لطيفة حرباوي.. حين تضحك القصيدة بسن واحدة

ليست تجربة لطيفة حرباوي الشعرية كتابة للألم بقدر ما هي محاولة لاكتشاف ما يتركه الألم في اللغة والإنسان. فمنذ مجموعاتها السابقة تشكل صوتها الشعري عند تقاطع الحس الفلسفي مع قصيدة النثر حيث تتحول التفاصيل الصغيرة إلى أسئلة كبرى وتغدو الصورة الشعرية وسيلة لمساءلة الذات والعالم وكشف التناقضات التي تختبئ خلف المألوف.

وقد تجاوزت هذه التجربة حدود القراءة العابرة إلى فضاء البحث الأكاديمي. فقد احتضنت جامعة محمد خيضر ببسكرة ندوة علمية حول خصوصية الكتابة النسوية في شعرها سنة 2022 بمداخلات قاربت جماليات المفارقة والصورة الشعرية والمعاني المضمرة وعلاقة الأنا بالآخر. كما تناول الدكتور عامر شارف بعض نصوصها في كتابه «مقاربات نقدية في إبداعات بسكرية» وفازت مجموعتها «قريب من الأمام بركلة» بجائزة دار متون للإبداع سنة 2023. وهي شواهد على تجربة تستدعي القراءة والتأويل ولا تكتفي بإنتاج الدهشة.

وفي كتابها الخامس «كأنني أضحك بسن واحدة» تبلغ هذه الكتابة عتبة جديدة من المكاشفة. فالعنوان ليس مفارقة لغوية فحسب بل استعارة مكثفة لإنسان يحاول الاحتفاظ بقدرته على الضحك رغم ما فقده من اكتمال الحياة. إنها ضحكة لا تنكر الوجع ولا تستسلم له بل تعيد صياغته في صورة شعرية تجمع بين الهشاشة والمقاومة وبين السخرية المرة والرغبة في النجاة.

في هذا العنوان تتجلى براعة لطيفة حرباوي في منح النقص معنى آخر. فالسن الواحدة ليست علامة عجز بقدر ما تصبح شاهدا على إرادة الضحك حين تتواطأ الظروف على انتزاعه. ومن هنا تتجاوز التجربة حدود البوح الشخصي لتلامس سؤال الإنسان المعاصر وهو يحاول ترميم ذاته في عالم يكثر فيه الانكسار وتضيق فيه مساحات الطمأنينة.

ولا تنفصل هذه الرؤية عن ملامح أسلوبها الذي يراهن على الصورة غير المتوقعة والمفارقة الدلالية والانزياح عن التعبير المألوف. ففي شعرها لا تأتي الفلسفة في هيئة خطاب مباشر بل تتسلل عبر الصور وتوترات المعنى وأسئلة الوجود. وقد أضاءت قراءات نقدية منشورة لتجربتها قدرتها على تحويل الجراح الإنسانية إلى صور ذات امتداد كوني تتجاوز حدود المكان واللغة.

وتأتي هذه المجموعة الجديدة لتلتقي بالقارئ في المعرض الدولي للكتاب بالجزائر «سيلا» عن دار ومضة للنشر والتوزيع. وهي محطة جديدة في مسار شاعرة راكمت حضورا أدبيا وأكاديميا وترجمت نصوصها إلى لغات أخرى.

إن «كأنني أضحك بسن واحدة» ليس عنوانا عن الضحك وحده بل عن الإنسان الذي يواصل الحياة بما تبقى منه. ولعل قوة لطيفة حربا تكمن في أنها لا تقدم الألم باعتباره نهاية المعنى بل مادة يعاد تشكيلها بالكلمات. هنا تصبح القصيدة طريقة أخرى لمقاومة الانكسار ويصبح الضحك الناقص فعلا كاملا من أفعال الحياة.

لطيفة حرباوي.. شاعرة تعرف أن بعض الابتسامات لا تحتاج إلى أسنان كاملة كي تقول الحقيقة كلها.

  • Related Posts

    ديجول ـ بورقيبة.. وصراع الإرادات في بنزرت

    قراءة نقدية: خالد سليمان طريق الحرير اليوم ـ تونس لم يتنفس صبح يوم 19 يوليو ـ جويليه 1961 كما جرت العادة في ثغر بنزرت الهادئ البديع، إذ طغى عليه فحيح…

    حلمت حلما غريبا … جدلية الأحلام وواقع اليقظة

      طارق العمراوي من قصص الكاتبة والقاصة حنان جبيلي عابد نص “حلمت حلما غريبا” وهاهي ألواح الفنانة التشكيلية ارينا كركبي تضيف للمتن القصصي العديد من الحالات النفسية والحياتية كالبكاء والتعاطف والحنان ومظاهر الخراب والآثار وبعض  الخصائص  المعمارية كالأبواب الخشبية والنوافذ  البلورية والأعمدة والأقواس والحجارة المتراكمة والأشجار الملقاة على التراب والأرض . العنوان كعتبة نصية يقول الكثير حدث  عادة ما تكون أحلام الطفولة وردية يشقها خيال ولحظات بهاء وصفاء أما أن يكون غريبا فهذا من الغرابة بمكان وما يجب على النص عرضه وإقناعنا به وهل هو انعكاس لحالات ولحظات وجدانية  مقلقة تعرضت لها الفتاة في وضح النهار في حراكها المدرسي أو العائلي أو غرابة مسقطة قادتها آفاق البطلة التي تحدث نفسها بالغريب والعجيب الذي يطلبه الطفل فيجده  إما على كراسه وكنشه في كتابة لحظة يستدعي فيها الخيال وغيره أو في قصص الخيال العلمي وعالم السحرة والحيوانات المنقرضة والغريبة التي طالعها  أوفي الحلم الذي يسافربه مع إمكانيات لا محدودة في الأزمنة والأمكنة لتستوقف الطفل القارئ جملة هي مفتاح مهم   إذ قالت “ذات صباحا استيقظت باكرا ولم أكن متاكدة أنني كنت أحلم”وهذه لحظة مفصلية في النص لضعف تمكنها من الحدث وما جرى وما رأت ولحجم الحلم وغربته وطابع الخيال الذي طغى عبر حضور عصفورة تتكلم ومعها سلطة سحرية مكنتها منها ومررتها للفتاة التي مارست هذه السلطة واطمأنت لهذه العصفورة والأهم لتطابق الحلم مع الواقع المر الذي تعيش . ومن هنا تواصل الكاتبة النهج الابداعي الذي راهن ومايزال على الطفل كفاعل و مؤثر واستطاعت الفتاة أن تغير المشهد بالريشة و بالكلمات العابرة فتغمرها السعادة ويتبدد معها الخوف والبكاء والانزعاج. ومما يجب تمريره الثقة في الفعل والانجاز وتحقيق النتائج إذ قالت العصفور عندما سألتها الفتاة أنا  طفلة صغيرة” بإمكانك أن تفعلي الكثير أيتها الصغيرة” وهذه  رسالة هامة مراميها أن نحضر الطفل ونصقل شخصيته للغد القريب والبعيد لا ان نجمد طموحاته وأن نقزم انجازاته وطرقه  في التفاعل  مع الظواهر. ومثل هذا النص فرصة  لأن  نقدم الوقائع كما هي دون مغالطات وزخرفة قولية  كما فعلت الكاتبة فتحدثت عن غضب الأرض اذ قالت” إن أمنا الأرض حزينة جدا من كثرة الحروب وقسوة القلوب ولذلك وعدت نفسها أن لا تعود لطبيعتها حتى تجد قلوبا تحب السلام”ووجدت العصفورة أولا لأنها رمز السلام ثانيا لأنها محبة له وإنها الوحيدة التي قالت إنها  ما زالت تحتفظ بألوانها وقد اختارت هي الاخرى الطفلة لمواصلة المشوار لكي تعود الأرض والسعادة وإن كانت المسؤولية كبيرة إلا أن الفتاة قبلت وكانت تردد الجملة المعهودة” ألوان ألوان يا ؤيشتي السحرية زيني الكون بالألوان ” ومساهمتها في هذا العمل الجبار الذي  نسيت معه الخوف وغمرتها مع ذلك السعادة. كما عرج  النص على عطف الأم وحنانها  في قدومها مسرعة واحتضان  طفلتها وتمرير يدها على شعرها لتهدئتها من آثار الحلم  المزعج الغريب مذكرة الفتاة أن الكبار لهم أحلامهم المزعجة والجميلة لكن اليقظة أهم وهي فرصة لتحقيق أحلامنا الغريبة وغيرها وأن نرى الخراب يوميا و نفكر في البناء والتشييد وأن نعيد الألوان كرمز للبهاء والحياة و بفقدانها حل الخراب والدمار. إن  النص ” حلمت حلما غريبا” جاء جملة فعلية  شقها الحلم والغرابة ومعهما الخيال واللمسات السحرية التي تشد القارئ ويرى في هذا العالم -الحلم متنفسا وخروجا عن المعهود والمعيشي  والواقعي واليومي بهدف أن تتحقق السعادة المطلوبة رغم كل شيء.  

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *