قراءة نقدية: خالد سليمان
طريق الحرير اليوم ـ تونس
لم يتنفس صبح يوم 19 يوليو ـ جويليه 1961 كما جرت العادة في ثغر بنزرت الهادئ البديع، إذ طغى عليه فحيح أفعى الغدر لجيش المستعمر الفرنسي، الذي تستر بغبشة فجر هذا اليوم لينقض بقوته الغاشمة في معركة غير متكافئة مع جيش تونس حديث التأسيس، المدعوم بالمتطوعين من أبناء الشعب البسطاء، الذين حاصروا «القاعدة الفرنسية في بنزرت»، مطالبين المستعمر الفرنسي بمطلبهم العادل، وهو الجلاء عن بلادهم والرحيل إلى غير رجعة. لكن المستعمر أبى الاستجابة لمطلبهم العادل بكل عنجهية وصلف، يدفعه غرور القوة الغاشمة، لينقض بمنتهى الغدر والخسة على أبناء تونس الذين قدموا من حدب وصوب للدفاع عن وطنهم ومساندة الجيش، مرتكبا مجزرة لا يمحى عارها من جبين الإنسانية، زاحفا إلى أحياء المدينة حيث يقطن المدنيون الأبرياء العزل، لتدور بينه وبين أبناء تونس حرب شوارع ضارية سقط فيها أعداد كبيرة من الشهداء التونسيين نتيجة تفوق عتاد المستعمر واستخدامه الطائرات في قصف الأحياء السكنية. ومن المفارقات الغريبة أن مرتكب تلك المجزرة هو الجنرال الفرنسي المجرم «أمان»، الذي ارتكب مجزرة مماثلة في مدينة بورسعيد خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وكانت بواسطة المظليين الفرنسيين أيضا، ولسان حال التاريخ يردد: «ما أشبه الليلة بالبارحة». فما حدث في بورسعيد عام 1956 تكرر مع أشقائنا في بنزرت في يوليو ـ جويليه 1961.
وكان أغلب من سقط من الشهداء من المدنيين والمتطوعين. وعلى الرغم من هذا الإجرام الفرنسي، استبسل التونسيون وحققوا بعض النجاحات، حيث اقتحموا مركز التموين في المصيدة، ونجحت المدفعية في قصف مدارج مطار قاعدة سيدي أحمد الجوية.
ورغم أن فرنسا قد حسمت المعركة عسكريا بفضل تفوقها الواضح في العتاد واستخدامها للطائرات والمدرعات والمدفعية والمظليين، فإن تونس قد حققت انتصارا أخلاقيا وسياسيا عظيما، أرغم فرنسا على الدخول في مفاوضات جدية أسفرت عن توقيع اتفاقية انسحاب تدريجي، انتهى بالجلاء التام عن بنزرت وكامل التراب التونسي في 15 أكتوبر 1963.

ـ هذه الصفحة المجيدة من صفحات التاريخ التونسي العريق توجتها وستتوجها العديد من الأعمال الإبداعية. وكان آخرها الفيلم الوثائقي للمخرجة ألفة شقرون «ديجول ـ بورقيبة: صراع إرادات في بنزرت»، الذي اعتمدت فيه مخرجة العمل منهجية وضع الشهادات الحية أمام بعض الروايات التاريخية، وحرصت على أن تكون تلك الشهادات على لسان من تبقوا أحياء ممن عاصروا هذا الصراع الدامي من الجانبين التونسي والفرنسي، مع الاستعانة ببعض المواد الفيلمية المصورة لأبطال تلك الحقبة، ومنهم، على سبيل المثال لا الحصر، شارل ديجول، والحبيب بورقيبة، والجنرال أمان.

هذا الفيلم الوثائقي استغرق إنجازه ست سنوات، كما ذكرت المخرجة، وهو يغطي مدة قدرها ستة أشهر سبقت اندلاع ذلك الصراع الدامي، الذي استغرق أربعة أيام كابوسية بالنسبة للشعب التونسي ومواطني مدينة بنزرت. لكن تلك الأيام الدامية كانت ثمنا لحرية تونس التي روت شجرتها دماء الشهداء الزكية.
ـ من حسن حظ ألفة شقرون، مخرجة الفيلم، أنها أدركت من عاصروا الأحداث وما زالوا أحياء، ولم يستطع الزمن أن ينال من ذاكرتهم. ومن بين هؤلاء والدها ووالدتها، التي ذكرت مخرجة العمل أن عمرها آنذاك كان 12 عاما. ومن الطريف أيضا أن بعض من حرصوا على حضور العرض ما قبل الأول للفيلم كانوا ممن عاصروا تلك الأحداث، وكان في مقدمتهم السيد مروان مرابط، الذي كان آنذاك عضوا في الكشافة الجوية لمدينة بنزرت، والذي أثرى النقاش بمداخلاته القيمة خلال النقاش الذي دار عقب الفيلم.

ـ الفيلم في مجمله إضافة وتوثيق جيد لهذه المعركة الخالدة التي دارت في بنزرت، عاصمة الجلاء كما يطلق عليها. ويلاحظ أن الفيلم قد اعتمد على الشهادات والصور والوثائق أكثر من المادة الفيلمية المصورة، والتي أظن أن مخرجة الفيلم كان يمكنها الاستعانة بها من مؤسسة التلفزة التونسية أو مراكز التوثيق المختصة في تونس، اللهم إن تعذر عليها ذلك لأسباب إجرائية ولوجستية.
ـ وفي ملتي واعتقادي أنه كان هناك تزيد كبير ممن طالبوا المخرجة بعرض وجهات نظر أخرى خلال فيلمها الوثائقي، كوجهة النظر اليوسفية، إذ إن مخرجة الفيلم، ألفة شقرون، كانت معنية أكثر بتوثيق الحدث نفسه والإرهاصات التي سبقته بأشهر، وسارت في خطين متوازيين لتوثيق معركة بنزرت، وإن تقاطع الخطان في أكثر من موضع، خاصة فيما يخص الفظائع وجرائم الحرب التي ارتكبتها فرنسا، بدءا من قصف الأحياء السكنية التي يقطنها المواطنون العزل، مرورا بالتنكيل بسكان المدينة، وليس انتهاء بجثث الشهداء التي لم يسمح الفرنسيون بنقلها، وتركت في العراء لتتعرض لظروف مهينة، فيما نقلوا جثث قتلاهم على الفور بسيارات الإسعاف الخاصة بهم. ولم يتم نقل ما تبقى من جثث عدد كبير من شهداء المعركة التونسيين، الذين تراوح عددهم بين 600 و700 شهيد حسبما نُشر، وقد ذكر البعض أكثر من ذلك. ناهيك عن تربص القناصة الفرنسيين بسكان المدينة عند أي محاولة للخروج من منازلهم، فيما يشبه الحصار. كما اهتمت بسرد الكثير من تفاصيل الأيام الأربعة الحرجة التي استغرقتها المعركة، على لسان من أدلوا بشهاداتهم المصورة، وهي تفاصيل كانت تستحق دقة أكبر خلال عملية المونتاج.
ـ والفيلم الوثائقي (The Cinematic Documentary)، في جوهره، طبقا للتعريف النقدي الأكاديمي، هو عمل سينمائي متكامل يعتمد على الواقع، ولكن من خلال رؤية فكرية وفنية ووجهة نظر خاصة للمخرج، الذي لا يكتفي بنقل الواقع والوقائع، بل يحاول تفسيره وتفكيكه أو طرح تساؤلات حوله. الأمر الذي قد لا يدركه البعض ممن تنقصهم الكثير من المعرفة حول تلك النوعية من الأعمال، خاصة عندما يتساءلون عن موضوعية صاحب العمل، في إشارة ضمنية إلى مدى حياديته، وهي مسألة تتعارض مع التعريف النقدي الأكاديمي للعمل الوثائقي. وهذه مشكلة كل من يجهل الخيط الرفيع بين العمل الوثائقي والعمل التسجيلي، أو يظن أنهما مترادفان كما هو شائع.
ـ ناهيك عمن يتجاهلون السياق الذي جرت فيه تلك الأحداث على كافة الصعد عند تلقي العمل، ويسقطون عليها معايير السياق والواقع المعيش، الأمر الذي يمثل عوارا كبيرا لدى المتلقي الذي يفترض أنه مختص من ذوي الخبرة وعلى درجة معينة من المعرفة.
ومن الضروري التنويه إلى أن من احتفلوا مع الزعيم الحبيب بورقيبة بجلاء الفرنسيين كانوا من بينهم الزعيم جمال عبد الناصر، وأحمد بن بيلا، وولي العهد الليبي، في مشهد رائع واحتفالية شعبية مهيبة.

ـ الفيلم الوثائقي «ديجول ـ بورقيبة: صراع إرادات في بنزرت»، أو «ديجول ـ بورقيبة.. المواجهة»، للمخرجة ألفة شقرون، عمل جيد بُذل فيه جهد مقدر ومحترم، ويمثل لبنة جديدة في السردية التي تناولت هذا الحدث الكبير، الذي يجسد الكفاح النبيل للشعب التونسي من أجل حرية بلاده. وليت هذا الحدث يتم تناوله من كافة جوانبه في العديد من الأعمال الدرامية، شريطة أن يكون من يتصدى لصياغتها دراميا مبدعا قديرا.





