتاب» ملامح مؤسسة تتجاوز حفظ الكتب وعرضها إلى دعم دورة الحياة الأدبية كاملة، بدءًا من الإبداع والبحث، مرورًا بالترجمة والنشر، وصولًا إلى تداول الأعمال وتقديمها لقراء جدد.

وتشمل التوجهات المستقبلية الإقامات الأدبية الدولية، واللقاءات الشعرية، والمبادرات المخصصة للتبادل الثقافي، إلى جانب الاهتمام بأشكال شعرية متنوعة، من بينها شعر «إزلي» الأمازيغي والهايكو الياباني، وتطوير شراكات وطنية ودولية.

وتعكس هذه التوجهات رغبة في بناء فضاء يتيح للكتّاب والمترجمين والباحثين والفنانين العمل المشترك، ويمنح الثقافات المختلفة فرصًا متكافئة للتعبير عن تجاربها، بعيدًا عن التصنيفات التي تحصر الأدب في جغرافيا واحدة أو لغة بعينها.

الرباط.. عاصمة للكتاب ومختبر للحوار الثقافي

يمثل إطلاق «دار عوالم الكتاب» خطوة نحو تحويل اختيار الرباط عاصمة عالمية للكتاب إلى مشروع ثقافي مستمر، تتجاوز آثاره حدود الاحتفالات المرتبطة بعام 2026.

فالمكتبة الإفريقية المرجعية، والمائدة المستديرة حول الذاكرة المتوسطية، والقراءات الأدبية، والمشاركات الفنية، وقراءات الشباب لنصوص سوينكا بالفرنسية، تلتقي جميعها عند فكرة مركزية: أن الكتاب مساحة للحوار، وأن الترجمة وسيلة لتقريب الثقافات، وأن الفن يمنح هذا الحوار لغة إنسانية تتجاوز الاختلافات.

وبين صوت محمود درويش الشعري، وتجربة سوينكا الأدبية، ورؤية لو كليزيو للتبادل الثقافي، تبرز الرباط بوصفها فضاءً تتجاور فيه الذاكرات والتجارب واللغات، وتلتقي فيه الأجيال حول الأدب باعتباره موردًا مشتركًا للمعرفة والخيال.

وبذلك، لا تبدو «دار عوالم الكتاب» مجرد عنوان جديد في المشهد الثقافي المغربي، بل مشروعًا يسعى إلى جعل الكتاب قوة فاعلة في بناء جسور التواصل بين إفريقيا والعالم، وبين التراث والإبداع المعاصر، وبين الكاتب والقارئ، في أفق ثقافي أكثر انفتاحًا وتنوعًا.

 

Related Posts

من شارعٍ في القاهرة إلى داكار: الصحافة السنغالية تحتفي بالرحلة الأدبية للشاعر المصري أشرف أبو اليزيد

صدور «شارع في القاهرة» بالفرنسية في السنغال يفتح نافذة جديدة على الشعر العربي المعاصر، ويعزز جسور التعاون الثقافي بين مصر والسنغال. داكار – السنغال احتفت الصحافة السنغالية بصدور المجموعة الشعرية…

From a Street in Cairo to Dakar: Senegalese Press Highlights Egyptian Poet Ashraf Aboul-Yazid’s Literary Journey

A French-language newspaper report celebrates the Senegalese publication of Une rue au Caire, highlighting literary translation, Egyptian-Senegalese cultural cooperation, and the international reach of contemporary Arabic poetry. DAKAR, Senegal —…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *